ارشيف من :أخبار لبنانية
دراسة لطالبة جامعية تثير جدلاً بين وزارات الزراعة والبيئة والصحة والاقتصاد وجمعية حماية المستهلك..
هل تعرف ماذا تأكل؟
"الانتقاد . نت" - تحقيق - بتول زين الدين
الحلقة الأولى:
أن تكون في صحراء وأنت تنادي: العطش.. العطش، فهذا من الأمور الطبيعية، أما أن تجلس على بئر ماء وأنت تموت عطشاً فهذا جوهر القضية.
بعد جنون البقر، إنفلونزا الطيور، وبالتزامن مع وباء إنفلونزا الخنازير، جاء دور النباتات. ومع أن الأوبئة السالفة الذكر تمتاز بصفة "العالمية"، إلا أن مشكلة الزراعة هي لبنانية ومحلية بحتة.. وبعد أن كنا ننصح المواطن بأن يكون نباتياً، هل نقول له إياك أن تكون؟؟
الزراعة في لبنان تحتضر فماذا أهم من الصحة والغذاء؟ سؤال نطرحه في بداية تحقيقنا.
يصاب اللبنانيون بالإحباط وهم يرون المشاكل تتكاثر من حولهم: الكهرباء، الاتصالات، الطرقات الغارقة بمستنقعات من المياه، ولا مياه حيث يجب أن تكون، زحمة سير خانقة، واليوم دور الغذاء.. هكذا بات مشهد الحياة اللبنانية.
من هنا يبدأ التحقيق: "إذا كانت الدولة لا تؤمن لمواطنيها الماء ولا الكهرباء ولا الدواء ولا سلامة الغذاء؟ فماذا تفعل الدولة إذاً؟".. سؤال أصبح يتردد على شفة ولسان المواطنين، وهم يعانون الإهمال المتعمد من قبل المعنيين خصوصاً الاستخفاف بصحة وسلامة المواطن.
فمنذ أسابيع أعلنت جمعية حماية المستهلك حالة الطوارئ بالاستناد الى دراسة أكاديمية لطالبة جامعية أثبتت أن المزروعات في لبنان في خطر بسبب استعمال مبيدات محرمة أو خطأ في استعمال المبيد ما يؤدي بدوره إلى أن تكون حبة الفاكهة أو الخضار التي نأكلها ملغومة. هذا المؤتمر أثار ضجة واسعة لدى المواطنين وحالة خوف وتردد بتناول بعض أنواع الخضار، فضلا عن جدل في الدوائر الرسمية لمتابعة المسؤولين عن هذا الخلل، بل التقصير الفادح.
بدورها "الانتقاد. نت " أجرت جولة استطلاعية ميدانية ، حاملة رزمة من الأسئلة لطرحها على المعنيين من عدة جوانب أكاديمية ورسمية، ولهذه الغاية التقينا مدير عام وزارة الزراعة الأستاذ سمير الشامي، رئيس جمعية حماية المستهلك الأستاذ زهير برو، النائب السابق الأستاذ إسماعيل سكرية، وهو متابع ملف الأمراض السرطانية في منطقة البقاع، وأجرى دراسات علمية عن انواع التربة والمبيدات والأكسدة، ولا ننسى طبعاً الطالبة التي أثارت القضية عبر دراستها الجامعية الميدانية والتي رفضت إجراء مقابلة لأنها تتطلب إذناً من وزارة الزراعة حسبما ذكرت، واكتفت بمكالمتنا هاتفياً ، إضافة إلى المواطنين و المزارعين.
رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برو أيّد هذا الإتجاه الذي يسأله المواطنون، وانتقل إلى صلب القضية - الأزمة فقال إن موضوع "المبيدات وسمومها" يتعلق بصحة وسلامة الناس، وطرح بدوره السؤال نفسه: "إذا كانت الحكومات لا تؤمن ذلك فما هوعملها إذاً؟".
الدافع للحملة التي أطلقتها جمعية حماية المستهلك
مدير عام وزارة الزراعة الأستاذ سمير الشامي اعتبر أن "إعلان حالة الطوارئ كان إيجابياً لناحية لفت أنظار العالم للوزارة، ومعرفتهم بالفعل أن هناك نقصاً في العديد، وهي سلبية من جهة ثانية لأنها ضخّمت الموضوع وأثارت هلعاً لدى المواطنين"، ولفت إلى أنه "لو لم يعرف برّو وحرصه على أمن المواطن لكان إعتبر أن للموضوع أبعاداً أخرى".
