ارشيف من :أخبار لبنانية
إسرائيل وحزب اللّه والبيان الوزاري
تُدرك إسرائيل حدود القدرة لدى أطراف لبنانية، «تتقاطع» معها في «التطلع» لضرب حزب الله المقاوم، والجهة التي تقطع الطريق على مخططات إسرائيل في لبنان. وتدرك إسرائيل أن سجال الأسابيع الماضية بشأن البيان الوزاري وبند السلاح وتحفظات البعض عليه، لن يفضي إلى نتيجة إيجابية من منظور إسرائيلي. فما كان مقدراً مسبقاً، وجد تعبيره في البيان الوزاري، بل حتى قبل البدء في مناقشته. وفي حدود الصراع معها، تدرك إسرائيل جيداً معنى قول الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، إنه لا يريد ضمانات لسلاح المقاومة «لا من الحكومة (اللبنانية) ولا من غيرها، ولا من أحد في هذه الدنيا».
وبما أن تل أبيب على دراية تامة بما يمكن بعض الأطراف اللبنانية أن تحققه على صعيد مواجهة حزب الله بالوكالة عنها، فهي تكتفي في هذه المرحلة بـ«شجاعة» هذه الأطراف وإصرارها على إيجاد سجال داخلي بشأن سلاح المقاومة وجدواه. فالحديث عن عدم «وجود بلد فيه جيش نظامي ومقاومة»، أو أن يقال: «لن نقبل بشرعنة سلاح حزب الله»، أو أن يتحفظ عدد من الوزراء على ما ورد في البيان الوزاري عن السلاح، هو كل ما تطلبه إسرائيل لهذه المرحلة، وهذا ما يوفّره لها لبنانيون يتطلّعون لضرب حزب الله، ويتقاطعون معها في المصلحة: إبقاء السجال قائماً وحيّاً، وإظهار المقاومة، في الداخل والخارج، مصدراً للفُرقة بين اللبنانيين.
ترى إسرائيل، عن حق، أن إجماع اللبنانيين على المقاومة، يفقدها إحدى أهم الوسائل غير العسكرية لمحاصرة حزب الله واحتواء تهديده، ومن هنا يمثّل واقع بقاء أطراف لبنانية على مواقفها المعادية للمقاومة، رغم ثبوت قصور كل المساعي العسكرية وغير العسكرية لضرب حزب الله، مصدر سرور لإسرائيل في هذه المرحلة، وخاصة في ظل عدم توافر الظروف المواتية لمواجهة عسكرية تضمن لإسرائيل إنهاء وجود حزب الله بوصفه مقاومة، وبالأخص أن شروط هذه المواجهة معقدة جداً، وغير متوافرة في المرحلة الحالية.
لكن ما الذي تستفيده إسرائيل بالفعل، إن واصل أطراف لبنانيون إزعاج حزب الله، مع إدراكها أن هذا الإزعاج غير فاعل في احتواء تهديده، وخاصة أن معظم الحراك المعارض لحزب الله لا يتجاوز كونه تصريحات ومواقف لأطراف وشخصيات محددة، تتكرر بين الحين والآخر، ولا تحيد كثيراً عن الشكل والمضمون النموذجي القادر على الإزعاج، ليس أكثر. كذلك، فإن إسرائيل لا تخفي إدراكها أن كل الأطراف في لبنان فهموا جيداً حدود قدراتها في أعقاب عدوانها عام 2006، وذُكِّرت بحدود هذه القدرة في أيار 2008،
وبالتالي لم تعد تراهن (إسرائيل) على وجود قدرات فعلية في الساحة الداخلية اللبنانية لمواجهة المقاومة، بالوكالة عنها عسكرياً. تشير إلى ذلك دراسة صدرت أخيرا عن مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، بحثت في قدرات حزب الله مقابل إسرائيل، إذ أشارت إلى أن «تأثير حزب الله على خصومه في لبنان، ناتج خصوصاً من قدراته وصورة ردعه تجاه الساحة الداخلية، وأيضاً من فهم خصومه أن لديه القدرة الفعلية على اتخاذ خطوات عقابية»، إن أراد.
رغم ذلك، تستفيد إسرائيل من واقع الإزعاج الذي يتلقاه حزب الله، والتصويب على سلاح المقاومة، كالآتي:
إبقاء السجال الداخلي بشأن سلاح المقاومة وجدواه، يمكّن إسرائيل من أن تُظهر أنّ صراعها مع لبنان هو صراع مع طرف لبناني واحد، لا يحوز إجماعاً داخلياً، وأنه يملك جدول أعمال خارجياً لا يتناسب مع المصلحة اللبنانية، أي إن مقولة مقاومة إسرائيل ليست إلا وسيلة لغايات أخرى، وبالتالي يمكن تل أبيب أن تسوّق للدعاية القائلة إن صراعها مركّز على حزب الله «غير اللبناني»، المنفصل في توجهاته وتطلعاته عن تطلعات الدولة اللبنانية ومصلحتها، ذات السيادة.
مصلحة إسرائيل إُظهار صراعها مع لبنان صراعاً مع حزب اللّه، منفصلاًً عن الدولة اللبنانية من شأن إبقاء السجال أن يُبقي شعلة الخلاف قائمة بين اللبنانيين، ولا ينهيه بالمطلق، حتى مع وجود أجواء توافقية بدأت تعطي نتائجها الإيجابية داخلياً، ما يتيح لإسرائيل أن تراهن أو تأمل، في حال توافُر ظروف موضوعية داخلية وخارجية مؤاتية، أن يتناحر اللبنانيون عسكرياً وصولاً إلى احتواء حزب الله، في حد أقصى، أو حرف اهتماماته عنها، في حد أدنى، فالحرب الأهلية في لبنان مفيدة لإسرائيل من هذه الناحية، رغم إدراكها أنها لا تنتهي حالة حزب الله بوصفه مقاومة.
من جهة ثانية، وقد تكون أساس سرور إسرائيل في إبقاء السجال الداخلي قائماً، إنه إذا قُدّر للجيش الإسرائيلي، نظرياً، أن يوجّه ضربات عسكريّة وفقاً لما يهدَّد به لبنان، وتحديداً إلى المدنيّين والبنية التحتية المدنيّة، يجب أن تتوافر أرضية صالحة لدى قسم من اللبنانيين، لتحميل حزب الله المسؤولية، وهذه هي وظيفة إبقاء الاحتقان والسجال بشأن سلاح المقاومة قائمين.
من خلال إبقاء السجال حياً، يمكن إسرائيل أن تراهن على إسراع أطراف لبنانيين لملاقاتها في أعقاب ضربها للبنانيين والبنى التحتية في لبنان، عبر توظيف الضربات في حملات سياسية وإعلامية داخلية، تحمّل حزب الله المسؤولية عن الأضرار، وتحاول تقويض مشروعيته والتوهين من قدرات المقاومة في الدفاع عن لبنان، علماً بأنّ هذه الضربات لن تحقق أهدافها المرجوة إسرائيلياً، إلا إذا وُظِّفت سياسياً وإعلامياً ضد المقاومة، وإلا فستبقى مجرد خسائر مادية، يمكن تعويضها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018