ارشيف من :أخبار لبنانية
المحكمة الدُوَليّة والإرث السيّئ [2]: عيّنات من شهادات الزور والمماطلة
بعدما أبلغ القاضي دانيال بلمار النائب العام التمييزي، القاضي سعيد ميرزا، أن بمقدور السلطات اللبنانية حسم ملف التوقيف أو عدمه، استناداً إلى ما هو موجود بين يديها، لم يكن أمام المحقق العدلي، صقر صقر، الذي قال إنه يحتاج إلى وقت لقراءة الملف، مفرّ من استهلاك بضعة شهور.
لكن الوقت مر سريعاً، وعاد بلمار يسأل ميرزا عن النتيجة. فكانت النتيجة أنه من دون إنذار، بدأ صقر باستدعاء عدد من الشهود، وذلك بالتعاون مع محامي الادعاء السياسي المقابل.
وتطوّر الأمر على شكل مماطلة، بدا واضحاً من خلالها أن المطلوب هو إمرار الفترة الفاصلة عن قيام المحكمة، ونقل الاختصاص إليها من دون قرار يصدر عن القضاء اللبناني، وهو الأمر الذي تردّد في حينه، نقلاً عن جهات رفيعة في القضاء. إلا أن وكلاء دفاع الضباط الأربعة، واللواء جميل السيد نفسه، ينسبون إلى القاضي ميرزا أنه كان يصارح بعض الأصدقاء بأنه لن يبادر إلى تحمّل المسؤولية عن خطوة قد تترتب عليها مضاعفات سياسية، وخصوصاً مع آل الحريري بصفتهم جهة الادعاء السياسي. حتى إنه جرى استصراح مفتي الجمهورية، محمد رشيد قباني، الذي قال كلاماً بدا محذّراً من إطلاق الضباط الأربعة. أما الجهات الرسمية، فصارت تردّد عبارة واحدة: كل الملف لم يناقش قبل إحالته على المحكمة الدولية.
لكن الضغط على لجنة التحقيق الدولية لم يتوقّف، فما كان من القاضي بلمار إلّا أن تحدث أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي عن الوقع العام بعد تقديمه تقريره الدوري. وقد سأله أكثر من مندوب عن مصير الموقوفين فكان ردّه: «لست على علاقة بالموضوع، لقد سُلّمت السلطات القضائية اللبنانية كل الأوراق المتعلقة بهؤلاء، بما في ذلك ملفات الشهود والتقويمات الخاصة بهم، وأنا أرى أن مطالب الموقوفين ووكلائهم محقّة، لكن الأمر كله بيد السلطات اللبنانية».
ومع ذلك لم يُحدِث هذا الكلام صدى في بيروت. القاضي ميرزا يرفض التعليق على أيّ من هذه الأنباء، ولا يجيب عن أيّ سؤال في شأن موقف لجنة التحقيق من استمرار التوقيف.
أما القاضي صقر، فينفي تسلّمه أيّ رأي خاص من اللجنة، وعلى العكس يواصل استدعاء الشهود، وكان البارز بينهم أحمد مرعي، «المركّب» على أكثر من صعيد أمني. كان واضحاً أن هناك سلوكاً من الجانب اللبناني يقوم على ترك الأمور بلا علاج إلى حين نقل الملف إلى المحكمة الدولية. والمفارقة أنه لم تحصل أي مبادرة من الجانب السياسي، وخصوصاً من الرئيس ميشال سليمان، الذي كان على علم بكل التفاصيل من وكلاء الدفاع عن الموقوفين وذويهم. واستمر الأمر على هذا المنوال حتّى إحالة الملف بكامله على المحكمة الدولية.
بلمار يطلب إطلاق السبيل وصقر يستدعي الشهود ورئيس الجمهورية لا يتحرّكوبعد قرار الإفراج عن جميع الموقوفين، تبيّن أن هناك مشكلة طارئة، قوامها أنّه أتيح لكثيرين الاطّلاع على أوراق الملف الخاص بالضباط الأربعة في مراحله المختلفة، وكانت المفاجأة الأبرز لدى فريق الدفاع في المحكمة، الذي عقد سلسلة اجتماعات اطّلع خلالها على تفاصيل كثيرة من وكلاء الدفاع، كما تسنّى له من مناقشة المدعي العام الحصول على إجابات وتفسيرات لبعض القضايا.
ويقول اللواء السيد في هذا السياق: كان واضحاً أن هناك من يريد نقل الضباط إلى لاهاي، وأن القاضية جوسلين ثابت نفسها كانت تخشى ذلك، وربما كانت تؤيّد حلاً في بيروت لأنها تحدّثت مراراً أمام أصدقاء عن أن الكارثة ستقع إذا نُقل الملف إلى المحكمة!.
وعندما يتسنّى الاطلاع على ملف «شهود الزور» تظهر مفاجآت من النوع المضحك ـــــ المبكي. فمثلاً، عندما أوقف الضباط الأربعة، استُدعي اللواء علي الحاج، والعميدان ريمون عازار ومصطفى حمدان، كلّ على حدة، إلى مقر لجنة التحقيق الدولية، وعُرض شريط مسجل استغرق 12 إلى 13 دقيقة، يظهر فيه الشاهد محمد زهير الصدّيق وهو يقدم روايته، وفيها حكاية الاجتماعات في الضاحية، وفي الشويفات، وكيف أن مصطفى حمدان تولّى الإشراف مباشرةً على مسرح الجريمة. وبعد مرور نحو عشر دقائق، ينتبه الصدّيق إلى أنه لم يأتِ على ذكر اللوء السيد، فيقول مستدركاً: لا تؤاخذونا، نسيت اسم اللواء السيد، وعلى كل حال يمكن أن تضعوا اسمه في كل الأحداث التي عرضتها سابقاً!.
واحدة أخرى، تلك التي تتعلّق بإفادة الشاهد أكرم شكيب مراد، الذي قال إنه في مطلع عام 2004 كان في مكتب العميد رستم غزالة، في عنجر، حين حضر اللواء علي الحاج، ونُقل إلى مكتب آخر، ثم انتبه في وقت لاحق إلى وصول سيارة الميتسوبيشي، وقد جلس إلى جانب السائق اللواء آصف شوكت، ثم يشير إلى قدوم شخص ملتحٍ ويقول «كأنه من الضاحية، وأخذ السيارة».
المشكلة في هذه الإفادة التي عُرضت واستُخدمت، أن من أعدّها لم ينتبه إلى أن لجنة التحقيق نفسها كانت قد توصّلت إلى أن السيارة التي استُخدمت في الجريمة، سُرقت من إحدى مقاطعات اليابان، بعد أكثر من سبعة شهور من التاريخ الذي أشار إليه مراد في حديثه عما جرى في عنجر!.
ثمة أشياء كثيرة يمكن الإشارة إليها في معرض الحديث عن التركيبات والتلفيقات التي حصلت، لكن من قام بهذا الأمر ولحساب من؟ وكيف يمكن اعتبار ما حصل، حتى بعدما أُفرج عن الموقوفين، دليلاً على صدق المحكمة؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018