ارشيف من :أخبار لبنانية
مـن يعيـد «الأمـن» إلـى قـوى الأمـن؟
عماد مرمل - صحيفة السفير
إذا كان ملف الخلاف في قوى الامن الداخلي قد أقفل، في الوقت الحاضر، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، إلا ان جميع المعنيين به يدركون جيداً ان تسوية «منتصف الليل» التي حالت دون الانفجار الكبير، ليست سوى «ربط نزاع» مؤقت، من شأنه ان يتيح لكل الأطراف إعادة ترتيب أوراقها، بانتظار المواجهة المقبلة التي ما زال جمرها يختبئ تحت الرماد.
من الأكيد أن أزمة قوى الأمن هي أعمق مــن ان يعالــجها قبول قائد الدرك العميد انطوان شكور بتوقيع مذكرة نقل ضابطين الى القصر الجمهوري والسرايا الحكومية، وتراجع المدير لعام لقوى الامن اللواء اشرف ريفي بعد ذلك عن قراره بتجميد عمل شكور لمدة 15يوماً. بهذا المعنى، فإن ما ظهر على السطح لم يكن إلا رأس جبل الجليد، وما خفي هو حتماً أعظم بكثير.
ويبدو واضحاً في هذا الإطار ان مشكلة قوى الامن تختزل العديد من الأبعاد المتداخلة التي يمكن تحديدها كالآتي:
ـ انزلاق المؤسسة الى تجاذب سياسي حاد وعلني حول الخيار والانتماء، وبالتالي حول طبيعة الدور والوظيفة، بحيث انتقلت اليها عدوى الاصطفافات التقليدية في الساحة الداخلية، في ظل توزع ولاء قادتها بين المعارضة والأكثرية، وهذا ما تعكسه تركيبة مجلس القيادة الذي أدت الاختلافات بين أعضائه الى شرذمته وتعطيل فعاليته كمرجعية لإدارة المؤسسة.
ـ اكتساب هذا التجاذب السياسي صبغة طائفية فاقعة، بفعل تصنيف اللواء ريفي «السني» في خانة المحسوبين على الرئيس سعد الحريري، والعميد شكور «الماروني» في خانة المحسوبين على العماد ميشال عون، الأمر الذي أدى الى إنتاج توازن طائفي، بدا انه أقوى من أي نص قانوني او حسابات مضمرة لدى هذا الفريق او ذاك.
ـ الدور المثير للجدل الذي يؤديه فرع المعلومات منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وسط رغبة الأكثرية في تفعيله وتشريعه لما يمثله برأيها من إضافة أمنية وتوازن سياسي مع الأجهزة الاخرى، وسعي المعارضة الى تحجيمه وتقليم أظافره لشعورها بأن همه الأساس هو «التلصص» عليها، عدا عن اعتقادها بأن وظيفة هذا الفرع يُفتــرض أن تكون قد انتهت مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية واتخــاذ سعد الحريري قراره الاستراتيجي بالانفتاح على دمشق والتعاطي معها بواقعية.
ـ وضعية وزير الداخلية زياد بارود الذي يعتقد انه يجب الانطلاق مما حصل لاستخلاص العبر المناسبة ووضع النقاط على الحروف، وهو الذي أنهكه السير خلال ولايته الاولى بين ألغام الأجهزة والمديريات المتنافرة، ساعياً الى «إدارة الصراع» بأقل الخسائر الممكنة وحاملاً العصا من الوسط لئلا تنكسر بين يديه، بانتظار نضوج الظروف الملائمة لمعالجة سياسية جذرية يشارك فيها «وزراء الظل» الموجودون خارج «الداخلية». ولكن هذه الواقعية لم تشفع له، وكاد ينقلب سحرها عليه، بعدما فوجئ بأن هناك من فهمها ضعفاً يغري على تجاوز موقعه، الأمر الذي استدعى منه اتخاذ موقف اعتراضي متقدم، آخذاً بعين الاعتبار وجوب ان تكون مقاديره مدروسة، بحيث تصل الرسالة الاحتجاجية من دون ان تهدد مصير الحكومة او تحرج رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي يشكل المرجعية السياسية للوزير بارود.
