ارشيف من :أخبار لبنانية
الكتائب بعد بيار
كان بيار واضحاً في رفض كل أشكال الخروج عن الطائف (أرشيف)أياً كان قاتل بيار الجميّل (21/11/2006)، فقد حقق، بنسبة كبيرة، هدفاً لكثيرين. فبعدما أوقف الاغتيال النمو المتجدد لحزب الكتائب عند حدود معينة، ها هو الحزب يُحجَّم سياسياً بعدما حُجِّم شعبياً، ليمسي لاعباً هامشياً، لا خريطة الحاضر تلحظه ولا المستقبل يأخذه في الاعتبار
كان بيار الجميّل حين استُشهد يشق طريقه ليكون بشير الجميّل الثاني المنتظَر. فعلى صعيد تنظيم الكتائب، لعب بيار لعبة بشير في القوات: ممنوع أن يحرُد أحدهم، ممنوع توزيع الاتهامات لهذا بالتنسيق مع البعثيين ولذاك بصحبة القوميين، وممنوع استغلال الموقع. وهو تكفّل بإعادة حزب جدّه إلى الخريطة السياسية: لم يترك بلدة فيها بضعة منازل كتائبية إلا زارها مبشراً بربيع الكتائب الآتي. لم يسمع عن كتائبي مريض إلا وصل إلى غرفته في المستشفى يحثّه على الشفاء لأن درب النضال طويل. ورغم الهوة السياسية التي تعمّقت بينه وبين الكتائبيين الذين كانوا يمسكون بقيادة الحزب، ذهب إلى المصالحة معهم ليلمّ شمل الكتائب.
على الصعيد السياسي، كان بيار واضحاً في رفض كل أشكال الخروج عن الطائف، وجازماً بأنّ الكتائب حجر الزاوية في بناء 14 آذار، ولا يفترض أن تقطع علاقاته بخصوم 14 آذار. وبعد أيام قليلة من استشهاد بيار، دخل الرئيس سعد الحريري البيت المركزي للكتائب في الصيفي لينظر في وجوه أصدقاء بيار ويُعبّر عن المكانة التي كان يحتلها صاحب المكان بالنسبة إليه قائلاً: قتلوا رئيس جمهوريتنا المستقبلي.
باختصار، يوجز الكتائبيون إنجازات وزير الصناعة الأسبق في حزب الكتائب ضمن خانتين أساسيتين: توحيد الحزب وتوفير الإمكانات لانطلاقته، مجدداً بزخم شعبي وسياسي، وحجز كرسي لحزب الكتائب حول طاولة أقطاب 14 آذار. هذان الإنجازان تعرّضا للاغتيال بعد اغتيال بيار.
الانقلاب الأول تنظيمي
فور انتهاء مراسم التشييع، بدأ الرئيس أمين الجميّل السعي إلى تنصيب «وحيده» سامي قائداً لحزب الكتائب. وكان مسعاه على 3 جبهات:
الأولى، مع سامي شخصياً، هو السعيد بلبناننا والمقتنع بأنّ القيادة فعل استحقاق لا وراثة.
الثانية، مع كتائبيين، منهم رئيس الحزب كريم بقرادوني، وهؤلاء أقنعتهم التجربة بأنّ سامي عصيّ على الاستيعاب.
الثالثة في قريطم مع سعد الحريري الذي لا يعلم عن سامي غير ما أخبره به شقيق سامي، بيار. وهذا يكفي كي لا يتحمّس لقيادته الحزب. لكن رغم مآخذ الأفرقاء الثلاثة، تحقق الحلم المستجد للرئيس الأعلى، وسلّمت مفاتيح الصيفي إلى الشيخ الصغير.
دخل سامي الحزب ونيّته تطهيره من «السوريين» و«البعثيين» و«القوميين» وغيرها من الصفات التي يطلقها على شركاء بيار في المصالحة الكتائبية. هكذا، «استُقيل» رئيس الحزب كريم بقرادوني وآخرون.
بعد إبعاد البقرادونيين، عمل سامي على استبعاد أصدقاء بيار. وبعض المؤمنين ببيار بادروا فور تأكدهم من أن الرئيس الجميّل مصرّ على توريث سامي إلى الاعتكاف دون صخب.
