ارشيف من :أخبار لبنانية
الحلقة الثانية من تحقيق المبيدات الزراعية : من يتحمل مسؤولية ما يحصل؟
"الإنتقاد . نت" - تحقيق- بتول زين الدين
بعد أن سلطنا الضوء في الحلقة السابقة من تحقيق المبيدات الزراعية على الواقع و الأسباب و القوانين الزراعية المؤجلة سنتناول في هذه الحلقة الحديث عن من يتحمل مسؤولية ما يحدث ، خطورة هذا الواقع و الأضرار والآثار الناجمة عنه ، الإجراءات التي تخفف نسبة الضرر و الحلول المناسبة..
"الانتقاد. نت " أجرت جولة استطلاعية ميدانية ، حاملة رزمة من الأسئلة لطرحها على المعنيين من عدة جوانب أكاديمية ورسمية، ولهذه الغاية التقينا مدير عام وزارة الزراعة الأستاذ سمير الشامي، رئيس جمعية حماية المستهلك الأستاذ زهير برو، النائب السابق الأستاذ إسماعيل سكرية، وهو متابع ملف الأمراض السرطانية في منطقة البقاع، وأجرى دراسات علمية عن انواع التربة والمبيدات والأكسدة .
من يتحمل مسؤولية ما يحصل؟
مدير عام وزارة الزراعة الأستاذ سمير الشامي حمّل مسؤولية ما يجري إلى محلات الأدوية والمبيدات المسؤولية من جهة، وإلى النقص في الموازنة التي تخصصها الدولة لهذه الوزارة من جهة أخرى، "فهي لا تبلغ نسبة الـ1% بل 0,4%"، وأضاف: "منذ حوالي السنة بدأ الإختبار والفحص نظراً للنقص في العديد فكل العاملين في دائرة الفحص هم ثلاثة فقط.. ولكن طالبنا بالمزيد ومجلس الخدمة المدنية اجرى مباراته ليمدنا بالمزيد من المهندسين، لأنه في السابق وبعد الحرب كان التعيين ممنوعاً".
بدوره اعتبر الدكتور اسماعيل سكرية أن "المسؤولية مشتركة.. الشركات المصنعة تتحمل مسؤوليتها في هذا الإطار كما يحدث اليوم في موضوع الحبوب المحلاة التي تتضمن مواداً مخدرة ومنبّهات. هذا الموضوع متشابه مع موضوع الأدوية البشرية تماماً. ولكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق من عليه الرقابة وتطبيق القانون أي على وزارة الزراعة". ويضيف سكرية: "للأسف الشديد ليس هناك رقابة لا علمية ولا إدارية على هذه الأدوية والمبيدات، وبالتالي صحة الناس معرضة للخطر".
أما رئيس جمعية حماية المستهلك الأستاذ زهير برو فكشف عن سلسلة من المسؤوليات تبدأ من "المجلس النيابي ببتّ القوانين وطرح خطة متكاملة وحتى الساعة لم يجرِ تطبيق هذا الموضوع، ومن ثم وزارة الزراعة، وآخر ما في السلسلة المزارع، ولكن مسؤوليته تبقى جزئية والمسؤولية الأكبر تقع على المسؤولين، وعلى كل شخص تحمّل مسؤولياته في هذا الموضوع".
توعية المزارع
إذا كان الإجماع على أن المسؤولية الرسمية الأساسية تقع على عاتق وزارة الزراعة، إن لناحية الترخيص للأدوية ومراقبتها أو لناحية مراقبة الإنتاج في كل مراحله وبشكل دائم، فماذا لناحية توعية المزارعين وإرشادهم؟! في هذا الإطار يقول الشامي: "أجرينا حملة تلفزيونية لكن لم يتجاوب معنا سوى تلفزيون لبنان في هذا إلإطار من خلال برنامج الخط الساخن، وقد وزعنا كتيبات في هذ المجال". أضاف أنه "سيتم وضع لجان مشتركة بين الوزرات الأربع لتوعية المزارعين واجراء دورات خاصة لهم".
