ارشيف من :أخبار لبنانية
الملف النووي الايراني : "منازلة جديدة"؟! و نتيجة محسومة ؟
عول الكثير من المتتبعين لمسار الملف النووي الايراني السلمي ، على اجتماعات جنيف و بعدها فيينا ، و اعتقد البعض بان هناك حل ما سيأتي ليهدأ الساحة و يفتح الطريق الآمن للخروج من الحلبة من غير اضرار تذكر في اي من الفريقين . و قد يكون هذا الاعتقاد منطقياً في اطار الحيثيات التي قادت اليه ، لو كانت مسألة النزاع الحقيقي متوقفة بين اميركا و الغرب من جهة ، و بين ايران من جهة اخرى ،عند الملف النووي ، الذي تتيقن اميركا يوماً بعد يوم ، انه مشروع علمي يتم البحث و السير فيه لاغراض سلمية اباحتها كل الاتفاقيات الدولية ذات االصلة ، و كل قواعد القانون الدولي العام ، خاصة و ان ايران اظهرت من الشفافية و التعاون مع وكالة الطاقة الذرية ما يفوق المطلوب منها ، و لكنها لم تتخل عن سيادتها و لم تتنازل عن حقوقها البديهية المبدئية و الطبيعية ، و هي مصرة على الوصول الى امتلاك الطاقة الذرية لاستعمالها في مصلحة انسانها و رغيد عيشه و صحته و تحصيل رزقه . و لان الهدف هو الاساس ، فقد عرضت ايران تخصيب اليورانيوم في الخارج ، او شراؤه مخصباً بنسبة 20% (النسبة اللازمة للاستعمال المدني ) او مبادلة ذلك بما لديها من مادة منخفضة التخصيب (3.5 %) ، و هو عرض جاء ليحفظ لايران هدفها و يسد الذرائع و يعطل اسباب القلق و الخوف الغربي من تطوير ايران لقدراتها باتجاه انتاج القنبلة النووية التي لو حصلت عليها لاحدثت انقلاباً استراتيجياً في المنطقة و العالم يمنع على " الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية " الاستمرار في تقاسم النفوذ في العالم ضد حقوق الشعوب و حريتها ، هذا النفوذ الذي سعت اميركا في العقدين الماضيين لحصره في يدها، و ووجهت من ايران برفض التبعية و هذه هي المسألة الاساس .
لم يؤد السلوك الايراني الاخير عرضاً و تعاوناً و رغم موضوعيته و مشروعيته ، الى ما رغبته ايران ، بل على العكس تفاقم الوضع و انهارت الامال و عادت لغة التهديد و التلويح بالعصا الغليضة ضد هذه الدولة التي اثبت قدرة فائقة على التمسك بالحقوق و المناورة الذكية لحفظها ، و الان و بعد قرار الوكالة الدولية للطاقة "بادانة ايران في سلوكها النووي!! "، و تحضير الملف للعودة به االى مجلس الامن بغية الملاحقة بالفصل السابع من الميثاق ، يطرح السؤال الكبير : ماذا ستفعل اميركا و من معها في ما يسمى "المجتمع الدولي " لارغام ايران على الانصياع لارادة هذا الاخير؟
في السابق لجأت اميركا الى العقوبات الاقتصادية و السياسية ضد ايران ، و صعدتها بوجهها لمرات ثلاث متتالية ، و لم تؤد هذه العقوبات الى نتيجة تعول اميركا عليها و تحمل ايران على الركوع و الانصياع ، و الان تلوح اميركا بحلقة رابعة من العقوبات قد يكون فيها مس بالثروة النفطية تصديرا ، او بمشتقات النفط استيراداً ، اضافة الى تضييق اضافي في المجال المصرفي و المالي ، و هي عقوبات قد تسبب لايران وجعاً ما و لكن في الماضي اعتادت ايران على التعامل الذكي مع العقوبات بشكل عام ، ما ادى الى نجاحها في بناء الاقتصاد القائم على "نظرية الاكتفاء الذاتي " في كل ما يمكن تحقيقه في هذا المجال . و هنا قد تجد ايران نفسها امام تحد جديد لن يكون الالم فيه بمقدار الالم المتشكل نتيجة التراجع عن حقوقها و الخضوع للغرب في سياستها .نقول هذا رغم اننا لا نثق بقدرة العقوبات الجديدة المفترضة على احداث مثل هذا الالم و التعب المرهق للدولة و شعبها . نتيجة تقودنا للقول بان العقوبات مع ايران لن تحقق اهداف فارضيها و لن تكون ايران نسخة منقحة عن دول اخرى جعلتها العقوبات تركع عند الباب الاميركي.
