ارشيف من :أخبار لبنانية

كتيب الاستقلال للعام 2009: " معاً حققنا الاستقلال ومعاً نحميه "

كتيب الاستقلال للعام 2009: " معاً حققنا الاستقلال ومعاً نحميه "

في الذكرى السادسة والستين للاستقلال، يعتصم اللبنانيون بتاريخهم المجيد، يقلّبون صفحاته المشرقة، ليعودوا بالذاكرة إلى تلك المحطة الحاسمة التي سجلت خروج لبنان من الوصاية والتبعية إلى أفق الحرية والسيادة، حين هبّ المواطنون صفاً واحداً وإلى جانبهم جيشهم الفتي، لمواجهة قوى الانتداب وسلطاته، فكان لهم ما أرادوا، إذ أطلّ لبنان الحديث على العالم، وطناً يحتل مكانته الكريمة تحت وجه الشمس، ويعلن نفسه موئلاً للأحرار ومقصداً للمضطهدين، وواحة للتنوع الديني والفكري والثقافي.

وعلى مدى سنوات الاستقلال، استمر الجيش في أداء مهماته الوطنية الكبرى على المستويات الدفاعية والأمنية والإنمائية، صامداً في وجه التحديات والأخطار، مقارعاً العدوان بقوة الحق، مفتدياً الأهل والتراب بالعرق والجهد والدم، يعيش قضايا وطنه وهموم شعبه، ولسان حاله يقول: معاً حققنا الاستقلال ومعاً نحميه.

1 ـ مرتكزات الإستقلال
يرمز استقلال الوطن إلى سيادة الشعب على أرضه، وإلى قراره الحر الذي تمثله الدولة ومؤسساتها الدستورية الشرعية، والمعبّرة عن إرادته، بعيداً عن التدخلات والتأثيرات الخارجية. وللاستقلال مرتكزات أساسية لا بدّ من توافرها مجتمعة،  ليكون كاملاً غير منقوص.

أولها: الإرادة الوطنية الجامعة، النابعة من وعي مختلف الجماعات لشخصيتها الوطنية المتبلورة من خلال عوامل التاريخ والجغرافيا، والتراث والقيم والعادات والتقاليد، إضافة إلى تلاقي هذه الجماعات على أهداف ومصالح مشتركة.

وقد جسّد اللبنانيون عبر التاريخ إرادتهم هذه، من خلال سعيهم الدائم لتحرير وطنهم من الجيوش والقوى الغريبة التي تعاقبت على احتلال أرضه. إذ قاوموا معاً الإحتلال العثماني لقرون أربعة، ومن بعدُ الإنتداب الفرنسي، حتى أنجزوا الإستقلال الكامل في الثاني والعشرين من تشرين الثاني العام 1943. وبعد ذلك، لم يتوانوا لحظة عن تأدية واجبهم الوطني في الدفاع عن أرضهم ومقدَّساتهم ضد العدو الإسرائيلي، والتصدي لاعتداءاته المستمرة، ومقاومة احتلاله لأجزاء من الأراضي اللبنانية خصوصاً في إجتياحي العام 1978 والعام 1982، إلى أن تجلَّت وحدتهم وإرادتهم الجامعة بأبهى مظاهرها، في تحقيق الانتصار الكبير على هذا العدو في الخامس والعشرين من أيار العام 2000، ومن ثم تلاقيهم جميعاً والتفافهم حول علم بلادهم بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولاً إلى تضامنهم المشهود في مواجهة العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان في العام 2006، ولاحقاً التفافهم حول جيشهم أثناء تصديه للإرهاب في نهر البارد العام 2007.

ومن مرتكزات الاستقلال أيضًا وحدة الأرض والشعب، والتي من دونها يسود الانقسام والتشرذم، وتشرّع الساحة الداخلية على تدخُّلات الآخرين وصراعاتهم. ولقد كرَّس الدستور أرض لبنان مساحة وحدودًا، فتمّ الاعتراف بها دوليًا، وأي مسٍّ بها، أو تجزئة، أو تقسيم لها، هو تهديد للوطن في جوهر وجوده. وعلى الرغم من الأحداث الأليمة التي عصفت بالوطن، لم يتخلَّ اللبنانيون للحظة عن صيغة عيشهم المشترك، حتى جاءت أخيراً وثيقة الوفاق الوطني، لتؤكد بشكل لا لبس فيه هذه الحقيقة الدامغة.