"اليوم صباحاً (الثلثاء الماضي)"، يقول برو، "تم البدء بفحص آثار المبيدات بالخضار بالتعاون مع وزارة الزراعة والذي إبتدأ بعد إتصالات وتنسيق مع وزير الزراعة الدكتور حسين الحاج حسن ومع مدير عام وزارة الزراعة. وسلمنا أول عينات هذا الصباح وسنقوم بالعملية طوال الأيام القادمة، لكي يتجمع لدينا عدد معقول من العينات، نقول إنها جدية ويعتبرها الإختصاصيون أنها معتدّ بها، بإعلان شيء للرأي العام لأن اليوم لا نستطيع التعميم من خلال عينات بسيطة ونقول ان كل شيء بخير".
سرطان الدماغ والأطفال الأكثر تضرراً
يقول برو إن "المضار متنوعة، منها ما يضر بالدماغ ومنها ما يضر بالجهاز الهضمي والكلى، وتتسبب بأنواع من السرطانيات وهذه الأمور مؤكدة.. سرطان الدماغ. ولن اقول احتمالات فهناك دراسة فرنسية ستصدر في نهاية السنة، وستسلط الضوء على هذا الموضوع، حيث أجريت على 60 ألف شخص وستعطي النتائج الأولية للأضرار وهي دراسة عالمية ننتظرها. ولكن الأكيد حتى الآن سرطان الدماغ وأمراضه، الباركنسون (الإرتجاج)، أمراض في الخصوبة وسرطان البروستات عند الرجال. والأطفال هم الأكثر تضرراً لأن هذه السموم تتراكم في أجسادهم منذ الصغر ويكون ضررها أكبر".
إجراءات تخفف المخاطر
"لا يوجد حل شامل لهذ المخاطر"، يقول رئيس جمعية حماية المستهلك، ويضيف: "ولكن نستطيع التخفيف من االمخاطر عبر تقشير كل الخضار والفاكهة، غسل الخضار جيداً بالصابون البلدي الذي لا يتخلله العطور، وفركه جيداً بالماء النظيف لمدة دقيقة على الأقل.. هذه الإجراءات ضرورية بإنتظار الوصول إلى الحلول الشاملة".
الحديقة الخاصة
الحقيقة أنه حتى في موضوع "الحديقة" كان هناك خلاف، فقد كشف برو عن أن "المزارعين يقومون بتخصيص حدائق خاصة بهم لا يتم رشها، غير تلك التي تكون معدة للبيع للمستهلك"، وعاد وأكد لنا أن هناك العشرات من الروايات التي تثبت صحة ما تم نشره، وقال: "أنا من جرود جبيل المليئة بالزراعة وعيني ترى"، مضيفاً أن "هناك معلومات خاطئة في تصوّر بعض المزارعين الذين يرون في زيادة الرش زيادة فائدة".
وانضم سكرية إلى صف برو مؤكداً وجود "حدائق خاصة للقادرين مادياً والسياسيين ليأكلوا طعاماً من دون مواد كيماوية"، معتبراً أنهم "يتبعون مصلحتهم" كاشفاً: "ولدي أسماء لامعة في هذا الإطار"، ولكنه رفض الكشف عنها.
أما الشامي فاستبعد وجود هكذا حدائق متسائلاً: "هل يستطيع هذا المزارع لوحده أن يزرع كل الأصناف التي يريدها؟".
طمأنة وتساؤلات
وإذ طمأن مدير عام الزراعة الأستاذ سمير الشامي المواطنين بعدم وجود خطورة تذكر، وأن الحال اليوم أفضل بكثير مما كان عيه في السابق، تساءل: "إذا كان الوضع كذلك كيف أطمئن على إبني تناول الخضار وهي تحتوي على هذه السموم المذكورة ؟!". وانساق التساؤل أيضاً على الدكتور سكرية الذي قال: "ما دام لا يوجد أي حد أدنى للرقابة وإصلاح الإدارة ما الذي سيشعرني بالإطمئنان؟!".