من جهته قال برّو: "دافعنا لإطلاق الحملة هو أولا إصلاح القطاع الزراعي وحمايته"، مذكّراً أنه "في السابق بالإتصالات طلعلنا مروان حمادة يقول انه اذا خفضنا الأسعار لا يستطيع دفع رواتب الجيش وموظفي الدولة وكأن جمعية المستهلك أصبحت تشكل خطراً على الجيش ومداخيل الدولة، واليوم ثبت أن الحق معنا ومنذ أن تم تخفيض الأسعار قفز عدد المشتركين من مليون و200 ألف إلى ثلاثة ملايين مشترك، فزادت مداخيل الدولة من أول شهر خمسين مليون دولار، وبالتالي إصلاح قطاع الزراعة، سيؤدي لنفس النتيجة".
وأوضح رئيس جمعية حماية المستهلك: "نحن في هذا الموضوع لا نتهم أحداً ولسنا ضد القطاع بل نتجه لإصلاحه عبر المطالبة بدعمه وحمايته، ووضع خطة إستراتيجية مع تأمين الأموال الضرورية لها، وإنجاز القوانين اللازمة مع كل كلفتها لإحياء هذا القطاع الذي قد يصبح قطاعاً أساسياً". وأضاف: "نحن مع أن يشكل القطاع الزراعي وقطاع الصناعة قطاع الخدمات الأساسية (الإتصالات والمياه والكهرباء..) جوهر الإقتصاد اللبناني، ولكنهم اليوم وبالواقع لقطاء النظام اللبناني، الذي لديه ولد واحد أو ولد ونصف، أي قطاع المصارف والأعمال المالية والعقارات وليس لديه أولاد آخرون".
وقال برو: "ما نطالب فيه هو التوازن في القطاعات، وسن قوانين الحماية الضرورية ووضعها على السكة، وليس تحت شعار منظمة التجارة العالمية نبدأ الذبح بهذه القطاعات، بينما نؤمن كل الحمايات الضرورية للعقارات وللمصارف والتي لا تشكل سوى جزء ضئيل جداً من الإقتصاد".
وحول هذه النقطة يختم برو بالقول: "التركيز على القطاعات بأكملها وإعطاؤها دورها يرجع التوازن للبلاد، وأي غياب للتوازن يؤدي حتماً إلى أزمات وحروب، ونحن في لبنان نصنع الحروب ونفبركها، فنحن نطرح موضوعنا ضمن الأفق الإصلاحي الذي يخدم القطاع، ويجب التوقف عن أي نظرة ضيقة".
المواصفات العلمية للدراسة
نقطة خلاف رئيسية تبرز في صلب القضية - الأزمة محورها الدراسة التي أعدتها الطالبة في الجامعة اللبنانية "هبة الهادي" لنيل شهداة الماجستير،خصوصاً أن هناك من شكك بمصدر العينات وبدقة الدراسة نفسها. فقد قال مدير عام الزراعة الأستاذ سمير الشامي: "نحن نصدّر أربعة آلاف طن من التفاح والبطاطا سنوياً لجمهورية مصر، وهم بدورهم يفحصون كل البضائع ولم تصدر منهم أي شكوى"، متسائلاً: "هذا الكم الهائل من الأطنان يقارن بعينة أجرتها طالبة جامعية؟".
ودفاعاً عن وثيقتها أكدت الطالبة الهادي لـ"الانتقاد . نت" أن "الدراسة أعدت تحت إشراف الدكتور المسؤول عن مختبر كفرشيما التابع لوزارة الصحة "سالم حيّار" وتمت مناقشتها في الجامعة اللبنانية ووافق عليها الأساتذة المشرفون وصادقوا عليها". أما حول العينات المستخدمة في الدراسة فشدّدت الهادي أن "الخضار أخذت من السوق اللبنانية ومن مختلف الأراضي اللبنانية".
وإذ رأى برو أنه "من المعيب اللجوء إلى هذا الموضوع بالتشكيك بكلية العلوم وإدارة الملف الذي أشرف عليه خمسة دكاترة، والفحوصات التي أجريت"، أكد أن العينات تم أخذها من الأسواق والمحلات والمزارعين، وكانت ناضجة ومعدة للأكل وحمراء كالفريز.. فلا أحد يحاول تضييع البوصلة، هذا الموضوع محسوم، وبحسب ما كتبت السفير اليوم (الثلثاء الماضي) فإن الفتاة التي أجرت الدراسة وضع لها مدير عام وزارة الزراعة أعلى علامة في تاريخ الجامعة اللبنانية 90/ 100". متسائلاً: "إذا كان مدير عام وزارة الزراعة يعتبر الدراسة مبالغا فيها أو غير دقيقة، لماذا وضع لها هذه العلامة؟".
