ارشيف من :أخبار لبنانية

قصّة لقاء بكركي، من العشاءين السريّين إلى السلاح..

قصّة لقاء بكركي، من العشاءين السريّين إلى السلاح..
جان عزيز - الأخبار

كثيرة هي «المطبّات الهوائية» التي شهدتها العلاقة بين الرجلين، منذ تقاطع إطلالتيهما على الشأن العام، قبل 23 عاماً. أما أسبابها فمتداخلة بين التاريخي والشخصي والسياسي. يكفيها اختصاراً في المجالات الثلاثة أن يكون أحدهما يعبّر كل صباح تحت عبارة «مجد لبنان أعطي له»، فيما الآخر يمضي نهاره ورأسه فوق نجومٍ لملمها من الأرض، من جلِّ حارة حريك، إلى قمم سوق الغرب.

كل معالم تكوين الشخصية كانت تفرّق بينهما. لم تلبث أن تجسّدت واقعاً. كثيرة هي محطات الصدام والفراق والمواجهة، غير أن استذكارها لا يجدي ولا يفيد. فيما التقاطعات على ندرتها، تصلح وتنفع. اللقاء ـــــ التقاطع الأول، كان في باريس، بُعيد النداء الأول لمجلس الأساقفة الموارنة في 20 أيلول 2000. يومها أحسّ عون أن بكركي أعطته حقه، ولم يكن إطلاقاً في وارد أن يرد بالقول: «أما قلت لكم؟»، بل على العكس، التقى البطريرك في باريس، متوجهاً إليه بالتأكيد: «قبل اليوم، كنتم تملكون السماء، أما بعد ندائكم الأخير، فبتّم تملكون الأرض أيضاً»...

لم يدم «اللقاء» طويلاً. بعد أربعة أشهر أعلن لقاء قرنة شهوان من الصرح. تحفّظ الجنرال، ثم انسحب ممثّلوه. فعادت المطبّات لتسود الأجواء، حتى «العودة». في أيار 2005، كان البطريرك يعرب عن مرارته العميقة من «خيانات» كثيرين، وكان يطلق صرخته الشهيرة حيال الانتخابات وقانونها: «أعذر مَن أنذر». التفت حوله، لم يجد إلّا عون. بعد أسابيع ردّ البطريرك التحية بمثلها، قال له إنه بات للمسيحيين زعيم، قبل أن يترك كرسيه الكبير في صالون الصرح ويجلس جانباً لاستقبال الجنرال، كما رؤساء الدول...

ومرة جديدة لم يدم «اللقاء». بعد نحو سبعة أشهر، ذهب عون إلى مار مخايل، فيما ذهبت بكركي كل مذهب آخر، حتى صار الافتراق كاملاً.


باسيل زار بكركي بلا إعلام، وعون التقى مرتين عدداً كبيراً من الأساقفة تمهيداًقبل نحو ثلاثة أشهر، احتدم السجال الإعلامي بين الرابية والصرح، وبلغ حداً غير مسبوق. فكان لا بد من خطوة، للتوضيح، لا للتنفيس. فعند غسق ذات مساء، وصل جبران باسيل فجأة إلى بكركي. بلا إعلام ولا أضواء. كانت في جيبه أوراق وأرقام ووقائع وحقائق. تحدث مع صاحب الغبطة بصراحة كليّة. رمى أمامه كل ما يفكر فيه عون. قبل أن يختم بالاستخلاص: هذا هو رأينا، فهل يعدّ خيانة أو تجديفاً أو كفراً... أم العكس؟

بعد تلك اللحظة انطلقت المساعي مجدداً. حملها أصحاب النيّات الطيّبة من داخل بكركي، بعدما أحسّوا أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في عدم التواصل. وطيلة أسابيع، تتالت مساعي التمهيد. بعيداً عن الأضواء أيضاً، انتقل عون مرتين، ليلاً، إلى منزلين قريبين من دارته في الرابية. هناك كان ينتظره في كل مرة، إلى «عشاء سرّي»، مجموعة كبيرة من الأساقفة الموارنة.
 
واللقاءان كانا بعلم البطريرك وبركته وتشجيعه. وفي المرتين، عرض الجنرال تصوّره. سئل وأجاب: استوضح فشرح وأسهب. اقتنع الحاضرون، حتى أجمعوا على ضرورة عرض هذه الرؤية مباشرة في بكركي. سارع عون إلى القبول، لكن مع تمنٍ وحيد: ألّا يكون اللقاء ثنائياً بينه وبين البطريرك، بل في مجلس الأساقفة الموارنة، ليكون مثمراً، وشاملاً، وللتاريخ...

أمس، كان الحدث. غير مسبوق هو. ولا مثيل له في تاريخ الصرح، على عكس ما ذكر البعض. فرفيق الحريري في 8 آذار 1998 التقى الأساقفة في اجتماع خاص، لا في اجتماعهم الشهري. وتسلّم منهم رسالة خطية، كلّها مطالب لم يلبّ منها مطلباً.

أمس، تحدث عون عن كل شيء، لكنّ «المطلوب واحد». وهو يدركه. قال لهم: سلاح المقاومة، سلاح حزب الله موجود. كل العالم حاول نزعه بالقوة، ففشل. لذلك ـــــ نظرياً على الأقل ـــــ لم يعد هناك غير مقاربتين حياله: إما أن نؤيّده، وإما أن نحتويه. أنا اخترت أن أؤيّده، لأنه مصدر قوة للبنان، كل لبنان. مَن يرفض خياري يبقى له أن يحتويه، كما أدرك كل اللبنانيين الآخرين بعد أعوام من الخيارات الخاطئة. لكن، أيّ خيار آخر هو بمثابة انتحار...

قال عون الكثير. وأضاء للأساقفة على ظلمات أكثر. لم يناقشوا، لم يجادلوا، بل أثنوا وشكروا، وصلّوا، ليدوم «اللقاء الثالث».

2009-12-03