أمَّا ركيزة الاستقلال الثالثة فهي دولة المؤسسات ، المعبِّرة عن إرادة الشعب ووحدته، والتي تتولَّى حكمه ورعايته وإدارة شؤونه، استنادًا إلى مبدأ الحقوق والواجبات. كما تتولَّى حماية الأرض وتنظيم استغلال ثرواتها، وبذلك تشكل ركنًا أساسيًا من أركان وجود الوطن السيِّد المستقل. ويأتي الجيش في طليعة المؤسسات المكوّنة للدولة، انطلاقاً من موقعه كرمز للسيادة والاستقلال، ومن وظيفته الأساسية كحامٍ للوطن. فهذه المؤسسة تجمع أبناء الوطن على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم، وتصهرهم في بوتقة وطنية واحدة، تستند إلى القيم العليا للمجتمع اللبناني، والى رسالة الجندية التي تجعل من المنضوين تحت لوائها، مثالاً للرجولة والعطاء والاستعداد الدائم للتضحية في سبيل الوطن. وهكذا، تُسهم المؤسسة العسكرية إلى حد كبير، في توفير الإستقرار العام في البلاد، من خلال مشاركتها الفعَّالة في بلورة الاتجاهات والتيَّارات الوفاقية في المجتمع وتنميتها.

2ـ الجيش والوطن: أ – المهمات الدفاعية

واجب الجيش الأول، هو الدفاع عن الوطن والشعب ضد أي اعتداء خارجي. وبذلك يوفّر سلامة المجتمع، ضامناً له سبل الاستقرار والتطور في مختلف الميادين.

منذ ولادته رسمياً في الأول من آب العام 1945، لم يتوان الجيش لحظة عن القيام بواجبه الدفاعي، حيث خاض خلال العام 1948 أولى معاركه البطولية في بلدة المالكية، التي استطاع تحريرها من العدو الإسرائيلي، رغم عدم التكافؤ في موازين القوى، متسلحاً بقوة الحق في وجه غطرسة القوة، ثم توالت بعد ذلك سبحة المواجهات مع هذا العدو، لا سيّما في منطقة سوق الخان العام 1970، وعلى محوري بيت ياحون ـ تبنين وكفرا  ـ ياطر العام  1972، وفي صور العام 1975، مروراً باجتياحي العام 1978 والعام 1982، وعمليتي تصفية الحساب في العام 1993، وعناقيد الغضب في العام 1996، ومواجهات عرب صاليم والأنصارية في العام 1997، وصولاً إلى الملحمة الوطنية الكبرى في حرب تموز 2006، حيث وقف اللبنانيون بجيشهم وشعبهم ومقاومتهم، صفاً واحداً في مواجهة العدو الإسرائيلي، الذي شن حرباً وحشية ضد لبنان، في عملية تدمير منهجي لبناه التحتية ومنشآته، واستهداف واضح للمواطنين الأبرياء في كلّ بقعة من الوطن.

وخلال هذه الحرب، كان الجيش في ساحة المواجهة، يعكس صورة الوطن المقاوم، إذ قامت وحداته في أماكن انتشارها، بأداء دورها الدفاعي بكل القدرات المتاحة لديها، من خلال التصدي للطائرات المعادية، وإحباط العديد من محاولات الإنزال والتسلل، مقدماً نحو 50 شهيداً وعدداً كبيراً من الجرحى، امتزجت دماؤهم مع دماء الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ والمقاومين الأبطال، في ساحات الصمود والكرامة.

حالياً، يواظب الجيش على أداء مهماته الدفاعية في الجنوب بمؤازرة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، يواكبه تشديد قائد الجيش العماد جان قهوجي على وجوب بذل أقصى التضحيات للحفاظ على إنجاز التحرير الذي تحقق في العام 2000، والتطلع دائماً، إلى تحرير ما تبقى من أرض لبنانية محتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، كذلك التصدي الفوري لأي اعتداء إسرائيلي بما فيه الخروقات الجوية، كما حصل في منطقة حولا بتاريخ 17/10/2009.