لماذا؟ لأن بيار كان شديد الحذر من سامي. وكل من كان على تماس مباشر مع بيار كان يعلم كيف كان أداء سامي ومواقفه، والكتائبيون الشباب الذين كانوا يتواصلون مع سامي عشية إطلاقه حركة «لبناننا» يتذكرون اتصال بيار بأهلهم ومحاولاته الحثيثة لإقناعهم بالبقاء في الكتائب لأن «لبناننا» لا تشبه أبداً حزب العائلة والوطن والله، علماً بأنّ بيار سارع فور إطلاق سامي «لبناننا» إلى الطلب من جوزف أبو خليل إعداد كتيب عقائدي يشرح الهوة بين حزب الكتائب والفدرالية. واستغلّ بيار كل مقابلاته الإعلامية والندوات الحزبية في تلك المرحلة لتأكيد ميثاقية الكتائب، ومعارضتها الشديدة للفدرالية.
تبادل المآخذ بين بيار وسامي، والتفاف مجموعة مؤيّدين حول كلّ منهما، دفعت سامي فور إبعاده البقرادونيين إلى التفرّغ لتهميش أصدقاء شقيقه:
ـــــ رئيس مجلس المحافظات والأقاليم ميشال مكتف أُقيل من منصبه. ورغم إبقاء عضويته في المكتب السياسي، فهو لا يذهب إلى الحزب ولا يشارك في الاجتماعات. وقد أبلغ حزب الكتائب الأمانة العامة لقوى 14 آذار أن مكتف لا يمثله أبداً في الاجتماعات. وأُقصي وأُبعد جميع أعضاء لجنة الاستثمار التي تدير أملاك الحزب بإشراف مكتف، التي كان يترأسها ألكسندر رزق وتضم فادي عماطوري وجورج نجار ونويل أبي نادر.
ـــــ جُرِّد روك أبو حبيب وأنطوان الراعي اللذان كانا أساسيين في فريق بيار من مهماتهم السابقة.
ـــــ مدير مكتب بيار ونائب الأمين العام، إميل السمرا، كان الآمر الناهي في الحزب أصبح مديراً لمكتب الرئيس الجميّل.
ـــــ استُبعد رئيس إقليم كسروان روفايل مارون وحلّ محله سجعان القزي الذي يعدّه سامي أحد المنظّرين الأساسيين لأفكار «لبناننا». واستُبعد عن المناصب المسؤولة في الحزب رئيس الإقليم الأسبق في كسروان شربل شهوان الذي كان بيار كثير الاستعانة به لخبراته.
يتقوقع الحزب على نفسه، لا هو مع 14 آذار ولا ضدها. ويعجز عن تقديم خطاب سياسي جديدـــــ استُبعد رئيس إقليم جبيل جوزف باسيل ليحلّ محله طنوس قرداحي الذي كان محسوباً على الرئيس الأسبق للحزب إيلي كرامة، وكان معارضاً شرساً لبيار.
ـــــ استُبعد رئيس إقليم المتن حنا الغول ليعيّن سامي محله الدكتور بيار جلخ. وقد غيّر سامي غالبية رؤساء الأقسام في المتن.
ـــــ بقي جورج سعود رئيساً لإقليم عكار رغم محاولات سامي الإتيان بروبير نشار رئيساً للإقليم. وبعد فشله في تغيير سعود، يحاول الآن إنشاء مجلس محافظة في عكار ليضبط رئيس الإقليم، فيما استُبعد كلّ من رئيس إقليم البترون شفيق أبي صالح، رئيس إقليم بشري ألبير فرح، رئيس إقليم زغرتا وديع مخرز، رئيس إقليم طرابلس حبيب أيوب، رئيس إقليم الكورة سايد خوري ورئيس مصلحة بشري ـــــ زغرتا ـــــ طرابلس قيس الضاهر، علماً بأنّ بعض هؤلاء أقيلوا من مناصبهم قبل إيجاد بديل يحل محلهم.
