ارشيف من :أخبار لبنانية

عنصرية سويسرا وصفعة السيد حسن

عنصرية سويسرا وصفعة السيد حسن

ميشال سبع

ما زالت في ذاكرة اللبنانيين الجملة التي تناقلها سياسيو اليمين اللبناني منذ الستينيات «لبنان سويسرا الشرق»، وما زالت الحلم الدائم لدى الكثيرين منهم.
اليوم تنكشف الصورة أكثر، فسويسرا منافسة لبنان في السرية المصرفية أظهرت مرضا أصوليا بدت أعراضه بشكل مرعب في الاستفتاء الذي أجري أخيراً فيها والذي أظهر أن الأكثرية من الشعب السويسري هو ضد المزيد من بناء المآذن أي المزيد من التمدد الإسلامي فيها. وهذا المنع يحاول بعض من المسيحيين ذوي النظر الأحادي مقارنته بمنع السعودية بناء كنائس فيها أو بعض الدول الإسلامية التي ترفض رفع قباب الأجراس استمراراً لقرارات عثمانية سابقة. لكن المقارنة السريعة والمتسرعة هذه تستدعي مقارنة شاملة قد لا تكون نتائجها لمصلحة المسيحيين في العالم عموما والشرق خصوصا.

فمن الناحية المبدئية، الإسلام بغالبيته هو ضد الأصولية السلبية فيه، وصورة الإسلام التي يمثلها بن لادن غير مقبولة ومرفوضة ومحاربته من الإسلاميين أنفسهم على امتداد العالم الإسلامي قبل المسيحي، كذلك فكل الفتاوى المبالغ فيها يهاجمها المسلمون قبل غيرهم، خصوصا تلك التي تعتدي على حرية المسلم فكيف بالغير المسلم.

كذلك من المبدئيات ايضا، أن المسيحية ما زالت تبشيرية رغم انحسار التبشير الاستعماري فيها، لكن الإسلام غير تبشيري بل هو جهادي وقد انتهى عهد الجهاد والفتح منذ القرون الوسطى. لذا فالإسلام كدين لا يطال المسيحيين في حين أن البعثات الإنجيلية المقنعة ما زالت تحاول أن تؤثر من خلال مدارسها وإرسالياتها على بعض المسلمين على الأقل.

أما من ناحية الأصولية السلبية في كل من الديانتين، فالأصولية الإسلامية السلبية مكشوفة ومحاربة في الدول الإسلامية نفسها، أما الأصولية المسيحية السلبية فهي مقنعة وهي وحتى وإن انكشفت محمية تحت حجة الحرية والديموقراطية وبعض الطوائف ـ البدع ـ تمارس نشاطاتها بحرية وهي تؤذي المسيحيين أكثر بكثير مما تؤذيها أية تجمعات أو طوائف ـ بدع ـ غير مسيحية. ولم يسمع حتى الآن أي قرار صادر من دولة مسيحية ما تمنع هذه البدع المسيحية من إقامة كنائسها أو رفع شعاراتها أو حتى ممارساتها التي قد تكون ضد مبدأ حقوق الإنسان بحسب الوثيقة العالمية ـ طفل ينتمي أهله لطائفة مسيحية ـ بدعة ـ احتاج الى دم أثناء إجراء عملية جراحية، ولم يتوافر أحد من طائفته لإعطائه الدم، رفض أهله أي دم خارج عنهم ومات الطفل، ولم تتحرك أية مؤسسة ولا الحق العام ضد هذا التصرف غير الإنساني في أوروبا نفسها ـ.

أما التماثل في مفهوم الديموقراطية فهو يثير العجب، هل أصبحت الديموقراطية في سويسرا عددياً مقبولة وغير مقبولة في الجزائر في الثمانينيات عندما اختارت الأكثرية حكماً إسلامياً استدعى تدخلاً فرنسياً سافراً لإلغائها؟ وعلى ماذا يقوم المسيحيون في لبنان ضد إلغاء الطائفية السياسية ما دام الحكم يجب أن يكون للأكثرية؟ وعلى ماذا تقوم قيامة الأوروبيين ضد مسلمي مصر لأنهم لا يسمحون ببناء كنائس جديدة للأقباط؟ والمهم أكثر هو، هل يقبل السويسريون أن يقولوا: نحن نتعامل مع المسلمين العين بالعين والسن بالسن؟ عندها لماذا يحاولون هم قبل غيرهم وضع شرعة حقوق الإنسان كمثال وهي نسخة غربية من مفهوم الحقوق الإنسانية المسيحية ولا يقبلون بوضع شرعة حقوق الإنسان المسلمة كمثال، والتي يعتبرها السويسريون قبل غيرهم انها غير صالحة للحقوق الإنسانية، خصوصا بما يختص بالمرأة. وثالثاً، لم تقل أية دولة مسلمة إنها المثال المرجو والمحتذى، لكن سويسرا تفعل ذلك، فهل اذا قال المسلمون غداً، سنطبق ما فعلته سويسرا، فماذا سيكون وضع المسيحيين في الشرق؟ واذا كان البطاركة الكاثوليك تحديداً ما انفكوا يدرسون ويقيمون المؤتمرات للحفاظ على مسيحيي الشرق فما هو موقفهم اليوم من ردات فعل مشابهة ومماثلة في بلادهم تجاه أبنائهم؟