وتأكيداً على تمسك الجيش بكلّ شبرٍ من تراب الوطن، تواصل لجنة عسكرية مختصة بالتعاون مع القوات الدولية، مهمة إعادة وضع المعالم عند الخط الأزرق الذي تعرض قسم منه للتشويه، في أثناء عدوان تموز، بحيث تمكنت هذه اللجنة في سياق عملها، من تحديد أراضٍ محررة ومهجورة، بملايين الأمتار المربعة، ويعمل الجيش بالتعاون مع القوات الدولية والسلطات الرسمية، على تنظيف هذه الأراضي من الألغام وشق طرقات إليها، تمهيداً لتسليمها تباعاً إلى أصحابها.

ب ـ المهمات الأمنية

يقوم الجيش بتنفيذ مهماته الأمنية في مختلف المناطق اللبنانية، مستنداً في ذلك إلى جملة من المبادئ أبرزها:

ـ   الجيش مؤسسة وطنية جامعة، تنأى بنفسها عن الطائفية والفئوية والتجاذبات السياسية، وتلتزم القوانين والأنظمة النافذة وقرارات السلطة الإجرائية، في إطار المصلحة الوطنية العليا.

ـ   التجرد المطلق في معاملة المواطنين وتطبيق مبادئ العدالة والمساواة، حفاظاً على الديموقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان.

ـ   تأمين استمرارية تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية من خلال الشفافية في القيادة والإدارة والموقف، والسهر على متابعة الأوضاع، والحزم والسرعة في تنفيذ المهمات، وعدم التهاون مع أي إخلال بالأمن.

وقد كان للجيش خلال السنوات الماضية، الدور الأساس في ضبط الأمن وتثبيت الاستقرار، رغم الانقسامات السياسية الحادة التي شهدتها البلاد، وما رافقها من مظاهرات واعتصامات وأحداث أمنية خطيرة، حيث شكّل تدخل الجيش الحازم والسريع لمحاصرة الأحداث ومنع تفاقمها، الفسحة تلو الأخرى، لعودة الجميع إلى طريق التلاقي والحوار. وخلال هذا العام نفذت وحدات الجيش في مختلف المناطق اللبنانية  مهمات أمنية  متنوعة، شملت مكافحة الجرائم المنظمة وتوفير الأمن للعملية الانتخابية، إضافة إلى التدخل المستمر لمعالجة الأحداث الأمنية المتنقلة ، لا سيما   تلك التي اتخذت طابعاً فئوياً في منطقتي عين الرمانة ـ الشياح وطرابلس، مما دفع الجيش إلى بذل أقصى الجهود لوضع حدٍ لها وتوقيف الضالعين بها ومنع استغلالها، وقد أكدت القيادة ملاحقة المخلين بالأمن  إلى أي جهة انتموا، وعزمها على فرض الأمن والنظام في مختلف المناطق اللبنانية، وأن لا مظلة سياسية فوق أحد.

في الإطار الأمني أيضاً، حققت القوة المشتركة، المكلفة بمهمة ضبط ومراقبة الحدود البرية والبحرية اللبنانية، والتي تضم فوج الحدود البرية الأول من الجيش اللبناني، ووحدات من قوى الأمن الداخلي والأمن العام والجمارك، إنجازات مهمة في مجال منع التسلل غير الشرعي، ووقف أعمال التهريب على جانبي الحدود اللبنانية ـ السورية في منطقة الشمال، وقد تم استحداث معبر حدودي جديد في محلة وادي خالد، مخصص لمرور المشاة والسيارات السياحية فقط، وذلك بهدف التخفيف من أعباء تنقلات المواطنين، في حين يستمر التعاون بين لجان عسكرية من الجيشين اللبناني والسوري، لمعالجة المشاكل الناجمة عن التداخل الجغرافي والسكاني، خصوصاً في ما يتعلق بمتابعة التحصيل العلمي واستثمار الأراضي الزراعية.