وإلى حين ان يُفتح كل هذا الملف المفخخ على مصراعيه، أظهرت الجولة الاولى من المواجهة ان قوى الامن الداخلي هي الخاسر الاكبر مما جرى، بمعزل عما حققه ريفي او شكور على مستوى تسجيل النقاط، أحدهما ضد الآخر، إذ ان الكباش الحاصل بينهما والذي خرج الى العلن أفقد هذه المؤسسة المزيد من هيبتها المعنوية، علماً بأن الهيبة هي السلاح الاستراتيجي الأهم لأي مؤسسة أمنية او عسكرية، ومن دونها تفتقر كل الاسلحة الاخرى الى الفعالية المطلوبة.
الخاسر الآخر هو منطق الدولة والمؤسسات. والمفارقة هنا، ان الاكثرية والمعارضة تتفقان معاً على انه تلقى صفعة قوية، وإن كانتا تختلفان على تحديد المسؤولية. بالنسبة الى المعارضة، فإن تجاوز ريفي للعميد شكور في العديد من القرارات الاجرائية، ثم تجاوزه للوزير بارود في قرار تجميد شكور، إنما ينم عن خرق فادح للتراتبية الادارية، كان لا بد من لجمه، حتى لا يتم التأسيس عليه في المرحلة المقبلة.
في المقابل، ترى الاكثرية ان سلوك المعارضة هو الذي أضر بمنطق المؤسسات والقانون لأنها أخرجت مسألة الخلاف بين ريفي وشكور من إطاره الاداري الضيق وأعطته طابعاً سياسياً مبالغاً فيه، مستغربة ان تسارع قياداتها الى عقد اجتماع طارئ للبحث في هذه المسألة، وفق معايير المرحلة السابقة وأدبياتها، بينما كان يُفترض ان يُترك خلاف ريفي ـ شكور بعهدة رئيس الجمهورية ووزير الداخلية، بعيداً عن أي تسييس أو تطييف ليس في محله.
والأضرار المترتبة على اشتباك ريفي ـ شكور أصابت ايضا، وربما اولا، حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري، بعدما بدا ان هناك من يتحرك في عكس السير، مخالفاً روحية حكومة الوحدة التي تعني اعتماد قاعدة الشراكة وعدم التفرد في اتخاذ قرارات حيوية، كما حصل في 5 أيار الشهير. وتسود اوساط المعارضة قناعة تامة ان ريفي ما كان ليقرر معاقبة شكور لو انه لم يحظ بتغطية سياسية كاملة من الحريري، ما يدفع ـ حسب الاوساط ـ الى التساؤل عن الفائدة من هذه الدعسة الناقصة التي تعكس خفة في التصرف، سببت احتكاكاً سنياً ـ مارونياً في غير موضعه، وهزت الثقة «الطرية العود» التي بدأت تستعيد نموها مؤخراً بين الرابية وبيت الوسط، علماً بأنه كان لافتاً للانتباه مسارعة كل مكونات المعارضة الى التضامن مع عون، في رسالة لمن يهمه الامر تفيد بأنها ستظل جسماً متماسكاً في السراء والضراء.
ولكن المقربين من الحريري يؤكدون من جهتهم، ان الاخير منحاز فقط الى جانب منطق الدولة الذي يفرض ذاته ويرسم لرئيس الحكومة مساره، وبهذا المعنى ليست لدى الحريري رموز تتبع له او محسوبة عليه، وبالتالي فإن أي موقف يتخذه إنما يكون منطلقاً من مدى ملاءمته مع متطلبات تثبيت النهج المؤسساتي الذي يتجاوز مصــالح الأفراد وحــساباتهم. ويلفت هؤلاء الانتباه الى ان ريفي «طوّل باله» كثيراً على شكور قبل ان يطفح كيله، مشــيرين الى ان قائد الدرك كان قد تعهد لرئيس الجمهورية بتوقــيع مذكرة نقــل الضابطين الصادرة عن ريفي قبل الخامسة من مساء يوم الازمة الشهير، فلما تقاعس، اتخذ ريفي قراره بتعليق خدمة شكور من منصبه، وكانت قد مرت ساعة على انتهاء المهلة التي التزم بها امام سليمان.
باختصار، لقد أصبحت قوى الأمن الداخلي بحاجة الى من يعيد الأمن اليها، وحتى ذلك الحين، يمكن القول استناداً الى «بروفة» المواجهة بين ريفي وشكور ان حكومة الوحدة الوطنية ستواجه في المستقبل الكثير من الاختبارات الصعبة، لا سيما انه تبين ان الجميع ما زال على «جهوزيته»، وأن المعركة بين الوحدة والأحادية ما زالت طويلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018