أوليست إشارة السيد حسن نصر الله في وثيقة (حزب الله) الأخيرة هي صفعة لهذا التصرف السويسري الأكثر تحضراً في العالم عندما يقول في الفقرة السادسة ما حرفيته «إن تخويف الأقليات وترهيبها والنزف المسيحي المستمر من المشرق العربي، وخصوصا من فلسطين والعراق فضلا عن لبنان، يهدد تماسك مجتمعاتنا ويقلل من منعتها ويضاعف من عوائق نهضتها وتطورها». هذه الإشارة تدل على وعي متقدم وحضاري يتقدم بأشواط على المفهوم السويسري الناتج من الاستفتاء، لان انسحاب المسلمين من سويسرا وأوروبا يعني إغلاق الأبواب والأسواق الإسلامية أمام الغرب، فهل يتحمل الغرب هذه النتائج؟ واذا كانت التهديدات الأميركية الناتجة من هلع كبير اذا ما أغلقت إيران (مضيق هرمز) فمنعت عنها البترول فكيف إذا أغلقت الأسواق وانقطعت الاتصالات؟

لب القضية يكمن في الرؤية العامة لمصالح الدول ولمفهوم الديانات أيضا. فمصالح الدول لا تقوم على ردات فعل أو مخاوف بل على وقائع وأرقام، وأوروبا تدرك وعلى رأسها سويسرا أن تعزيز الإسلام المعتدل ـ وهو بغالبيته كذلك ـ هو السبيل الأسلم لتعزيز الأنسنة والعولمة المؤنسنة، وهي في تصرفها الأخير عززت مواقع الإسلام المتطرف لأنها أظهرت تطرفها، وهي بالتالي لم توجه ضربة ضد الإسلام من طرفها فقط بل وجهت ضربة لكل المسلمين من خلال تأجيج حجج المتطرفين فيه ضد الغالبية المسلمة.

كذلك نقلت المشكلة من مواقف الدولة الى علاقات الشعوب، فالشعوب المسلمة اليوم ستكره الشعب السويسري لأنه وقف ضد وجودها وإيمانياتها فهل تضمن الحكومة السويسرية أمن أي مواطن سويسري سائحا أو عاملا أو مستثمرا في بلاد المسلمين؟ ولاحقا اذا جاراها الهولنديون أو الأوروبيون عموماً!
أما في مفهوم الديانات، فأين المفهوم المتقدم للمسيحية الذي يعتبر نفسه الأكثر انفتاحا وتسامحا وقبولا للآخرين؟ وقد فعل حسنا الأساقفة السويسريون عندما انتقدوا علنا هذا الموقف حيث بيّنوا أن اليمين المسيحي في سويسرا لا يعني إطلاقا انه موقف الكنيسة، وان اليمين يستغل اسم المسيحية وهو ليس ابن المسيحية بشيء تماما كما فعل المسلمون المتطرفون والإسلام منهم براء.

ان الباسم في سره والرابح في حساباته من كل هذه العملية هو اللوبي الإسرائيلي الصهيوني، وهذا الموقف السويسري يمكن أن يندرج في سياق الاستراتيجية الدفاعية الصهيونية العالمية ضد الإسلام. وعلى الاستراتيجية المسيحية الدفاعية في كل العالم أن تجابهه وبالأخص من الضروري بمكان أن يتداعى الأساقفة المسيحيون وبطاركتهم في كل أنحاء البلاد العربية والإسلامية لعقد مؤتمر يشجب ما ذهب إليه اليمين السويسري وان يضعوا استراتيجية دفاعية مسيحية تظهر أن المسيحية براء مما ذهبوا إليه وأن حرية المعتقد ليست حرية سياسية بل حرية طبيعية، تتقدم على السياسة وتتجاوزها، وهذا ليس خياراً لهم بل ضرورة ملحة.


2009-12-10