من جهة أخرى، بدأت قيادة الجيش التحضير للمشروع المتعلق بضبط كامل الحدود الشرقية، ولهذه الغاية تم إنشاء فوج الحدود البرية الثاني، تمهيداً لإنشاء القوة المشتركة الخاصة بهذه الحدود، والتي ستبدأ تنفيذ مهماتها فور استكمال عديدها وتجهيزها بالعتاد.

ـ مواجهة الإرهاب
يعتبر الإرهاب من أشد المخاطر المحدقة بالوطن، كونه يشكّل النقيض الواضح للصيغة اللبنانية، القائمة على العيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني، وانفتاح هذا الأخير على سائر مجتمعات العالم.

ولقد واجه الجيش بكلّ قوة وحزم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في عدة مراحل، كان أبرزها، مواجهة تنظيم فتح الإسلام في العام 2007 في نهر البارد، حيث تمكن مدعوماً بالتفاف شعبي عارم، من تحقيق انتصار كامل على هذا التنظيم، بعد أن قدم 171 شهيداً ومئات الجرحى والمعوقين قرابين طاهرة على مذبح الوطن. ثم استطاع لاحقاً بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي توقيف معظم أفراد الشبكة الإرهابية الخطيرة، التي استهدفت عسكريين بعبوات ناسفة في مناطق العبدة وطرابلس شمالي لبنان خلال العام 2008.

كما تمكّن الجيش خلال هذا العام، من تفكيك العديد من الشبكات الإرهابية، أبرزها شبكة تابعة لتنظيم القاعدة، كانت تعد لتنفيذ تفجيرات ضخمة في لبنان وعددٍ من الدول العربية.

ـ مكافحة التجسس
تعتبر عمليات التجسس، من أهم الوسائل التي يستخدمها العدو الإسرائيلي، تمادياً في تنفيذ مخططاته الإجرامية ضد لبنان في أوقات السلم والحرب،  وسعياً لحصوله على معلومات مختلفة، يستفيد منها أثناء أعماله العسكرية، أو لتنفيذ اغتيالات وتفجيرات إرهابية، بهدف النيل من وحدة الوطن وصيغة العيش المشترك بين أبنائه. لكن الجيش كان دائماً بالمرصاد لهذا الخطر، بحيث استطاع في الأعوام المنصرمة تفكيك العديد من الشبكات العميلة، أبرزها شبكة محمود رافع الذي اعترف بضلوعه في جرائم عديدة، من بينها جريمة اغتيال الأخوين مجذوب في صيدا بتاريخ 26/5/2006. غير أن الإنجاز الأكبر على هذا الصعيد، تحقق خلال العامين 2008 و2009، إثر تمكن مديرية المخابرات بالتعاون مع سائر الأجهزة الأمنية، من كشف عشرات الشبكات المتعاملة مع الموساد الإسرائيلي وتوقيف معظم أفرادها، وقد ضبط بحوزة هؤلاء، أجهزة اتصال وكاميرات تصوير متطورة للغاية، فيما اعترفوا بإقدامهم على جمع معلومات عن مراكز عسكرية وحزبية، ورصد تحركات مسؤولين سياسيين وعسكريين، والتحضير للقيام بأعمال تخريبية لصالح العدو، وفي هذا السياق، عمد الجيش بالتعاون مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بتاريخ 19/10/2009، إلى تفكيك معدات تابعة لأجهزة تجسس مفخخة بعبوات ناسفة، كان قد زرعها العدو الإسرائيلي في منطقة حولا اللبنانية، وعمل على تفجيرها عن بعد، في تعدٍ جديد على السيادة اللبنانية وخرق فاضح للقرار 1701.

ج ـ المهمات الإنمائية

ارتبط الجيش اللبناني منذ نشأته ارتباطاً وثيقاً بالمجتمع، ليس من خلال المهمات الدفاعية والأمنية المنوطة به وما يترتب على ذلك من علاقات مع المواطنين فحسب، إنما أيضاً من خلال اهتمامه بالمجالات الاجتماعية والخدمات التي يؤديها حيث تدعو الحاجة، إدراكاً منه بأن الأمن والنهوض الإنمائي والاقتصادي في البلاد، هما توأمان لا ينفصلان.