المبيدات مشكلة لا مبالغة فيها
المبيدات جزء عضوي لا ينفصل عن مشكلة الزراعة في لبنان، بل هي في كثير من الجوانب تشكل جوهر مشكلة مزدوجة وثنائية الخطر، للتربة.. وللإنسان. والنقطة الأولى في هذا الإطار هي وجود مبيدات محرّمة، وشكّلت موضع خلاف بين أخذ ورد. فقد أكد الشامي أن "وضعنا اليوم أفضل بكثير مما هو عليه في السابق وأن وضع العالم أسوأ وأن المبيدات المعتمدة في لبنان تستخدم عالمياً"، واعتبر أن "ما أثير مبالغ فيه"، مؤكداً أن "لا دخول للمبيدات المحرمة على الإطلاق ورقابة وزارة الزراعة مستمرة ولكن هناك نقص بالعديد".
في المقابل، رأى النائب السابق اسماعيل سكرية، وهو متابع لملف الأمراض السرطانية في منطقة البقاع، وأجرى دراسات علمية عن انواع التربة والمبيدات والأكسدة، أن "الموضوع غير مبالغ فيه أبداً وهو يتراكم عاماً بعد عام نحو المزيد من العبث والفساد وعدم الرقابة". وأكد دخول أدوية صينية فاسدة تتضمن مواد فاسدة يحرم استخدامها"، وكشف أنهم "حاولوا في البداية تسويقها وخدعوا الوزير آنذاك، وحين علم الوزير، وتكلمت معه أنا شخصياً صحح الموضوع، ولكن الأدوية كانت في البداية سالكة طريقها".
أما النقطة الثانية فهي الإستعمال الخاطئ للمبيد وعدم التقيّد بالإرشادات المطلوبة، وهذه النقطة حازت إجماع المعنيين، حيث أكد سكرية - وبحسب دراسات طلاب في الجامعة اللبنانية في البقاع على مدى سنوات عديدة - أن هناك عدة نماذج تدل على عشوائية إستعمال المبيدات، وكشف عن وجود مواد ملونة لبعض أصناف الفواكه تستعمل للتلوين لتسهيل البيع وهي تتضمن مواد سامة ومواد حافظة.
والأخطر من كل ذلك ترسّب مادة النيترات الكيميائية، حيث تبين وجود حوالي ثلاثة أضعاف من القدر المسموح به علمياً، مترسبة في التربة، وهي تتسبب بالأمراض السرطانية، وأمراض الجهاز الهضمي وتحديداً المعدة والقولون.
بدوره حصر الشامي المشكلة بالإستعمال الخاطئ للمبيد، ولفت إلى وجود نوعين من المبيدات: مبيدات الملامسة التي يذهب أثرها بمجرد غسل النوع والمبيدات الجهازية التي تتغلغل في الثمرة وتتطلب وقتاً كي تتحلل. "ولكن المزارع لا يحترم التقييدات اللازمة"، يضيف الشامي، "خصوصاً في الزراعات الدورية كالفريز حيث لا يأخذ المبيد وقته كي يتحلل ويتم قطفه بعد الرش بيوم".
أما برو فأوضح أن "لكل نوع من الخضار مبيدا خاصا وقدرة خاصة على امتصاص هذا المبيد، وكذلك مدة التحريم والقطف والحفظ. فالفريز اكثر حساسية من الكوسا.."، وقال: "الأخطر أن هناك عينتين من عينات الفريز كان فيهما مادة لا تستخدم في الفريز بل في التفاح، وهي تبقى لمدة شهر أو أكثر، فكان استخدامها غير صحيح على الإطلاق من قبل المزارعين.. وعليه فإن مسؤولية المزارعين في الموضوع كبيرة جداً، لأنهم لم يحترموا الإرشادات اللازمة وهذا العطل يتعلق بالتوعية والإرشاد والرقابة".
الري.. سبب آخر للتلوث
سبب آخر لتلوث المزروعات يتعلق بالري غير السليم، وفي هذا المجال أوضح النائب السابق اسماعيل سكرية أن "الآبار تجف في الصيف وتتسرب المجاري الصحية وتحمل مواد ملوثة". مشدداً على وجوب إقدام السلطة على المحاسبة "لردع المذنب". وأضاف أن "السبب في عدم التقيّد بالتعليمات اللازمة في إستخدام المبيد يعود إما لجهل المزارع في إستخدام الكميات المناسبة، وإما طمعاً بإنتاج كميات أكبر خاصة في ما يتعلق بموضوع النيترات والكيماويات لكي تنتج كميات أكبر".
