ارشيف من :أخبار لبنانية

نهج المقاومة ضرورة واقعية

نهج المقاومة ضرورة واقعية
د. عبد اللطيف عمران، البعث 


يؤكد الواقع الراهن استمرار التحديات التي تواجه الأمة العربية، والإسلامية، ومن هذا القبيل فقد رأت الأحزاب العربية، في مؤتمرها الخامس الذي عقد في دمشق 13/11/2009، وحضره مايزيد عن مئة حزب من تيارات قومية وإسلامية ويسارية، أن المقاومة برهنت على جدواها وواقعيتها كعامل أساسي تملكه الأمة لتحرير الأرض والإنسان، وأصبحت خيار الأمة المتجذّر، ما يتطلب حمايتها ودعمها.

ويزداد اليوم حضور المقاومة في واقعنا مع ازدياد قدرتها على التواصل مع جبهات عربية وعالمية، ما يدحض السعي لتكريس التطابق بين مفهومي «الإرهاب» و«المقاومة الوطنية» لنزع الشرعية عن المقاومة، ولتبرير الضغط عليها وإقصاء فعلها وتأثيرها، وتسويغ خوض الحروب ضدها، وتقويض روحها المعنوية.

ومع استمرار الاحتلال والعدوان، وعرقلة أسس السلام العادل والشامل، يبرز دور المقاومة في إحداث توازن معنوي بدأ يعزز الثقة بالنفس في الشارع العربي، ولاسيما بعد انتصارات المقاومة، وتزايد مصادر قلق المشروع الصهيوني في المنطقة، ما يؤكد أهمية التعامل مع الزمن في خيار السلام المطروح من قبل العرب، وكذلك أهمية نقد نتائج اتفاقات السلام الموقعة مع اسرائيل.

وسورية تنظر بعبرة الى الفشل التاريخي لنهج التفاوض مع الصهاينة، وقد أكد السيد الرئيس بشار الأسد أن «فشل المفاوضات بإعادة الحقوق يعني آلياً حلول المقاومة كبديل،... وأن مقاومة الاحتلال واجب وطني وأخلاقي، ومساندتها شرف نفاخر به،.. وأن الشرق الأوسط الجديد الذي نبنيه هو شرق أوسط جوهره المقاومة» وهذه الرؤية واسعة الانتشار في الشارع العربي، وتتعزز تلقائياً مع مرور الأيام، إذ صار واضحاً أهمية الاستفادة من خيار المقاومة في قوة الموقف العربي، وفي دعم المواقف العالمية المؤيدة لقضايانا.

ومن هذا القبيل جاءت الوثيقة التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في ختام المؤتمر العام الأخير للحزب في 29/11/2009 دليلاً ساطعاً على ترسيخ نهج المقاومة، وقوة حضور هذا النهج، وأصالته وموضوعيته.

وتمثل الوثيقة مستوى التطور في رؤية الحزب، وفي مسيرته واستراتيجيته بين الممارسة والنظرية، وهي، لاشك، تغير ملحوظ في أدبياته ومصطلحاته، مقارنةً مع وثيقة تأسيسه الأولى التي نشرت عام 1985 حين كان الحزب معارضاً للبيئة السياسية اللبنانية، ثم انخرط في الانتخابات النيابية، والبرلمانية، وفي الحكومة، ما فرض متغيرات أكثر حداثة ومسؤولية على نظريته بفعل نضج التجربة، وخلق تساؤلات حول المحتوى اليساري فيها، ولاسيما تجاه سياسات الغرب، والعولمة، والهيمنة والتفرد.

وقد تضمنت الوثيقة تعديلات على لغة الخطاب مع الجماهير، وعلى آليات التواصل معها، وبالرغم من أنها وثيقة سياسية أكثر منها عقائدية، إلاّ أنها جاءت منسجمة مع مواقف الحزب المرحلية والاستراتيجية، وخاطبت الجمهور الحزبي واللبناني والعربي والإسلامي بأسلوب مدروس بدقة، يختلف عن لغة الثمانينيات.

وهي نتاج فعل يؤكد النجاح في تحصين المقاومة في لبنان، وفي نشر ثقافتها على المستوى العربي، ما سيمنح الحزب حضوراً سياسياً أكبر على مستوى المنطقة والعالم، ويجعله أكثر قبولاً، ولاسيما حين نصّت على المواءمة بين المقاومة والديمقراطية التوافقية في لبنان، وعلى أن المقاومة اللبنانية ذات أبعاد عربية وإسلامية، وقوة فعل المقاومة مقترنة بالسعي الى الإصلاح والتغيير عبر الدستور. كما دعت الى وحدة الصف العربي. ما يشير الى نتائج إيجابية للوثيقة تتمثل في تعزيز نهج المقاومة والممانعة على المستوى العربي، وإلى تعزيز المنطلقات الفكرية والسياسية لحزب الله.

ومن المهم في الوثيقة التأكيد على التمسك بالعلاقات مع سورية لموقفها المتميز والصامد، ولدعمها للمقاومة، ولسعيها الى توحيد الجهود العربية. والمهم فيها كثير ولاسيما مانتج من أفكار تتصل بعجز سياسات الهيمنة والتفرد عن التحكم في مسار تطورات الأحداث، وبتأرجح السياسات الأوروبية بين العجز وقلة الفاعلية والالتحاق غير المبرر بالسياسات الأمريكية، والانطلاق من أن هذه السياسات التي تعمل على استقرار اسرائيل بمشروعها التفتيتي سيعزز حضور المقاومة، في زمن تعمل فيه الرأسمالية المتوحشة على بث التفرقة، وتدمير الهويات، وفرض أنواع خطرة من الاستلاب الحضاري والاقتصادي والاجتماعي.
 

لقد باتت المقاومة ضرورة واقعية.. تقودنا إليها حركة التطور التاريخية ومعطيات الصراع اليومية.. ومن سورية الى لبنان وفلسطين والعراق وحتى الى
أمريكا اللاتينية تتعرف الأجيال الجديدة الى صورتها من خلال النزول الى المواجهة الميدانية مع قوى الاحتلال والهيمنة والغطرسة.. وفيما يسترجع المد الوطني والقومي والإسلامي واليساري أنفاسه على طريق مشروع جديد للتقدم الاجتماعي والاستقلال الناجز.. تبدو الساحة السياسية العربية بأحزابها وقياداتها حاملاً خصباً وواعداً بانطلاقة قوية.. على هذه الأحزاب والتيارات أن تأخذها في حسابها، وأن تدرك كيف تتعامل معها بروح من المعاصرة والتجدد.

2009-12-08