ومن المهمات الإنمائية التي نفذها الجيش ولا يزال: المشاركة في تأهيل المرافق السياحية والمواقع الأثرية، القيام بحملات تنظيف للشواطئ وبأعمال تشجير وإخماد حرائق، شق طرقات في الأماكن النائية، رفد بعض الإدارات الرسمية بالخبرات والوسائل والطاقات البشرية، تقديم المساعدات اللازمة لمؤسسات المجتمع المدني والهيئات الفنية والثقافية والاجتماعية، القيام بعمليات إخلاء وإنقاذ، وتشكيل لجان  لتخمين الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية والحوادث الطارئة...

من ناحية ثانية، أولى الجيش اهتماماً خاصاً بمشكلة الألغام المتصلة بالأمن والإنماء معاً، نظراً لما لها من تأثير مباشر على حياة المواطنين وأعمالهم اليومية واستثمارهم لأرزاقهم. وقد بدأت هذه المشكلة مع انتهاء الأحداث في العام 1990، وتفاقمت على أثر اندحار العدو الإسرائيلي في أيار من العام 2000، إذ استفاق اللبنانيون على احتلال من نوع آخر، تمثل بوجود نحو 550،000 لغم خلفها هذا العدو وراءه في مناطق الجنوب والبقاع الغربي، ثم بلغت المشكلة ذروتها مع عدوان تموز، حيث أسقط العدو الإسرائيلي أكثر من مليون قنبلة عنقودية فوق أرض الجنوب. وقد تمكن الجيش بالاشتراك مع فرق مختصة من دول شقيقة وصديقة، ومنظمات دولية غير حكومية، حتى تاريخ 1/11/2009 من إنجاز ما يلي:

ـ  نزع وتفجير 126000 لغم مضاد للأشخاص والآليات، و 43000 قذيفة وقنبلة غير منفجرة، و 197000 قنبلة عنقودية، و511 قنبلة وصاروخ طيران،  و78000 جسم مشبوه.

ـ  تنظيف مساحة 91 كلم2 من أصل 165 كلم2 من الألغام والقذائف غير المنفجرة.

ـ  تنظيف مساحة 20 كلم2 من أصل 37 كلم2 من القنابل العنقودية.

من جهة أخرى يستمر المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بنزع الألغام، بالتعاون مع اللجنة الوطنية للتوعية من مخاطر الألغام، بتنفيذ حملات الإرشاد والتوعية في جميع المناطق اللبنانية، حيث أدت الجهود المبذولة إلى انخفاض كبير في معدل الضحايا سنوياً.

3ـ المؤسسة العسكرية: خطوات إلى الأمام

إن الحفاظ على قدرات المؤسسة العسكرية، يتطلب الاستمرار في عملية تطويرها على مختلف الأصعدة، وانطلاقاً من ذلك، أولت القيادة مواضيع العديد والتدريب والتجهيز الاهتمام الأقصى، فعمدت إلى تمديد الخدمات لبعض المجندين السابقين وتطويع الراغبين منهم بصورة تدريجية، كما عمدت إلى تكثيف الدورات التدريبية في الداخل والخارج على مختلف المستويات، إلى جانب تفعيل التعليم في كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان وفي سائر المعاهد والمدارس، بهدف تأهيل الضباط القادة لتسلم وظائف قيادية عليا، وتنشئة ضباط ورتباء وأفراد جدد، يتحلّون بكفاءة عسكرية عالية.

وفي إطار سعيه الحثيث لتأمين الأسلحة والتجهيزات الضرورية للجيش، زار قائد الجيش العماد جان قهوجي، كلاً من الجمهورية العربية السورية والولايات المتحدة الأميركية وجمهورية مصر العربية ودول قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، حيث عرض خلال لقاءاته مع مسؤولين سياسيين وعسكريين لحاجات الجيش، واطلع على المساعدات الممكنة. وقد أثمرت هذه الزيارات نتائج جيدة، خصوصاً في مجالي التدريب واللوجستية. حيث تسلم الجيش كمية من الأعتدة والآليات والأسلحة، من بينها الطائرة الأميركية المتعددة المهمات نوع Cessna Caravan 208B، والتي نفذت رماية تجريبية في حقل الطيبة ـ بعلبك، بصاروخ جو ـ أرض نوع "Hell fire" الذي يعتبر من الأسلحة التكتية الحديثة ذات الدقة العالية، وقد تميز طاقم الطائرة بكفاءته ودقته في تحديد الأهداف وإصابتها.

