ارشيف من :أخبار لبنانية

إلى اتفاقية مناخية عادلة

إلى اتفاقية مناخية عادلة
الوطن السورية


تلتقي كل دول العالم بدءاً من اليوم حتى 18 الجاري في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن بهدف التفاوض حول الإطار السياسي لاتفاقية دولية تتناول الأوضاع المناخية في العالم. وعلى الرغم من وضوح هذه المهمة، إلا أنها ليست بالسهلة، وخاصةً في ظل الحاجة إلى اتفاقية مناخية طموحة وعادلة تضع أهدافاً راسخة للحد من انبعاثات الغازات السامة على المستوى العالمي.

وتأتي ضرورة أن تكون هذه الاتفاقية طموحة لحاجتنا إلى ضمان عدم ارتفاع درجات الحرارة في كوكبنا إلى مستويات خطيرة، لأن ترك هذا الأمر على حاله سيعود بنتائج خطيرة على تغير المناخ، وبالطريقة التي تنعكس سلباً على الأجيال القادمة. كما تأتي أهمية أن تتسم هذه الاتفاقية بعدالتها لأنه من الضروري أن تتسم أي اتفاقية تتناول هذا الجانب بقدرتها على منح الدول النامية فرصة النمو والحد من فقر شعوبها.

وعلى الرغم من اعتقاد البعض أن الأزمة المالية العالمية ستحد من القدرة على مواجهة مشكلة التغير المناخي، إلا أني على قناعة بأن ذلك غير صحيح. فالعالم لا يستطيع أن يتناسى هذه القضية، وخاصةً أن التعامل معها قد يكون مخرجاً من الأزمة المالية العالمية، وهذا ما قدمت الشركات الدنماركية، التي تعتمد في عملها على التقنيات الخضراء المتوافقة مع البيئة، مثالاً عليه. وتشير آخر الإحصائيات إلى أن نسبة تصدير الدنمارك لتقنية الطاقة ارتفعت بنسبة 19 بالمئة، الأمر الذي يشكل نحو أربعة أضعاف نسبة التصدير المعتادة. كما يظهر هذا الأمر أن الاعتماد على التقنية الخضراء المتوافقة مع البيئة يقدم حلاً يجب على قطاع الشركات العالمية أخذه بعين الاعتبار في الوقت الراهن وفي المستقبل.

اقتصاديات الدول النامية لها الحق في النمو

لا شك في أن الدول النامية لها الحق في تطوير اقتصادياتها، وخاصةً إذا ما عرفنا أن إجمالي سكان العالم سيصل في عام 2050 إلى تسعة مليارات نسمة، بينهم ثمانية مليارات في هذه الدول. وبالطبع، فمن الضروري للغاية حصول هذه الدول على نفس الموارد التي يتم الاعتماد عليها في الدول المتطورة، الأمر الذي يحتم علينا إيجاد طريقة أفضل لاستعمال مواردنا. وفي نفس الإطار، لم يعد في مقدورنا الاستمرار في تلويث عالمنا والإسراف في استهلاك الوقود بالطريقة التي نقوم بها في حالياً، وخاصةً أن هذا الأمر أثبت عدم فعاليته بحسب ما يؤكده العلماء. ويشير العلماء إلى أن الوقت قد حان للتعامل مع هذه القضايا، موضحين أن تكلفة الإجراءات الواجب اتخاذها مستقبلاً ستزداد بشكلٍ مطرد إذا لم نقم بشيء في الوقت الراهن. وباختصار فإن كلفة تأخير تنفيذ الخطوات اللازمة لمواجهة التغير المناخي ستستمر في الارتفاع بحسب تأخرنا في اتخاذ هذه الخطوات. وبذلك، نرى العمل في هذا المجال ليس خياراً، كما هو معتاد، وخاصةً أن النمو الوحيد الذي يمكن أن نتحمله هو النمو المتوافق مع البيئة.