وأضاف سكرية: "هذ الأمر ينطبق أيضاً على الدواجن حيث يتم إستخدام الأبر المنميّة والشركة تفترض حقنها قبل أسبوعين من ذبح الفروج، أما واقع الحال فالمزارع يتسابق للتجارة أكثر"، لافتاً إلى وجود بعض أصناف الموز التي تبدو ناضجة من الخارج ولكن تكون من الداخل فجّة.
مشكلة القوانين وتأخيرها
الوزير والنائب الدكتور حسين الحاج حسن، كان سلّط الضوء مراراً على المشكلة الزراعية في لبنان، ولا سيما في منطقة البقاع، معتبراً أن "المشكلة تكمن في القرار السياسي الذي لم يكن لديه الجدية بأن يصل بهذه الأمور إلى خواتيمها وأن القانون الخاص بـ "المبيدات والأسمدة والأدوية الزراعية"، تمت مناقشته في الـ ٢٠٠١ أو٢٠٠٢، وهو لم يصدر حتى اليوم".
واتفق رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برو مع هذا التوصيف، فقال إن "هناك صراعاً بين الأطراف السياسية ضمن نظام المحاصصة اللبناني، بين من يمسك هذه الجهة أو تلك، وكيف سيعطل هذا القانون مصالح بعض الفئات". ويتابع برو في حديثه عن "قانون سلامة الغذاء": "هناك صراع على من يضع اليد حول هذه الملفات وتتشكل هيئات، ثم صراع بقي لسنتين ثلاثة وتم تعطيل قانون سلامة الغذاء لهدفين: حفظ مصالح الفئات المستفيدة والموظفين المستفيدين بهذه الوزارة أو تلك وحرب شعواء ضد القانون ويختم رأيه في هذا الأمر بالقول: "التوقيع مدفوع الثمن ويقبضون عليه".
وكشف برو عن أن "أحد المسؤولين الكبار في وزارة الزراعة لعب دوراً أساسياً في الماضي بتعطيل القانون، لأنه كان يقوم بفرض خوّات على التجار لقاء دخول كل كونتينر، وقاموا بحملة ضده وأعلموا يومها الرئيس الحريري الأول بالموضوع ولكن لم يتم أخذ أي إجراء وأعلموا وزير الزراعة أيضاً لكن لم يتم أخذ أي إجراء".
ويضيف: "بالتالي هناك هدفان لمحاربة هذه القوانين. هدف أول من قبل الموظفين المستفيدين والثاني من قبل التجار الذين يضعون أيديهم على هذا الموضوع.. وهناك اليوم مفارقة كبرى، فبدل أن يحدّد الموضوع دور شركات الأدوية ضمن قوانين صارمة في هذا المجال، نجد اليوم هذه الشركات مرتاحة جداً، وهي التي تتصرف في هذا القطاع وأقرب شيء للمزارعين، وهي التي ترشده بناء على مصالحها، الأمر الذي حوّل المهندسين الزراعين إلى بائعين".
وأشار برو إلى أن "مشروع قانون سلامة الغذاء يحدد بالكامل موضوع تتبع مصدر السلعة وصولاً للمستهلك، وإذا تبين فيها خلل يتحمل المزارع المسؤولية الجنائية، وهل احترم مدة التحريم ومتى تم قطف الثمرة؟ فكيف نقلل من اهمية هذا الموضوع وهويتعلق بتسميم المواطنين؟".
أما الشامي فقد أرجع السبب في التأخير في إصدار القوانين إلى أن البعض أعطوا دوراً للمهندسين الزراعيين لمساعدة الوزارة بدورات، ولم يحظَ هذا الطرح بإعجاب البعض. ومن ناحية أخرى اعتبروا أنها ترفع كلفة الإنتاج وهذا ليس صحيحاً"، لافتاً إلى أن "التأخير كان يتم في اللجان التي كنا نعرض عليها القانون والشركات".
مصدر العينات ودرجة تلوثها
يؤكد رئيس جمعية جماية المستهلك أن "العينات أخذت من 30 منطقة لبنانية وكانت درجة التلوث بنسب متفاوتة ولكن جميعها ملوثة". أما عن درجة التلوث فقد كشف برو عن أن "هناك عينة احتوت مبيدين وأخرى ستة مبيدات، وهناك عينة وصلت درجة التلوث فيها إلى 46 ضعف، وهي مستوردة من الخارج وبالتحديد من إحدى الدول العربية، ولكن أغلب العينات كان محلي الإنتاج ووصلت فيه نسبة التلوث إلى 25 ضعف".
"هذا الموضوع مقلق جداً"، يضيف برو، "لأن كل القطاع تم مسحه"، وأردف: "30 منطقة تنتج الفريز اخذت منها عينات وبين ايدي المستهلكين في الأسواق ، فأي تشكيك بالدراسة هو منافٍ للعلم".
(يتبع ..)
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018