ارشيف من :أخبار لبنانية
البيان الوزاري يُختم على زغل: اتفاق الدوحة أساس الحكم
مرة ثالثة يُختم الجرح على زغل عند رئيس الحكومة سعد الحريري.
الأولى عندما طالب بحكومة وحدة وطنية تمثّل ائتلافاً بين الموالاة والمعارضة، آخذة في الحسبان نتائج انتخابات 2009، فلم يفلح تحت وطأة معادلة 15+10+5 التي حرمته حكومة تعبّر عن التوازن السياسي والشعبي، الذي أفضى إليه يوم 7 حزيران. وحرمت الغالبية النيابية التي يتزعّمها الأكثرية المطلقة على الأقل في الحكومة الجديدة.
والثانية عندما تمسّك بصلاحياته الدستورية لتأليف أولى حكوماته، كي يضع في يده توزيع الحقائب وفق تقديره الأحجام السياسية والشعبية للفريق الآخر في الحكومة. أخفق أيضاً إذ تيقّن أن الحكومة لن تبصر النور إلا بأحد شرطين لا تدخل صلاحياته الدستورية في أحدهما: تسليمه بالحقائب التي تريدها المعارضة لوزرائها الـ10، أو تدخّل مباشر لدمشق من أجل مؤازرته ضمناً حتى يستطيع تأليف حكومته. بيد أن سوريا جمعت الشرطين في واحد. لم تتدخّل وتكشف عن دورها إلا بعدما أوشكت المعارضة أن توافق على حقائبها. فخسر الحريري أيضاً رهانه على قوته كزعيم للغالبية، يريد أن يستمد منها هيبة مماثلة للقدرات التي حملت والده الراحل الرئيس رفيق الحريري على ترؤس أولى حكوماته عام 1992 بأوسع تفويض سياسي وشعبي.
والثالثة عندما تفادى سلفاً الدخول في مواجهة مع المعارضة على غرار المعركتين الأوليين، فجاراها، في الظاهر على الأقل، في موقفها من سلاح حزب الله في البيان الوزاري. وإذا بالخلاف يستمر عشر جلسات كي ينتهي حيث كان يمكن أن لا يبدأ إطلاقاً، وهو العودة إلى القواعد الجوهرية التي أوردها البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2008، في شقي وحدة مرجعية الدولة في سياساتها، واعتبار المقاومة فريقاً ثالثاً ـــــ بالإضافة إلى الجيش والشعب ـــــ في سبيل تحرير ما بقي من الأراضي المحتلة، مع تأكيد التزام القرار 1701. خاض مسيحيو الموالاة المواجهة، وسلّموا في نهاية المطاف بما كان الحريري قد قَبِلَه على مضض بلا معركة سياسية معلنة، فأبصر البيان الوزاري النور، أو يكاد، أمس.
ولم يعنِ هذا التسليم، على وفرة الحجج التي ساقها الوزراء الموالون لإدخال تعديلات أساسية على البيان الوزاري، إلا اعترافاً إضافياً بأن الآلية التي وضعها اتفاق الدوحة للاستقرار الداخلي لا تزال نافذة. بل الأصحّ أن البديل منها هو الفوضى.
هكذا توزّع سلاح حزب الله على واقعين: أولهما استمراره سلاحاً موازياً لسلاح السلطة الشرعية، ووضعه على طاولة حوار وطني عاجزة عن تبرير تفاهم وطني عام حوله. وثانيهما حصوله على شرعية سياسية ووطنية لن يوفرها البيان الوزاري فحسب، بل أيضاً الثقة التي سيمحضها مجلس النواب لحكومة الحريري، تبعاً لبيانها الوزاري، خلال الأكثرية التي تمثّلها قوى 14 آذار.
وقد لا يُكتفى بالجرح الثالث على زغل عند الحريري. إذ ربما يجد نفسه في مواجهة تحدّ رابع هو إقرار البيان الوزاري في مجلس الوزراء بلا إجماع عليه. على نحو مشابه لسابقة خبرها السنيورة قبل سنة ونصف سنة، حينما تحفظ أربعة وزراء عن فقرة في البيان الوزاري لحكومته الثانية، حرمته ما درجت عليه كل الحكومات اللبنانية المتعاقبة بلا استثناء، وهو الإجماع الذي لا يتطلّب تصويتاً، ولا بالتأكيد اتخاذ موقف التحفظ عن أي بند يتصل بسياسة تقرّر الحكومة الجديدة انتهاجها.
في الغالب يرافق المخاض الحكومة الجديدة ـــــ أي حكومة جديدة ـــــ في ثلاث محطات متلازمة: تسمية الرئيس المكلف، التأليف، الاتفاق على الخطوط العريضة للبيان الوزاري بين رئيسي الجمهورية والحكومة، لكون أولهما رئيس الدولة إضافةً إلى تداخل بعض صلاحياته الدستورية مع صلاحيات رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء، ولكون ثانيهما رئيس مجلس الوزراء. ولكن حالما يُقرّ البيان الوزاري في مجلس الوزراء يمتثل الوزراء جميعاً لمضمونه، ويتحمّلون المسؤولية الدستورية فرادى ومجتمعين حياله أمام مجلس النواب.
ليست حكومة الحريري، ولا قبلها الحكومة الثانية للسنيورة، الأكثر تمثيلاً لوعاء التناقضات والتنافر الذي عرفته حكومات سواهما. سبقتهما إلى حال مماثلة حكومتان في ظلّ دستور ما قبل اتفاق الطائف والصلاحيات الواسعة النطاق لرئيس الجمهورية، جمعت أكثر مظاهر التناقض والتنافر والانقسام حدّة:
الأولى حكومة الرئيس رشيد كرامي عام 1975 وضمّت إليه خصمه التاريخي الرئيس كميل شمعون، فتوزّعا الحقائب التي ضاعفت وقود الحرب عندما انهارت معهما المؤسسات العسكرية، كرامي وزيراً للدفاع وشمعون وزيراً للداخلية، وبينهما الرئيس سليمان فرنجيه طرف في النزاع ضد الأول وحليف للثاني. لكن حكومة الوحدة الوطنية هذه ـــــ للمفارقة ـــــ مثلت متضامنة في بيانها الوزاري أمام مجلس النواب لنيل الثقة، قبل أن تنفجر بعد أشهر.
والثانية حكومة كرامي أيضاً عام 1984 ـــــ حكومة الوحدة الوطنية أيضاً وأيضاً ـــــ وقد جمعت، إلى شمعون والشيخ بيار الجميل، نبيه برّي ووليد جنبلاط. تضامنت في بيان وزاري جاء نتاج ثمرة حربي الجبل وبيروت وطاولتي حوار جنيف ولوزان عامي 1983 و1984، ثم انفجرت بعد أشهر.
لا تعكس التحدّيات الأربعة التي يواجهها الحريري قبل ممارسته الحكم فعلياً، إلا وطأة التوازن السياسي الذي سيحمله كلّما واجه أزمة داخل الحكومة، وبخاصة حول استنباط اجتهاد مشتقّ من اتفاق الدوحة، يساعده على إبقاء الحكومة حيّة والحؤول دون انفجارها.
"الأخبار" - نقولا ناصيف
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018