ولا يعد الحد من انبعاثات الغازات السامة الأمر الوحيد الذي يجب التعامل معه لحماية المناخ والأجيال القادمة فحسب، بل يجب أيضاً التعامل مع أمن الطاقة والسياسة الخارجية. وهنا من الضروري الإشارة إلى أن الاعتماد على النفط والغاز الأجنبي ببساطة لا يعد حلاً في القرن الحادي والعشرين، سواءً للدول المتطورة أو الدول النامية. فنحن بحاجة لتأمين حل يدفع تطوير طاقة أكثر نظافة وتساعد على تخليصنا من التبعية لموارد الطاقة الأجنبية.

إن هناك الكثير من الفرص القادرة على جعلنا ننطلق نحو التقنية الخضراء المتوافقة مع البيئة، وهذا ما يمكن تطبيقه في الدول المنتجة للنفط، حيث تعد مدينة «مصدر» في دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً حقيقياً على الأعمال المتوافقة مع التقنيات المستدامة الخضراء. ومن المتوقع أن تصبح مدينة «مصدر» في السنوات القليلة المقبلة واحدة من المدن الرئيسية التي تتعامل مع التقنيات والطاقة المتجددة. وفي هذا الإطار، أعرب عن أملي في أن تسير الدول المنضمة لمنظمة الأوبك على هذا النهج. إن منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقية ستكونان من أكثر المناطق التي تتأثر بالتغير المناخي. وتؤكد لنا التقارير العلمية أننا سنواجه تصحراً واسع الانتشار، إضافة إلى نقص في مياه الشرب، كما سيشعر الإنسان العادي بمدى سرعة تغير المناخ في العالم. ولذلك، فإننا جميعاً بحاجة إلى إيجاد طرق تحد من انبعاثات الغازات السامة لإيقاف تغير المناخ، وهذا ما سيسعى مؤتمر المناخ، الذي يعقد في كوبنهاغن، للتطرق إليه.

وهنا، يجب الإشارة إلى أن ذلك لا يعني عدم تحقيق دول الشرق الأوسط أرباحاً من ٍإنتاج النفط. فحتى لو قمنا بالحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون لتصل النسبة إلى 450 جزيئاً في مليون جزيء، وهو ما يعتبره العلماء الحد اللازم، فإن العالم سيستمر في إنتاج 11 مليون برميل نفط إضافي بحلول عام 2030، الأمر الذي يعني أن صناعة النفط ستبقى واحدة من الصناعات الكبرى في العالم. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي الأرباح التي ستحققها دول منظمة أوبك في الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2030 سيصل إلى 23 تريليون دولار أميركي، الأمر الذي يشكل أربعة أضعاف ما تم تحقيقه من أرباح في السنوات الـ22 الماضية. وبذلك، نجد أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاقية عالمية في كوبنهاغن، فإن الدول المنضمة لمنظمة أوبك ستحقق ربحاً يصل إلى 400 بالمئة في السنوات المقبلة.

حان الوقت للانتقال من الجدل إلى التضحية

لم يعد سراً أن هناك فروقاً واضحة بين الدول المتطورة والنامية، لكن الوقت حان للانتقال من الجدل إلى التضحية. وفي إطار الجهود الأخيرة التي سيتم القيام بها قبل الوصول إلى اتفاقية في كوبنهاغن، فإنه سيتحتم علينا جميعاً تقدير الخطوات التي يقوم بها الآخرون، كما يجب علينا أيضاً القدوم إلى كوبنهاغن وفي جعبتنا تفويضات مرنة، بما يسمح لنا في الوصول إلى الاتفاقية التي يحتاجها العالم برمته.

وهنا، قد لا يكون في مقدورنا التعامل مع جميع مظاهر التغير المناخي في كوبنهاغن، لكن إذا ما تم التوافق على كل شيء، فإن المؤتمر سيدخل التاريخ باعتباره اللحظة التي توحد فيها قادة العالم لاتخاذ خطوة مهمة لإيقاف التغيرات المناخية الخطيرة والمدمرة، وبالطريقة التي عززت من فرص تحقيق النمو والازدهار. وبذلك نستطيع القول إننا نتملك فرصة ذهبية، علينا ألا نهدرها، للاعتماد على التقنيات المتوافقة مع البيئة.

2009-12-07