ـــــ استُبعد رئيس إقليم بعبدا ناجي بطرس ليحلّ محلّه موريس الأسمر، المتموّل القريب من سامي. وفي آخر انتخابات للمكتب السياسي، توسّط الشيخ أمين لدى سامي ليأتي بناجي بطرس عضواً في المكتب السياسي. واستُبدل رئيس إقليم عاليه سامي بجاني بجهاد شرتوني الأقرب بين كتائبيي عاليه إلى سامي. واستُبعد أيضاً رئيس إقليم الشوف سمير منذر ورئيس إقليم حاصبيا عبد الله أبو نقّول.
ـــــ استُبعد عضوا المكتب السياسي والمسؤولان عن منطقتي الرميل والمدور بول فياض وجبور مندلق ليحل محلهما محسوبون على النائب نديم الجميّل.
وطالت عدوى استبدال أصدقاء بيار بأصدقاء سامي رؤساء المصالح:
ـــــ وليد فارس الذي انتقل من حضن نديم الجميّل إلى حضن سامي لإعجابه بطروحات الأخير الفدرالية.
ـــــ إيلي يزبك الذي انتقل من «لبناننا» إلى رئاسة مصلحة العلاقات العامة، علماً بأنه غير معجب بالرئيس أمين الجميّل ولا يوفّر مناسبة دون أن ينتقده.
ـــــ باتريك ريشا انتقل من «لبناننا» إلى موقع مساعد أمين عام لشؤون الشباب والطلاب.
ـــــ ألبير كوستانيان كان من مؤسسي «لبناننا» وأتى به سامي عضواً للمكتب السياسي فور حلفه اليمين.
علماً بأنّ مجموعة سامي داخل الحزب ما زالت صغيرة ومتواضعة القدرات، ما يدفع الشيخ أمين إلى الاستمرار في سعيه اليومي لتجيير الالتفاف الكتائبي حوله إلى سامي.
الانقلاب الثاني سياسي
قبل استشهاده، كان بيار الجميّل يجول على الأقسام، مبشّراً بسياسة 14 آذار، وهو نجح في توحيد الأصوات المتعددة داخل الحزب تحت راية 14 آذار.
بعد 21 تشرين الأول 2006، كان لدى سامي خمسة شروط سياسية لدخول الحزب. واستغرقت مفاوضاته مع والده، التي أدار جزءاً منها أنطوان ريشا، صديق بيار ووالد باتريك ريشا أحد أقرب الشباب من سامي، ستة أشهر. فقد طلب سامي تبنّي الحزب للفدرالية، خروج الحزب من 14 آذار، تطرّف الحزب أكثر في موقفه من سوريا وحزب الله سلاحاً ومجتمعاً، تعديل البند المتعلق بعروبة لبنان في نظام حزب الكتائب وإطلاق يده إطلاقاً كاملاً في إدارة شؤون الحزب.
هكذا، عُدّل النظام الداخلي في مؤتمر الحزب بتاريخ 27 كانون الأول 2007 ليتمكن سامي من الانطلاق في إدارة الحزب، واتفق على إطلاق نقاش حزبي داخلي بشأن النظام اللبناني، فيما أسقطت ورقة الفدرالية ليحلّ محلها عنوان «أزمة النظام». وقد اقتنع سامي يومها بالبقاء في 14 آذار بعدما اجتمع مع سعد الحريري مرات عدّة.
بعد ثلاث سنوات، يبدو أن كتائب سامي يبتعد عن كتائب بيار. فقد خسر الحزب كرسيّه شريكاً في صناعة قرار 14 آذار إلى يمين الرئيس سعد الحريري. وها هو الحزب اليوم يقاطع اجتماعات الأمانة العامة لقوى 14 آذار، وتظهر الوقائع أن دوره هامشي في صناعة قرار الأكثرية.
من جهة أخرى، فقد الحزب صدقيته في التواصل من تحت الطاولة مع أفرقاء المعارضة. فمقابل حرص بيار على إبقاء جسور جدية مع خصومه في السياسة، عمد سامي إلى قطع كل أشكال التواصل مع هؤلاء. وفي النتيجة، يتقوقع الحزب على نفسه، لا هو مع 14 آذار ولا هو ضدها. وفي الوقت نفسه، يعجز عن تقديم خطاب سياسي جديد أو أيّ مبادرة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018