ارشيف من :أخبار لبنانية
البيان الوزاري مرآة لواقع الحكومة والأزمات
تحديات كثيرة تنتظر الحكومة وعمرها
مصطفى الحاج علياستنطاق البيان الوزاري لحكومة "الوحدة الوطنية" الذي ستتقدم من خلاله لنيل الثقة من المجلس النيابي كخطوة أخيرة لاستكمال عملية التشييد القانوني والدستوري اللازمة للانطلاق في عملها، يتطلب الأخذ بعدة اجرائية ـ منهجية للإمساك بما يقوله مباشرة، وبما يقوله مواربة، وصولاً الى رسم المعالم المورفولوجية للحكومة الحالية، والتوازنات الدقيقة التي تحتكم اليها.
أولى هذه الملاحظات، أن البيان الوزاري يقع في سياق انحسار الكباش السياسي الذي خضع له لبنان منذ العام 2005 حتى الآن، بكل خطوط بيانه المتموجة، وهو بالتالي، يعكس في أحد وجوهه الصراع غير المحسوم حول العديد من مفردات وعناوين الأزمة في لبنان والمنطقة عموماً، لازم هذا الأمر أن لا نكون أمام نص سمته الوحدة الانصهارية المتجانسة، بقدر ما سمته تراصف الفقرات ووقوفها على خطوط تماس متقابلة، يسعى من خلالها كل طرف أن يدوّن مواقفه ونظرته وقراءته الى الأمور.
من هنا، أمكن بوضوح فرز المواقف وإحالة كل فقرة الى الجهة المعنية بها، وبهذا المعنى فالحكومة هي أشبه بحزام مهمته الأساسية جمع المتخالفين في إطار واحد، جنباً الى جنب، بما يسهّل تصريف الأزمات المحتقنة في الشارع من خلال هذا الإطار، فنحن أمام عملية تساكن أو مساكنة فرضتها الضرورات والظروف والمعطيات والتوازنات الاقليمية والدولية والمحلية، أكثر من كوننا أمام عملية عيش تفاعلي فرضته القناعات المشتركة وإعادة النظر المشتركة، أما ثانية هذه الملاحظات، فتتمثل بكون البيان الوزاري يكشف عن الأزمات أو هو مرآة فعلية لها، وإن أوحى بأنه يسعى الى الحلول، يكفي هنا وقفة خاصة أمام العديد من المفردات لنرى كيف أن المدلول المباشر والايجابي لها يلزم عنه الدلالة الكاشفة عن الأزمات الفعلية التي يعاني منها لبنان، الأمثلة هنا كثيرة أبرزها:
1 ـ التصميم على أن تكون حكومة واحدة، ما يعني ضمناً أن هناك إدراكاً لدى هذه الحكومة بأنها ليست واحدة، وإنما هي عبارة عن حكومات متعددة في إطار واحد.
2 ـ الحرص على لبنان الواحد الذي يؤكد بدوره أن هناك أكثر من لبنان في أذهان الأطراف السياسية، وأن كل طرف يعمل للبنان المتصوّر لديه.
3 ـ اعلان الحرص على احترام الدستور، وحل المشكلات بالحوار هو الوجه الآخر للإقرار بتجاوز الدستور، والسعي لحل المشكلات والنزاعات بالحروب تارة والرهانات على الخارج، وبالانتفاضات الشارعية تارة أخرى.
4 ـ العمل من أجل بناء الدولة وتجديد الثقة بها هو المقابل تماماً لواقع التدمير المنظم للدولة من خلال تشليعها وتحويلها الى ما يشبه المشاع العام الذي يسعى كل طرف الى وضع يده على جزء منه، ومصادرته طائفياً، أي لحساب هذه الطائفة، وتحويل الطوائف الأخرى الى مجرد ملحقات وهوامش، وهذا ما أدى الى فقدان عميق بالثقة بالدولة بكل مؤسساتها الأساسية.5 ـ حكومة مدعوة الى تخطي الانقسامات الطائفية والسياسية والتعبير عن ارادة مشتركة في السعي نحو الوفاق الوطني الحقيقي، هنا، نحن أمام أعمق الأزمات وأخطرها على وحدة الدولة والسلطة والشعب معاً، ولا نغالي اذا قلنا ان أهم وأعظم مسؤولية تقع على عاتق هذه الحكومة، تتمثل في ايجاد السبل الكفيلة بتجاوز هذه الأزمة الخطيرة التي حفرت عمودياً وأفقياً في الجسد اللبناني.
6 ـ التأكيد على منع العبث بالسلم الأهلي هو اقرار ضمني أيضاً بأن هذا السلم ما زال هشاً ودقيقاً، ولا شك، أن أهم خطر يتهدد السلم الأهلي هو تفاقم المعضلة الطائفية والمذهبية في لبنان.