ومن الجدير بالذكر، قيام القوات الجوية في الجيش اللبناني خلال فترة زمنية قياسية، بتدريب طيارين على قيادة الطوافات الثلاث نوع سيكورسكي، المخصصة لإطفاء الحرائق، والتي تسلمتها وزارة الداخلية والبلديات كمساعدة من قبل جمعية أخضر دايم، حيث نفذت هذه الطوافات خلال الصيف المنصرم، عدة طلعات جوية في مهمات إطفاء الحرائق.

في مجال آخر، واظبت القيادة على تحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للعسكريين، لا سيما من خلال رفع مستوى الطبابة العسكرية، لجهة رفدها بالأجهزة الطبية المتطورة وبالكفاءات البشرية، إضافة إلى تفعيل عمل جهاز الإسكان العسكري، واستحداث مبانٍ ومنشآت إضافية، من بينها المبنى الجديد للنادي العسكري المركزي في محلة المنارةـ بيروت ونادي الرتباء المركزي في منطقة الشمال، اللذين تم تشييدهما بالاعتماد على اشتراكات العسكريين، والقدرات الذاتية للمؤسسة العسكرية. مع الإشارة إلى أن قيادة الجيش قد أنجزت الدراسات الهندسية المطلوبة لإنشاء مستشفى عسكري نموذجي، وهي بانتظار تحقيق التمويل اللازم للبدء بتنفيذ هذا المشروع.

4– تاريخ الجيش: الجزء الأول إلى النور
انطلاقاً من ضرورة حفظ تراث المؤسسة العسكرية وصون إنجازاتها وتضحيات أجيالها، وإدراكاً منها لأهمية الوقوف على تاريخ المؤسسة، بناءً وتطويراً، دوراً وأحداثاً، عمدت قيادة الجيش وفي مراحل متعددة إلى تشكيل لجان متخصصة في علم التاريخ، ضمت ضباطاً وأساتذة جامعيين، حيث قامت هذه اللجان بجمع الوثائق من الأرشيف العسكري، ومن محفوظات المكتبات الجامعية ودور النشر ومراكز البحوث والدراسات والصحف والمجلات، إضافة إلى الاتصال بشخصيات رسمية ووطنية وضباط متقاعدين، عاصروا قسماً من حقبة الانتداب الفرنسي على لبنان، أو استحصلوا على معلومات عنها، كما انتدب عدد من أعضاء اللجان إلى فرنسا في مهمة تصوير ما يلزم من الأرشيف العسكري الفرنسي المتعلق بإنشاء الوحدات العسكرية اللبنانية ومهماتها خلال تلك الحقبة.

وقد تمكنت اللجان المتعاقبة، وبعد جهود حثيثة من إنجاز كتاب تاريخ الجيش اللبناني ـ الجزء الأول الذي يشمل الفترة الممتدة من العام 1920 أي تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير، وحتى العام 1945، أي الموعد الرسمي لتأسيس الجيش اللبناني.

وتتويجاً لهذا الإنجاز، نظمت قيادة الجيش في قاعة العماد نجيم في اليرزة بتاريخ   14/10/2009، حفل إصدار للكتاب، برعاية وحضور فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وحضور دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ودولة رئيس مجلس الوزراء السابق الأستاذ فؤاد السنيورة، وعدد من الوزراء، إلى جانب قائد الجيش العماد جان قهوجي وأعضاء المجلس العسكري وعدد من كبار ضباط القيادة، وحشد من رؤساء الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية والإعلامية، والذين ساهموا مادياً ومعنوياً في إصدار الكتاب.

