ارشيف من :أخبار لبنانية

فشل المناورة الإسرائيلية.. والبدائل

فشل المناورة الإسرائيلية.. والبدائل
طلال عوكل، البيان


سريعاً تبخرت المناورة الإسرائيلية بشأن الموقف من الاستيطان، التي طرحها في مؤتمر صحفي مفتعل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. فقد بدت مكشوفة تماماً، بل مفضوحة، رغم أنها من حيث الإخراج جاءت بعد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، مساء الأربعاء الخامس والعشرين من الشهر الماضي، وأيضاً بالرغم من الترحيب الأميركي السريع جداً بها، باعتبارها خطوة إيجابية تساعد في إحياء المفاوضات المجمدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
 

في مؤتمره الصحفي كشف نتنياهو النقاب عن أن حكومته تبادر من باب حسن النية، ومن أجل ترطيب العلاقة المتوترة قليلاً مع الإدارة الأميركية، إلى تقديم اقتراح بتعليق الاستيطان لفترة عشرة أشهر.

كان يمكن لمبادرة كهذه أن تحرك مياه المفاوضات الراكدة، غير أن التفاصيل التي جاءت شارحة وموضحة، تشير إلى أن هذا التعليق يستثني القدس باعتبارها العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل، مما يخولها مواصلة الاستيطان فيها بدون قيود، كما يستثني الشرح آلاف الوحدات السكنية التي تقرر بناؤها في أوقات سابقة، بالإضافة إلى ضرورة استمرار بناء مراكز الخدمات العامة والبنى التحتية للمستوطنات، بما يشمل مستشفيات ومدارس وكنساً وأبنية حكومية وإدارية..

ويضيف نتنياهو أن هذه المبادرة مرهونة بموافقة الفلسطينيين على يهودية الدولة الإسرائيلية. يدرك نتنياهو أن مبادرته قد ولدت كسيحة، وأن الفلسطينيين لن يوافقوا عليها، بل إنهم لن يترددوا في الإعلان عن رفضها جملةً وتفصيلا، وهو ما حصل فعلاً.

الأنكى من ذلك هو ما ولدته مبادرة نتنياهو من وهم كاذب لدى الإدارة الأميركية، التي تلقفت الاقتراح وأعلنت ترحيبها به، وهو ترحيب يؤكد انحياز هذه الإدارة، المدعية للرغبة في التغيير، لصالح إسرائيل.

المبادرة تحولت إلى مسرحية هزلية جداً، لا جمهور لها، حين تزامن المؤتمر الصحفي لنتنياهو مع مؤتمر صحفي للمبعوث الأميركي لعملية السلام السيناتور جورج ميتشل، والذي ما كان لمسؤول مخضرم مثله أن يقع في فخ يتسم بالسذاجة المفرطة، حين اعتقد هو الآخر أن ترحيبه بالمبادرة الإسرائيلية سيترك ردود فعل إيجابية لصالحها.

والحال أن الفلسطينيين لم يكونوا لوحدهم من رفض المناورة الجديدة، بل إن معظم الدول العربية، وأساساً دول الاعتدال العربي، ومعظم دول العالم بما في ذلك معظم الدول الأوروبية، رفضت هي الأخرى المبادرة الإسرائيلية واستمرت تطالب بتجميد الاستيطان.

ولكن، إذا كان نتنياهو يعرف سلفاً أن مبادرته لن ترى النور، وإذا كان ذلك غير خافٍ أيضاً على الإدارة الأميركية، فما الذي يتوخاه الطرفان من طرح تلك المناورة، التي تبدو وكأنها إعلان مبطن يبلّغ عن فشل المساعي التي يديرها ميتشل والإدارة الأميركية، لإحياء عملية السلام؟

لا شك أن مبادرة نتنياهو تحمل بضع رسائل، أولاها وأهمها على الإطلاق، موجهة للداخل الإسرائيلي، حيث يسعى إلى استثمار تطرف المجتمع الإسرائيلي لكسب المزيد من التأييد والدعم، الذي سيؤدي تدريجياً إلى استعادة الليكود لموقع الحزب الأكبر والأول والأكثر شعبية في إسرائيل.

الرسالة الثانية تستهدف إلقاء الكرة في مرمى الفلسطينيين، بعد أن كانت في المرمى الإسرائيلي. يعتقد نتنياهو أن مبادرته على الأقل، ستخلق لدى الفلسطينيين والعرب قدراً من الإرباك والانقسام، بين رافض وموافق ومتردد أو صامت، وأن هذا كفيل بخلخلة الموقف الدولي الذي يجمع على مطالبة إسرائيل بتجميد كلي للاستيطان.

وربما اعتقد نتنياهو أيضاً، أن مناورته الجديدة من شأنها إدارة قرص الضغط الأميركي والأوروبي في اتجاه الفلسطينيين، الذين تعتمد موازنتهم على أموال المانحين، وأن مثل هذا الاقتراح سيقطع الطريق على القرار الفلسطيني العربي بالتوجه إلى مجلس الأمن، سواء بشأن قضية حدود الدولة الفلسطينية، أو بشأن مبادرة المندوب الليبي لطرح مشروع قرار في مجلس الأمن بإدانة الاستيطان.

أما الرسالة الثالثة فهي موجهة إلى الطرف الأميركي، وبغرض تلطيف الأجواء المتوترة على خلفية فشل المحاولات الأميركية لإحياء عملية السلام، والحرج الأميركي من النشاطات الاستيطانية المكثفة التي تقوم بها إسرائيل، في القدس خصوصاً وفي الضفة الغربية عموماً.

في الواقع، وبالرغم من ترحيب الإدارة الأميركية بمبادرة نتنياهو، فإن كل هذه الرسائل باستثناء الرسالة الموجهة للجمهور الإسرائيلي، قد منيت بالفشل، حتى لم يعد أحد يكترث لتلك المبادرة، بما في ذلك الإدارة الأميركية التي لم تحرك ساكناً، لا للضغط على الفلسطينيين ولا لتسوية المبادرة دولياً.

واكتفت بما ورد من ترحيب بها. على أنه إذا كان من المتوقع تماماً أن يكون الرفض الفلسطيني سريعاً وحازماً، لأن المبادرة تنهي المفاوضات بشأن اللاجئين والقدس قبل بدئها، ولأنها لا تغير شيئاً في الموقف الإسرائيلي العملي من النشاطات الاستيطانية.. فإن الترحيب الأميركي جاء مخيباً لآمال وتطلعات الكثيرين ممن تأثروا إيجابياً بخطاب الرئيس أوباما من جامعة القاهرة، وما انطوى عليه من وعود بالتغيير والتجديد.

لقد جاء الموقف الأميركي ليؤكد ما كان معروف تاريخياً، من أن الديمقراطيين الأميركيين هم أشد ولاءً وأكثر دعماً لإسرائيل من الجمهوريين، رغم الطبيعة المتطرفة التي انطوت عليها سياسة الإدارة السابقة برئاسة جورج بوش الابن.

هذا الاستنتاج يفترض من الفلسطينيين والعرب، التوجه بقوة للبحث عن وسيط مركزي آخر غير الولايات المتحدة، التي عليها أن تسلم بالفشل طالما ظلت مقيدة بتبنيها ودعمها للمصالح الإسرائيلية. وإذا كان الاتحاد الأوروبي هو المرشح أكثر من غيره، وهو أمر تحول دونه الممانعة الإسرائيلية، وحتى الأميركية، فإن البديل الميسور هو التوجه إلى الأمم المتحدة وأطرها.




 

2009-12-05