7 ـ الدعوة الى حصر السلطة الأمنية والفكرية بيد الدولة هي دعوة بديهية في الحقيقة لأن لا أحد يناقش فيها، وحسناً فعل البيان الوزاري في تحديد الأهداف الأساسية لوظيفة السلطة الأمنية: الحفاظ على صيغة العيش المشترك، حماية اللبنانيين، ومواجهة الإرهاب، المحافظة على حرية اللبنانيين وحقوقهم، منع الفوضى والإجرام والاتجار بالمخدرات، وذلك حسب القوانين وتوجيهات السلطة السياسية. من الواضح، أن هذه العناوين لمشكلات فعلية يعاني منها لبنان، والتصدي لها على نحوٍ فاعل، من شأنه أن يصلّب الجبهة الداخلية، ويوفر الأمن الاجتماعي، ويخرج الأدوات الأمنية من أطر الصراعات الداخلية لمصلحة الأهداف الآنفة.
8 ـ حسناً فعل البيان أيضاً بأن رسم للمقاومة في لبنان الى جانب الجيش والشعب أهدافاً واحدة هي المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، إضافة الى رد العدوان، واسترجاع ما تبقى من أراضٍ محتلة، المقاومة هنا تتكامل ولا تتعارض مع دور الجيش والشعب بما يحفظ لكل منه خصوصيته وأداء دوره كما يجب، وهذا ما أزعج المتناغمين مع المطالب الاسرائيلية الهادفة الى تدمير المقاومة ونزع سلاحها، معبرين عن ذلك بتحفظات لا تنطلي على أحد الأغراض الحقيقية التي تقف وراءها مهما جرى من تلاعب بالألفاظ، والتلطي وراء صياغات جوفاء والكلام هنا يطول، وخلاصة الأمر، نحن أمام قاموس سياسي يكشف عن الأزمات، بقدر ما يحاول مقاربتها ايجابياً.
وأما ثالثة الملاحظات، فتتمثل بأن البيان الوزاري ـ وأخذاً بالاعتبار ما تقدم ـ هو من النوع الذي يتطلب حاملاً من الأوزان الثقيلة، ويتطلب حكومة ليست فقط أطرافها من الأوزان الثقيلة، وإنما من النوع الذي لديه الإرادة الجامعة لإنتاج توافقات عميقة تشكل الأساس لتحقيق انجازات كبيرة ونوعية.
وفي مطلق الأحوال، ان المشاكل السياسية هي من النوع الذي لا يخضع حلها لمجرد النيات الطبية، وتوافر الارادة الداخلية اللازمة، وإن كان هذا الأمر أساسيا ومطلوبا، وإنما يتطلب أحد أمرين: إما خلل في التوازنات العامة والخاصة تقود الى هيمنة أطراف على حساب أخرى هيمنة حاسمة، وإما من خلال التوصل الى قناعات مشتركة، ومقاربة موحدة للمشاكل وللحلول، وهذا ما لا يبدو متوافراً على الأقل في المدى المنظور، من هنا، لا يبقى أمام هذه الحكومة الا السيناريوهات التالية: التوافق على تحييد نفسها عن القضايا السياسية الخلافية، والانصباب على المشاكل الاقتصادية والمالية والحياتية والإدارية، وإما ايجاد فصل فني بين القضايا السياسية والقضايا الأخرى من خلال ايجاد أطر خاصة للأولى، ومسار خاص بها، وإيلاء الأهمية القصوى للقضايا الثانية.
ولا شك، أن الفصل هنا ليس بالأمر اليسير، لأن التداخل يبقى كبيراً بين ما هو سياسي وما هو غير سياسي، كما أن لبنان ليس بمنأى عن ضغوطات الوضع الاقليمي بكل قضاياه الساخنة، من هنا، تبدو الحكومة الحالية في مواجهة تحد يومي يتمثل في كيفية ادارة الشأن الاقتصادي والمالي والمعيشي والاداري والأمني للناس، وفي كيفية حماية نفسها من ضغوط المتغيرات السياسية ورياحها، وفي كيفية السير على حد السكين الفاصل بين ما هو سياسي وغير سياسي، وما يصعّب من هذه المهمة هو تركيبة الحكومة نفسها، وما ييسّر من مهمتها في المقابل أن المنطقة عموماً هي في مرحلة انتقالية قد تطول لتغطي عمر الحكومة المفترض، أي أربع سنوات، إلا إذا حدث تطور مفاجئ ونوعي يقلب التوازنات، عندها سنكون أمام سيناريو مختلف.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018