أما برو فتسائل بدوره :"وين كل شي تمام؟ ما الذي يثبت ذلك؟ هل أجريتم دراسة علمية تثبت عكس ما توصلت إليه دراسة الفتاة الجامعية؟"، مشدداً أنه "يجب معالجة الموضوع بطريقة عقلانية وبالأطر العلمية والضغط على من يمتكون القرار". ورأى أن "طمأنة المواطنين تكون بالإجراءات العملية الفعلية والتحاليل الجدية"، وشدد على أنه "يجب أن تتحول وزارة الزراعة لحالة الطوارئ تعنى بصحة وسلامة المستهلك".
وأشار برو إلى أن "ما يخدم الآن المزارعين هو الشفافية والصراحة والتحاليل الدقيقة وليس الإدعاء بأن كل شي تمام"، مؤكداً أن "تنفيس الموضوع وتخفيفه سيستفز الناس أكثر كما حصل بموضوع جنون البقر حيث أحجموا عن إستهلاك اللحوم الحمراء بنسبة وصلت لـ70%".
ولفت برو إلى أن "توجّه الدكتور الحاج حسن تسير في نفس الإتجاه والتحاليل التي نجريها نحن ووزارة الزراعة إبتدأت اليوم صباحاً (الثلاثاء الماضي) وستستمر حتى التأكد من إلتزام المزارعين بالتقييدات اللازمة بإنتظار وضع التشريعات الضرورية، وربما يستمر الموضوع شهوراً".
الحلول
للحل عدة مستويات يقول برو "تبدأ بالقوانين من قانون سلامة الغذاء، قانون تنظيم بيع الأدوية الزراعية، قانون الزراعات العضوية، الإرشاد الزراعي والرقابة. وتحقيق هذه المستويات هو الذي يأمن سلامة الغذاء وأي حل مجتزأ لن يؤمن سلامة الغذاء للبنانيين".
"للمواطنين نقول لا يوجد حل فردي"، يتابع رئيس جمعية حماية المستهلك، "بل علينا التعاون جميعاً لأن هذه الأزمة تطال الغني والفقير وكلنا معرضين". ويضيف "دور المواطن ان يسأل يوميا البائع عن مصدر المزروعات حتى ولوكان يكذب عليه البائع يعلن اهتمامه وخوفه لمعرفة مصدرها وكيفية رشها للضغط عليهم لتحمل مسؤولياتهم، وبعد صدور نتائج التحاليل سنعلنها للعلن لنوضح هل النسب لا زالت كما هي ام بدأت تتراجع"، مؤكداً أن "الموضوع يتطلب علاج طارئ وتسلسل".
الزراعة البيولوجية
يقول مدير عام وزارة الزراعة إن "كل دول العالم توجهت نحو الزراعة البيولوجية"، معتبراً أنها "خطوة إيجابية للخروج من الأزمة". أما برو فقال: "نحن مع الزراعة العضوية لكن علينا عدم القفز لوهم جديد، نحن مع صدور قانون يتعلق بهذا الموضوع لكنه يبقى ثانوياً جداً بالمدى المنظور، وينبغي التركيز على كل القوانين التي تضبط استخدامات الأدوية والمبيدات وتقييدها بالوصفة الطبية".
وأشار برو إلى أن "قدرة هذه الزراعة لم تتجاوز نسبة الـ4% في أحسن أحوالها في اوروبا على تلبية احتياجات المستهلكين بالرغم من كل الدعم الحكومي لها". ونبّه إلى أنه "يجب تسجيل الكميات التي يشتريها المزارع، وأن تكون بتوقيت استخدامها وتسجيل دونمات الأرض التي يمتلكها المزارع ومراقبة ماذا يفعل بالمبيدات لكي لا يكون هناك تجارة سوداء أو تهريب للخارج لأن هذه الأدوية خطيرة".
