ارشيف من :أخبار لبنانية

المحكمة الدوليّة والإرث السيّئ [3] تصحيح خطأ لا يعني إبراءً للذمّة

المحكمة الدوليّة والإرث السيّئ [3] تصحيح خطأ لا يعني إبراءً للذمّة

" الأخبار " - ابراهيم الأمين
في حالة المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثمة جانب قانوني لا يمكن مقارعته بكلام سياسي. لكن الأمر لا يستوي عند حدود أن القانون يغطي كل ما تحته. وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام أسئلة عن المحكمة وصدقيتها وحياديتها في ظل مجموعة من الخطوات والأمور التي جرت في المرحلة الأخيرة. حتى عندما يلجأ البعض إلى اعتبار قرار الإفراج عن الضباط الأربعة وبقية الموقوفين بمثابة إشارة حسن نية تستهدف نيل مباركة وتأييد الفريق القانوني والسياسي والشعبي الذي اعترض على عمل لجنة التحقيق الدولية وفريق التحقيق اللبناني طيلة 4 سنوات.

التهرّب من المسؤوليّة

تحاول رئاسة المحكمة في هذه المرحلة التمسّك بقرارها عدم قدرتها على التحقيق في كل ما سبق انطلاقتها، وأن القرارات الدولية التي تستند إليها والإجراءات التي تعمل في ظلها، تمنع عليها المبادرة إلى العودة والتدقيق في ملفات التحقيق الأولى، وبالتالي التحقيق في ملفات شهود الزور ومن يقف خلفهم، وأية أبعاد وراء تركيبهم، والأذى الذي ألحقوه بالتحقيق نفسه، إضافة إلى ما ترتّب على إفاداتهم من أذى مباشر بعدد من المواطنين. وأكثر من ذلك، لا تقدّم المحكمة حلّاً للمعضلة الناتجة من قرارها، ولا تشير إلى صاحب الاختصاص في هذا الملف.

تريد المحكمة الآن ربط هذا الملف بالجهات المتضررة والقضاء الموجود خارج المحكمة، وفق قاعدة تبدو شديدة الالتباس. ذلك أن الوقائع تقول الآتي: إن شهود الزور أدلوا بإفادات أدّت الى إحداث ضرر. ولولا الجهود التي بذلت من جانب المتضررين وفريقهم القانوني، لربما كان في مقدور الفريق الذي يقف خلف الشهود أن يستمر باستغلال الإفادات الخاطئة، وبالتالي لتمكّن فريق المزوّرين من فبركة أدلّة، ولكان الضرر قد استمر على ما طاله بداية، وربما كان ليتوسّع. وفي المقابل، ظلّ هؤلاء الشهود في حالة تنعم بالحماية والرعاية. وبالتالي، فإن نتيجة هذه الخطوة هي أن خطأ الشهود يدفع ثمنه من استُهدف بالخطأ. ولكن بعدما كشفت المحكمة نفسها الخطأ، ماذا كانت النتيجة؟ صحيح أنّه قد أطلق سراح الموقوفين، وأهملت إفادات شهود الزور، ولكن المحكمة تقول إنها غير معنية بهم، والقضاء اللبناني يقول إن وضعهم مشمول بملفات يعود الاختصاص فيها إلى المحكمة، وبالتالي فإن النتيحة هي: منح شهود الزور ومن يقف خلفهم البراءة... وفي النتيجة، تقول المحكمة للناس الآتي: زوّروا أدلّةً، ولكن بإحسان. فإذا نجحتم أوقعتم بخصومكم، وإن فشلتم فلا بأس، فلن يلاحقكم أحد ولن يحاسبكم أحد.

في الجانب اللبناني، ثمة نقاش محصور ببند واحد، وهو أن لدى السلطات القضائية اللبنانية ما يغطّي قرارها باستمرار احتجاز أشخاص لفترة غير محدودة بسبب نوع الجرم المشتبه في ضلوعهم فيه. وذلك استناداً إلى المادة 108 من قانون أصول المحكمات الجزائية التي تنص على أنه: «ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدتها سنة على الأقل، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين، يمكن تمديدها مدة مماثلة حداً أقصى في حالة الضرورة القصوى. وما خلا جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلّل. لقاضي التحقيق أن يقرر منع المدّعى عليه من السفر مدة لا تتجاوز شهرين في الجنحة، وسنة في الجناية من تاريخ إخلاء سبيله أو تركه».

وكذلك المادة 363 من القانون نفسه، تنص على: «يطبّق المحقق العدلي الأصول المتّبعة أمام قاضي التحقيق ما خلا منها مدة التوقيف المنصوص عليها في المادة 108».
وبالتالي، فإن هاتين المادتين لا تحددان مهلة لتوقيف المشتبه في تورطه بـ«جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل». وهو الأمر الذي استند إليه القضاء اللبناني والمحقق العدلي في قراره عدم إطلاق سراح الموقوفين في ملف اغتيال الحريري لمدة مفتوحة. وبناءً عليه ومن دون أي تعليل، لم يقبل هذا القضاء طلب إخلاء سبيل هؤلاء لنحو 4 سنوات.