وقد ألقى فخامة الرئيس كلمة بالحضور، استهلها بتوجيه تحية لأرواح شهداء الجيش ثم قال:"لا بد عندما ننظر في نشأة جيشنا وتاريخه، أن نؤكد حقيقة دامغة تربط بينه وبين قيامة لبنان واستمراره وطناً مستقلاً، موحداً، جامعاً لأبنائه كافة. تبدأ المسيرة من أرض الجنوب، حيث انبرى جيش فتي للدفاع عن حدود الوطن، فكتب التاريخ العسكري يومها أحداث معركة المالكية، كشاهدٍ على قدرة جنوده وتفانيهم. ثم يعود الجيش إلى الأرض الحبيبة بعد غيابٍ قسري، فتخفق فيها راية الوطن مجدداً، ويستعيد دوره الطبيعي في الدفاع عنها ويتصدى لاستفزازات العدو وخروقاته، مستفيداً من دعم القوات الدولية له في سعيه لتطبيق مندرجات القرار 1701 تطبيقاً كاملاً غير منقوص. والجيش بين هذه المحطة وتلك لم يبخل يوماً بدماء رجاله في خندق الدفاع عن الوطن، وهو عمل جنباً إلى جنب مع المقاومين الأبطال في التصدي للمحتل وطرده".

وأضاف:"يعلم الجميع أن حماية الوطن استوجبت دوراً للجيش يتعدى هذه المهمة، وكان عليه أن يتصدى في كثير من المحطات لمخاطر ذات أبعاد كيانية، تتهدد الوطن في مقوماته. وهذا ما جعل منه الضمانة الكبرى وأحياناً الوحيدة التي تشكل مرتجى اللبنانيين وأملهم في الحفاظ على النظام وصيانة ديمقراطيته، وفي تسهيل قيادة الوطن موحداً سالماً إلى شاطئ الأمان". وختم بالقول:"كلما كانت الأنواء تعصف بهذا البلد، كانت الروح العسكرية تجمع بين أبنائه، فتحافظ على وحدة الجيش وتحفظ الوطن. فالجيش جيش الوطن، كل الوطن، وليس حامياً للنظام".

ثم ألقى العماد قهوجي كلمة حيا فيها فخامة الرئيس والحضور، متوجهاً بالشكر إلى كلّ من أسهم في إنجاز العمل ومما قاله:"إن الأهم في معرفة التاريخ، هو الإطلاع على النقاط المضيئة منه، لجعلها قدوة للحاضر والمستقبل. والإطلاع كذلك على النقاط المظلمة، لاستقاء العبر والدروس منها، والاستفادة من تجارب الأسلاف، لأن في ذلك توفيراً للوقت والجهد والقدرات، وربما صوناً للدماء والأرواح في أحيان كثيرة". وأضاف:" صحيح أن عمر الجيش اللبناني الرسمي قصير، ويعتبر فتياً بالنسبة للكثير من جيوش العالم، لكن الجيوش لا تقاس بأعمارها، بل برسالتها ودورها وإنجازاتها. لذا نتطلع بكلِّ فخر واعتزاز، إلى ما حققه جيشنا الأبي، خلال مسيرته المفعمة بالبذل والتضحية والعطاء. فهذا الجيش لم يتوانَ لحظة عن القيام بواجبه الدفاعي والأمني، بدءاً من رفض الانتداب الأجنبي، مروراً بمواجهاته الطويلة مع العدو الإسرائيلي، إلى التصدي للإرهاب وكل العابثين بأمن الوطن واستقراره". وختم قائلاً:"إن تاريخاً سطّره رجال الجيش بالدماء والتضحيات، لهو أقوى من أن تعبث به رياح التغيير والنسيان، وإن جيشاً مدركاً لمسؤولياته وواجباته الوطنية، لهو جدير بحفظ إرث الأجيال وصون أمانة الشهداء. فلنتعظ من دروس الماضي، ونستلهم من صفحات تاريخنا المجيد، شعلة الإيمان بغدٍ مشرق مزدهر".

ـ خاتمة
تطلّ الذكرى السادسة والستون للاستقلال، وجيش الشرف والتضحية والوفاء، يرابط عند شرفات الوطن وينتشر على امتداد ساحاته، عين على الأرض وعين على وحدة الشعب، وفي مخيلة كلّ جندي علم بلاده وصور أهله، ومآثر رفاقه الشهداء الذين كتبوا بحبر الدم القاني، أروع صفحات المجد والبطولة في كتاب الحرية والاستقلال.

2009-11-22