تفاؤل بالوزارة الجديدة
الأستاذ سمير الشامي أعرب عن تفاؤله بالوزير الجديد "لأنه حريص على تحسين آلية عمل المزارعين ورفع موازنة وزارة الزراعة بحيث تستطيع أداء مهامها ووظيفتها في مراقبة سلامة الغذاء وفي حماية صحة المواطن من أي تهديد".
وأكد أن "الجهود مستمرة لوضع قانون لسلامة الغذاء والذي يحدد الأطر الرقابية المخولة بعملية مراقبة ما يستهلكه اللبنانيون، علاوة على تقويته لشبكات الرقابة على البضائع المستوردة، وضبط البضائع التي تخالف معايير الجودة العالمية". واشار إلى وجود تعاون بين وزارة الزراعة وبين وزارة الإقتصاد والصحة حول هذا الموضوع وأن هناك قرارا ت ستصدر قريباً في هذا الشأن.
أما رئيس جمعية حماية المستهلك فقد أعرب عن ثقته بالوزير الجديد قائلاً: "الآن وصل معالي الوزير الدكتور حسين الحاج حسن والذي كان على رأس اللجنة الزراعية ولديه رؤيا ونحن عملنا سوياً ونتواصل معه واتجهت السكة في الإطار السليم، وهو حريص على هذا الموضوع وسنجتمع الإثنين لوضع خطة متكاملة". وأضاف الدكتور زهير برو: "نحن نثق بالوزير الحاج حسن نتيجة خبرة ونحن لا نبيع احد كلاماً، ونتمنى ان تترجم هذه الثقة بقرارات جدية وإجراءات سريعة تطمأن المواطنين".
ولفت برو إلى أنه "تم التعاون معنا بخصوص التحاليل، وهي جدية. وحين بروز أي عائق سنعلن عنه للرأي العام .. نحن لينا اهداف اصلاحية والفاع عن مصالح المستهلكين. وكشف لنا عن سعيهم لفحص مياه الري التي سيكون لها مواصفات الزامية عالمية وبالتعاون مع الجامعة الأميريكية"، مؤكداً أنه "يجب أن نكون واضحين، إذا أقفلنا الموضوع، وأغلقنا الجرح على زعل لن يؤدي إلى خدمة المزارعين ولا القطاع الزراعي".
ووجه برو دعوة عبر "الإنتقاد . نت" لدعم الجمعية مادياً قائلاً : "تحركاتنا تتحمل أعباء لذلك نوجه دعوة عبركم وندعو من يريد من المواطنين ان يدعمنا مادياً والمساهمة في هذه الحملة والتواصل معنا وسنعلن علناً أين ستذهب أمواله".
ختاماً
بالأمس قلنا الزراعة نفط لبنان، وللأسف يفرط اللبنانيون بنفطهم، فهل سيستطيع معالي الوزير الجديد أن ينهض بالقطاع على الرغم من مشكلاته المتراكمة منذ سنوات ليستحيل تراب لبنان تبراً؟ ونرجع بلبنان كما قال عنه الأديب اللبناني جبران خليل جبران: "قفوا قليلا وانظروا لأريكم أبناء لبناني: هم الفلاحون الذين يحولون الوعر إلى حدائق وبساتين.. هم الرعاة الذين يقودون قطعانهم من وادٍ إلى وادٍ فتنمو وتتكاثر وتعطيكم لحومها غذاء وصوفها رداء".
وأخيراً، هل سنعين المزارع اللبناني ليؤدي عمله كما يجب ويبقى عند حسن ظن المواطن؟ وبدل أن ينشغل المعنيون بإلقاء التهم والتهرب من تحمّل المسؤوليات تبرز ضرورة العمل، وبسرعة قصوى، على تفعيل التحركات المكثفة في هذا المجال التي تخفف الخطورة وإن تدريجياً، فالقليل خير من الحرمان، وأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018