لكن، هل استخدام هذه المواد يجري بصورة عشوائية، ومن دون الاستناد إلى وقائع من نوع مختلف عمّا جرى؟ أم أخذ المشرّع الذي أقرّ هذا القانون في الاعتبار بديهية أن يستند التوقيف ضمناً إلى أدلة وبراهين وشهادات يمكن أن تكون صلبة ومنطقية وقابلة للاستخدام في معرض تفسير خطوة التوقيف المفتوح، لا أن يصار إلى تجاهل الأمر كما حصل في حالة الضباط وبقية الموقوفين، لناحية عدم مقابلتهم بالأدلة أو الشهود، ما جعل تطبيق هذا القانون يحصل بصورة تعسّفية تدل على مخاطر أكبر من الخطأ الذي ترتكبه الضابطة العدلية في التوقيف نفسه؟

المسؤوليّة على عاتق من؟

في حديثه إلى الزميل عمر نشابة في «الأخبار»، السبت، شرح مسؤول في المحكمة أن القضية «تبدو قضية لبنانية داخلية، وقد يتبيّن أن لا علاقة لاعتقال الضباط في قضية اغتيال الحريري، لكن كان التحقيق فيها مناسبة لتصفية حسابات داخلية». هنا يقرّ المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، بأن ما حصل كان «مناسبة لتصفية حسابات داخلية»، وهو الأمر الذي يتذكر المعنيون أن عاملين كباراً في لجنة التحقيق من الذين خرجوا من عملهم أو لا يزالون فيه، كانوا قد أبلغوا وسطاء وقانونيين أن «ملف الموقوفين تشوبه مشاكل ناجمة عن الانقسام السياسي في لبنان». أما أحد المدافعين البارزين عن عمل الرئيس الأول للجنة التحقيق ديتليف ميليس فصار يبرر ـــــ في وقت لاحق على خروجه من العمل ـــــ عملية توقيف الضباط والآخرين بأنها «عمل تكتيكي يحتاج إليه التحقيق، وأنه كان يفترض بالسلطات اللبنانية أن تنهي الأمر في وقت لاحق».

ولذلك، فإن النقاش مع المحكمة وإدارتها يتصل بالخطوات الفعلية المتعلقة بهذا الأمر. ذلك أن قيام المدّعي العام دانيال بلمار بإعداد مطالعة يأخذ بها قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين وتقضي بإطلاق سراح الموقوفين، يمثّل في حدّيه الأدنى والأقصى، عملية تصحيح لخطأ أو لجريمة. وهذا يعني بالضبط عملية إلغاء نتائج سلبية ترتّبت على عمل قام به آخرون، من بينهم من كان في لجنة التحقيق الدولية أو في القضاء اللبناني أو في مكان ثالث.

لا براءة ذمّة

لكنّ هذه الخطوة من جانب بلمار وفرانسين، ليست كافية للقول إن المحكمة الدولية بما تمثّل من امتداد لعمل سياسي وقانوني بدأ مع لجنة التحقيق الدولية، قد حصلت على عملية إبراء ذمة، وبالتالي فإنها صارت تملك صدقية تتيح لها القيام بأي خطوة جديدة من دون مساءلة أو مراجعة أو اعتراض. وهذا هو البند


الأهمّ الآن بالنسبة إلى كثيرين لا يزالون يخشون محاولة جهات سياسية نافذة العمل من جديد على تركيب ملفات وأدلّة من خلال مساهمات تقوم بها جهات دولية، بينها جهات لبنانية، في التحقيقات الأساسية، إذ يصعب على فريق بلمار الادّعاء بأنه يملك الهوامش الكافية لكي ينجز تحقيقاً مستقلاً وأن تكون جميع دول العالم في خدمته، وخصوصاً أن المراحل السابقة أظهرت تمنّع دول عدة عن تقديم العون له.

وأكثر من ذلك، فإن فريق المحكمة الذي تابع الانقسام السياسي في لبنان بشأن عمل لجان التحقيق المحلية والدولية، كما بشأن آلية تسمية القضاة اللبنانيين في المحكمة، يعرف أن هناك اعتراضاً جدّياً على وجود القاضيين رالف رياشي وجوسلين ثابت في موقعيهما الحاليّين. وإذا كانت التصريحات الاعتراضية محصورة الآن في اللواء السيد، فإن كل من يتحدث عن وقوف جهات وتيارات خلف السيّد، يمكن أن يدرك حساسية هذا الأمر. أضف إلى ذلك التعيينات الأخيرة التي حصلت، والتي وظّفت كلّاً من القانوني دريد بشراوي والإعلامية وجد رمضان في موقعين في المحكمة. فما كتبه بشراوي من مقالات في السابق عن أعمال لجنة التحقيق يدل على انحياز فاضح، وهو على صلة وثيقة بفريق الادّعاء السياسي. كذلك فإنّ رمضان كانت موظفة في إحدى المؤسسات التابعة لفريق الادّعاء السياسي. وبالتالي، فإنّه ليس منطقيّاً أن تستخدم المحكمة حجّة أنّها لم تجد من يحمل المواصفات المهنيّة التي تطلبها سوى بشراوي ورمضان، حتى يُبرّر «التعيين السياسي لهما».


2009-12-07