و تبقى القوة العسكرية و الحرب سبيلاً قد يسلك لتحقيق الغرض الاميركي من المنازلة مع ايران ، و هنا نرى ثلاثة موانع اساسية تحول دون الحرب :
الاول : عجز اميركا و حلفائها عن شن حرب برية ضد ايران ، و اميركا الان تتخبط في واقع مزر في افغانستان ، و وضعها في العراق ليس فيه ما يطمئن الى المستقبل . و قد يقال بان اميركا في السنة المقبلة ستنسحب من العراق بموجب الاتفاقية الامنية ( ونحن نشك بذلك و نرى شبه استحالة في تحقيقه ) ، و انها تعد خطة الانسحاب من افغانستان ، ما يمكنها من توفير القوى اللازمة لعزو ايران . و هنا نقول ، ان هذين الانسحابين ، حتى و لو فرضنا حصولهما جدلاً ، فانهما سيكونا الشهادة على هزيمة اميركية تضاف الى هزيمتها في فيتنام ، و ستكون اميركا بحاجة الى وقت لهضم ذلك ، و لن تتسرع في عمل يفاقم الاثار .
الثاني : عجز اميركا و اسرائيل معاً عن عمل جوي او قصف صاروخي صاعق يدمر المنشآت النووية دون ان يترك لايران فرصة ردة الفعل ، و هنا نقول بان بامكان اميركا و اسرائيل القيام بطلعات جوية مكثفة مترافقة مع قصف صاروخي بعيد المدى ضد الاهداف الاستراتيجية الايرانية الكبرى ، لكن هذا الامر لن يحقق الاهداف المتوخاة لانه قد يدمر في الساعات الاولى بعضاً منها (و هي واسعة الانتشار و التبدد على طول المساحة الايرانية ) و بعده ستنطلق ايران بالرد المدمر على اسرائيل ذاتها ، و على القواعد العسكرية الاميركية في المنطقة . فالصاروخ الاميركي قد يطلق شرارة الحرب لكنه لن يتحكم بعد ذلك بمسارها و لا بمصيرها و هذا الامر بالذات تخشاه اميركا و اسرائيل ايما خشية ، و لا تعلم اي منهما قدرة ايران على ردة الفعل ، كما انهما لا يعرفان هل بامكانهما استيعاب ذلك .
الثالث : متعلق بالقرار الاميركي النافذ اليوم و المتمثل باعتماد استراتيجية القوة الناعمة ، و التي كما يبدو اعطتها الرئاسة الاميركية فرصة سنتين للتطبيق ، و وضعت الخطط للتعامل مع الخارج على هذا الاساس ، و ان استراتيجية الدول الكبرى لا تتغير بين يوم و ليلة ، خاصة و ان اميركا استهلكت من المدة نصفها و حققت الكثير من النجاحات خلالها ويكفي التذكير بتلك الحرائق التي تشعلها في المنطقة وتشغل اهلها عن السياسة الاميركية والاسرائيلية .
لكل ذلك نقول بان حرباً تفرض على ايران في المدى المنظور ، و حتى سنة من الان ، هو امر مستبعد ان لم نقل شبه مستحيل ، و يضاف ذلك الى عقم العقوبات في ليّ ذراع ايران ، لنخلص الى نتيجة نقول فيها ان ايران ستستمر كما يبدو في مشروعها السلمي ،و ستستمر اميركا واسرائيل و الغرب الذي تقوده في الصخب و التهديد و فرض عقوبات لا تغير من واقع الحال و مساره ، لكن يبقى السؤال المحير عن موقف روسيا و الصين ، فما هو التفسير لموقفهما هذا الذي يقترب في نهاية المطاف من القبول بالاملاء الاميركي ؟
في التحليل هنا علينا ان ندرك ان روسيا التي خرجت من السياسة الدولية الفاعلة ، لنيف و 15 عاماً تحاول اليوم العودة اليها و من باب الشرق الاوسط و هي تعلم ان ذلك لا يمكن ان يتم بمواجهة مباشرة و حادة مع اميركا ، و هي مضطرة لممالأتها في الملفات التي لا يرتد انعكاسها السلبي عليها بشكل ثقيل ، لهذا فانها تساير اميركا في المحطات الاخيرة ، دون ان تقطع الصلة بايران ، و هي تلعب هنا لعبة مسك العصا في الوسط دون ان تضطر الى خصام فريق من اجل فريق آخر و هي بحاجة الى هذه السياسة في فترة احياء الموقع الدولي لها . و الامر ذاته ينطبق على الصين مع خلاف في المنطلقات ، حيث ان ليس للصين مصلحة في مواجهة مع اميركا خاصة و انها تستمر في خطها الاقتصادي ذي النمو الصاعد ، و كذلك لا يمكنها التخلي عن ايران نظراً لموقعها الاقليمي و الاستراتيجي ، و كلا الدولتين روسيا و الصين تعلمان كما يبدو ، بان لا حرب على ايران ، و لا اثر جذري للعقوبات ، فلماذا المخاطرة اذن و فتح جبهات مواجهة من غير طائل .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018