ارشيف من :أخبار لبنانية
تبــادل رســائــل تمهـيـديــة بيــن الأســد والحـريــري
عماد مرمل - صحيفة السفير
بعد الانتهاء من ورشة حصول الحكومة على الثقة النيابية الأسبوع المقبل، وتحولها الى كائن سياسي ودستوري مكتمل، من المفترض ان تقفز زيارة الرئيس سعد الحريري المرتقبة لدمشق الى الصفوف الأمامية للاهتمامات الداخلية ولمفكرة رئيس الحكومة نفسه، باعتبار ان المقدمات الضرورية لحصولها تكون قد تهيأت، وخصوصاً على مستوى اكتمال «عدة الشغل» لدى الحريري وبالتالي اكتسابه صفة «دولة الرئيس النافذ».
وإذا كان الحريري قد اختار ان يستهل نشاطه الخارجي كرئيس للحكومة بالمشاركة في قمة «التغير المناخي» في كوبنهاغن في الخامس عشر من الشهر الحالي، إلا ان حضوره لقمة تغير «المناخ السياسي» في دمشق سيكون بالتأكيد هو الحدث الابرز الذي سيترك انعكاسات طويلة المدى على العلاقة الثنائية بين لبنان وسوريا وعلى العلاقة السياسية بين الحريري والقيادة السورية، بعد اربع سنوات من القطيعة القاسية والمواجهة الموجعة.
ولأن لقاء بشار الأسد ـ سعد الحريري سيكون استثنائياً في معانيه ودلالاته، كان لا بد من ان يتم التمهيد له بعناية، وبعيداً عن الأضواء، بحيث لا يُترك للمصادفة ان تؤدي أي دور في صياغة مسار تلك الزيارة التي من المتوقع ان تكون مدروسة ومحبوكة في كل خطواتها وتفاصيلها.
وأغلب الظن ان قلائل هم الذين يعرفون المدى الذي وصلت اليه الاستعدادات اللوجستية والسياسية، القائمة على قدم وساق، لترتيب الزيارة القريبة للرئيس سعد الحريري الى دمشق، بل يمكن القول ايضاً إن القلائل هم الذين يعرفون المرحلة التي بلغها الحوار غير المباشر وغير المعلن الحاصل بين دمشق والحريري منذ أشهر.
وفي الوقائع، يمكن الكلام عن اتصالات ثنائية ورسائل متبادلة تتم عبر أقنية جانبية بين الرئيسين الأسد والحريري منذ قرابة ثلاثة اشهر، والأرجح ان موفدين من الحريري زاروا دمشق خلال تلك الفترة، ليس فقط من أجل إتمام التحضيرات التقنية والعملانية للزيارة المفترضة، بل إن النقاش تطور في اكثر من اتجاه سياسي، الامر الذي ساهم بفعالية في تسهيل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وفي معالجة العديد من التفاصيل الملتبسة.
وحسب العارفين، فإن هذا الحوار بـ«الواسطة» نجح في كسر الجليد السياسي والنفسي الذي تراكم خلال السنوات الاربع الماضية على طريق قريطم ـ دمشق، بل إن هؤلاء يذهبون الى حد الكلام عن بداية التأسيس لأرضية من الثقة بين الجانبين، ما زالت تحتاج بالتأكيد الى الكثير من الجهد حتى تكتمل، ولكن شروطها الاولية اصبحت متوافرة.
وسط هذه الأجواء المؤاتية، يتواصل التحضير الهادئ والصامت لجعل «رحلة» الحريري الى سوريا تخرج بأفضل النتائج الممكنة، وهناك من يشير في هذا السياق الى ان المعنيين بإنجاز ترتيباتها، لدى الجانبين، قطعوا حتى الآن أشواطاً متقدمة في مهمتهم، بلغت حد الاقتراب من وضع التصور النهائي لمحتوى برنامجها والذي لم تعد تنقصه سوى لمسات أخيرة.
وعلم ان الجانب السوري سيكون حريصاً على «التوازن الدقيق» في التعامل مع شكل الزيارة، فهو يميل الى عدم المبالغة في مراسم الاستقبال لئلا يساء تفسيرها من قبل البعض، ولكنه في الوقت ذاته يبدي اهتماماً بأن تعكس قدراً ملائماً من الحرارة واللياقة، تتناسب أولا مع موقع الحريري كرئيس للحكومة اللبنانية وثانياً مع رغبة دمشق في ضخ جرعة كافية ومدروسة من الود تجاهه، في أعقاب مرحلة الخصومة الحادة .
