ارشيف من :أخبار لبنانية

هل لدى "إسرائيل" القدرة على تنفيذ تهديداتها؟

هل لدى "إسرائيل" القدرة على تنفيذ تهديداتها؟

"الأخبار" - يحيى دبوق

أعربت مصادر عسكرية إسرائيلية قبل أيام ـــــ في معلومات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية ـــــ عن خشيتها من التداعيات السلبية لإقرار الحكومة اللبنانية في بيانها الوزاري البند المتعلق بسلاح المقاومة، ووصفت البيان بأنه خطوة سلبية جداً و«يمكّن حزب الله، ويعطيه الشرعية لمواصلة تعاظمه العسكري».
في موازاة ذلك، قالت مصادر عسكرية أخرى إن هناك «إيجابيات» في الخطوة اللبنانية، إذ أصبح من «حق» إسرائيل أن تردّ على لبنان كدولة، بمعنى استهداف البنية التحتية المدنية في لبنان إذا هاجم حزب الله إسرائيل. وبحسب هذه المصادر، فإن «الحكومة اللبنانية تقرّ من ناحية عملية بأنها مسؤولة عن أعمال حزب الله، بعد أن سمحت له بأن يحتفظ بسلاحه».

ترى إسرائيل أن إقرار بند سلاح المقاومة كما ورد في البيان الوزاري، يمنع عن حزب الله «إزعاجاً» في الساحة الداخلية اللبنانية، ما يمكّنه من مواصلة تعزيز قدراته العسكرية في بيئة مريحة نسبياً، ومن شأن ذلك أن يزيد من تهديد حزب الله لإسرائيل بوصفه قوة مانعة لها من تحقيق إرادتها في لبنان. وفي موازاة الشكوى، تسعى إسرائيل إلى تحويل هذا التهديد إلى فرصة، والتلويح بأنها ستستخدم ما لديها من قدرات لضرب الدولة اللبنانية وبناها التحتية، وتشدد على أن هذا «حق» لإسرائيل في أعقاب صدور البيان الوزاري وإقرار بند المقاومة، لعلّ ذلك يلقى آذاناً صاغية لدى اللبنانيين، أو جزء منهم.

بكلمات أخرى، تأمل إسرائيل من خلال ذلك أن تصل إلى إخافة اللبنانيين ودفعهم للضغط على حزب الله، لعله يرتدع أو يمتنع عن أيّ فعل «عدائي» تقدّر تل أبيب أنه سيقدم عليه إذا توافرت ظروفه، وخاصة أن لدى حزب الله حساباً جارياً ومفتوحاً مع الكيان الإسرائيلي، لم يقفل إلى الآن، وخاصة أن حزب الله قد تجاوز مجمل الاستحقاقات الداخلية في لبنان، التي ترى تل أبيب أنها عوامل أسهمت في كبحه في الفترة الماضية، وأشغلته عنها.

تحولت تهديدات إسرائيل للبنان ولبنيته التحتية، وتحديداً في العام الأخير، إلى نوع من اللازمة الكلامية لدى تناول أي مسؤول إسرائيلي للشأن اللبناني، وتحديداً للصراع مع حزب الله، باعتبار أن هذه التهديدات إحدى أو آخر الوسائل المتاحة لديها، في ظل فقدان خيارات أخرى، لمنع حزب الله من الإضرار بها. ومع قدر قليل من المجازفة، يمكن القول إن تهديدات إسرائيل الأخيرة لا تحمل أيّ جديد، ولا تشير إلى أيّ نيّات، وعلى الأرجح إنها لا تعني تغييراً في طبيعة الحرب المقبلة مع لبنان، كما تعد إسرائيل، قياساً على الحرب الماضية.

لكن هل يمكن تأكيد هذه النتيجة؟ المسألة مرتبطة بالتعرّف إلى خيارات إسرائيل الواقعية ضد لبنان، وما تملكه من قدرات فعلية تعتقد هي أنها كافية لمعالجة شبه حاسمة لتهديد حزب الله، بوصفه مقاومة وقدرة عسكرية. وبرغم عدم توافر أدوات معرفة كاملة لقدرات إسرائيل الفعلية، إلا أن القدر المتيقّن هو أنها عاجزة عن تحقيق ما تأمله في مواجهة حزب الله.

توضح دراسة تاريخ المواجهة بين إسرائيل والمقاومة أن هناك عنصرين ثابتين وعنصراً متحركاً، تحكم وتؤثر في أداء الجانبين. هناك عنصران كبيران من هذه العناصر، هما: أن طبيعة العلاقة هي طبيعة صراع وليست طبيعة نزاع، وخاصة لجهة حزب الله، الذي يبني صراعه مع إسرائيل على أسس يتعذّر عليه أن ينفلت منها، والعنصر الثاني هو أن كلاً من الجانبين يواصل استعداده وتوفير جهوزيته لمواجهة عسكرية أو أمنية ممكنة الوقوع في أي لحظة، مع توثّب لاستخدام أي فرصة متاحة للإضرار بالجانب الآخر، علماً بأن اتجاه حزب الله بعد أيار عام 2000، وتحديداً أكثر بعد تموز ـــــ آب 2006، اتجه نحو توفير جهوزية دفاعية لمواجهة اعتداءات إسرائيلية مقدّرة، وخاصة أن إسرائيل لا تخفي نيّاتها العدائية، وهذا ما تشير إليه تهديداتها المتكررة للبنان.

العنصر الثالث غير ثابت بطبيعته، لكنه أهم العناصر الثلاثة في ظل «الحرب الباردة» السائدة بين الجانبين، وهو إدراك كلّ جانب لقدرات الجانب الآخر والبيئة الخاصة المادية وغير المادية التي يتحرك فيها ومنها، إضافة إلى تقدير صحيح لردود فعله وفهم مزاج قادته وتوجهاتهم... وهي مجموعة من العناصر الفرعية المتشابكة التي قد تدفع أياً من الجانبين إلى الفعل أو عدم الفعل، العدائي أو غير العدائي، بناءً على فهم خاطئ أو صحيح للجانب الآخر.

لا تبعد تهديدات إسرائيل، وتكرارها بين الحين والآخر، أن تكون جزءاً من التوجهات الإسرائيلية التي تخدم هذا المنحى، أي إن المسؤولين الإسرائيليين يريدون التأكيد لحزب الله أنهم جادون وينوون بالفعل تنفيذ تهديداتهم، مع الأمل بأن تتشوّش لديه معطيات العنصر الثالث، المشار إليه أعلاه، كي ينكفئ عنها، علماً بأن إسرائيل تريد من هذه التهديدات أن تخيف اللبنانيين أيضاً، وبالتالي أن تجعل منهم رافعة ضغط إضافية على حزب الله.
لكنّ إفراط إسرائيل في إطلاق تهديداتها، إلى حدّ اعتياد الأذن عليها، أضرّ بالمسعى الإسرائيلي كثيراً، فلا أحد يهدّد أحداً ويُفهمه أنه يهدّده ويطلب منه أن يخاف ويرتعد منه، كما قال أحد الضباط الإسرائيليين أخيراً، بل عليه إفهامه أن التهديد مقرون بنيّة للتنفيذ الفعلي، وهذا ما لم تنجح فيه إسرائيل، رغم كل صراخها المتكرر.


2009-12-07