ولعل الإشارة الأكثر بلاغة الى التطور الحاصل على هذا المستوى هو ما جرى في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة. في تلك الجلسة دخل بعض وزراء المعارضة الى قاعة الاجتماع وفي نيتهم المبادرة الى المطالبة بشطب كلمة «الندية» من الفقرة المتعلقة بسوريا في البيان الوزاري، لأنه لم يعد هناك من حاجة للإبقاء عليها بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية وفتح سفارتين في بيروت ودمشق «إلا إذا كانت لدينا ازمة ثقة في النفس». ولكن المفاجأة التي باغتت هؤلاء الوزراء تمثلت في ان وزير تيار المستقبل جان أوغاسبيان سبقهم في الطرح واقترح هو استبدال «الندية» بتعبير آخر، الأمر الذي لاقى تأييداً من وزراء آخرين في الأكثرية.
ولئن كانت اوساط تيار المستقبل تميل الى حصر وظيفة اقتراح اوغاسبيان في إطار التحسين اللفظي والتقني للبيان الوزاري داعية الى عدم تحميله أكثر مما يحتمل، إلا ان مواكبين لما يجري على خط بيروت ـ دمشق يؤكدون ان موقف اوغاسبيان يعكس إشارة إيجابية إضافية من الحريري حيال سوريا، وانه من المكابرة نفي مضمونها السياسي الواضح والمندرج في سياق إنتاج البيئة المناسبة لإنجاح الزيارة المنتظرة.
والأرجح ان الحريري يلاقي موقف سوريا الايجابي الذي جرى إبلاغه لمن يهمه الامر وفحواه ان الرئيس بشار الأسد حريص على نجاح الحريري في مهمته الصعبة على رأس الحكومة وأنه مستعد للمساعدة في تأمين ظروف هذا النجاح، ضمن المساحة التي تستطيع دمشق ان تتحرك فيها.
هذا المنحى لدى القيادة السورية ليس بعيداً عن انطباعات وزير الاعلام والثقافة السعودي عبد العزيز خوجة الذي توقع خلال مجلس خاص ان تصبح علاقة بشار الأسد مع سعد الحريري أفضل مما كانت عليه مع والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. والأرجح ان استعداد دمشق لمواكبة الحريري في مهمته يعبر، في جزء منه، عن التفاهم الذي تم بين الملك السعودي والرئيس السوري ـ خلال قمتهما الاخيرة ـ حول كيفية مقاربة الملف اللبناني وتوزيع الأدوار بشأنه.
والظاهر، ان مساحة الدور السوري فوق رقعة الشطرنج اللبنانية قد اتسعت مؤخراً برضى عواصم إقليمية ودولية فاعلة، وإن يكن مرفقاً بضوابط وصمامات أمان. ويُنقل عن الموفد الرئاسي الفرنسي جان كلود غيان قوله امام بعض من التقاهم قبل مدة ان هناك عودة للإدارة السورية للوضع اللبناني، ولكنها ستكون إدارة ناعمة او مهذبة، وفق ما نسب اليه.
في كل الحالات، تؤكد اوساط مقربة من الحريري ان الظرف السياسي أصبح بالفعل مؤاتياً لإتمام زيارته الى دمشق، ولكنها تدعو الى وضعها في إطارها الطبيعي المستمد من المسؤولية الوطنية التي ترتبها رئاسة الحريري للحكومة، بمعزل عن عواطفه الشخصية، ناصحة بعدم المبالغة في قراءة مغزاها واستنتاج أبعادها، ولافتة الانتباه الى انه سبق للرئيس فؤاد السنيورة ان زار سوريا بصفته رئيساً للحكومة، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وتعتبر الاوساط ان الإيحاء بأن هناك معنى استثنائياً لاستقبال سعد الحريري في دمشق، كونه ابن الرئيس الشهيد، إنما يشي بمحاول للربط بين سوريا واغتيال الحريري، بينما من الأفضل ترك هذه القضية بحوزة المحكمة الدولية، وفصل زيارة الحريري عنها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018