ارشيف من :أخبار لبنانية

بانوراما اليوم: حكومة الإنماء والتطوير تنطلق رسمياً بعد حصدها ثقة المجلس النيابي بنسبة 94%

بانوراما اليوم: حكومة الإنماء والتطوير تنطلق رسمياً بعد حصدها ثقة المجلس النيابي بنسبة 94%

لطيفة الحسيني


كما كان متوقعا، ثقة عمياء بنسبة 94% نالتها حكومة الانماء والتطوير برئاسة سعد الحريري بعد مناقشات مطوّلة شهدتها جلسات مجلس النواب على مدى ثلاثة أيام، وفي حين سجّل تحفظ من النائب نقولا فتوش وامتناع من النائب عماد الحوت عن منح الحكومة الثقة، بدا أن ما برز من ملاحظات خلال الجلسات وخاصة فيما يتعلّق بالبند السادس من البيان الوزاري، لم تؤثّر الا ظاهريا على سير المناقشات، فبقي سلاح المقاومة مشرّعاً عبر البيان الوزاري، وطبعت التسويات المحلية السياسية مشهد المرحلة المقبلة من الحكم.

على أن الثقة الممنوحة أمس للحكومة أعطت الضوء الاخضر للمجلس الوزاري الجديد بانطلاق ورشة العمل والانماء والتطوير والحكم رسميا. وبالعودة الى مجريات الجلسة المسائية الختامية للبرلمان، اعتبرت صحيفة السفير في افتتاحيتها أن حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى نالت، ليل أمس، ثقة غير مسبوقة في تاريخ حكومات ما بعد الطائف، بما فيها الحكومات الأربع التي شكّلها والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتجد نفسها، وللمرة الأولى منذ العام 2005، على أوتوستراد توافقي لبناني مفتوح على أوتوستراد توافقي سعودي ـ سوري، ما يجعلها أمام فرصة جدية للإنجاز، اذا أحسنت التقاط الفرصة، ولامست هموم اللبنانيين المتشوقين إلى عودة النبض إلى المؤسسات، حتى تلتقط صرخاتهم وأوجاعهم... وما أكثرها في هذه الأيام.

وأشارت "السفير" الى أنه كان يمكن للحكومة أن ترفع أرقام الثقة الى 124 نائبا لو حضر ثلاثة من النواب المعارضين الذين تغيبوا عن الجلسة، اثنان بداعي السفر (نبيل نقولا وحسن فضل الله)، وثالث لم يفسر سبب غيابه (طلال ارسلان)، وكان يمكن أن تصل الى 126 لو لم يغب النائب "المستقبلي" هاشم علم الدين بداعي المرض، والنائب دوري شمعون الذي التبس موقفه من الحكومة وعلى الأرجح سيظل كذلك حتى نهاية الولاية النيابية.

وأضافت الصحيفة أنه بعد ستة أشهر على انتهاء الانتخابات النيابية، وبعد أكثر من خمسة أشهر ونصف الشهر، على "التكليف الأول"، ولدت حكومة الحريري الثلاثينية، بتوازناتها الدقيقة وتفاهماتها العلنية وربما الخفية، وأمام رئيسها، برنامج حافل، أولويته، تطبيع العلاقة بينه وبين القيادة السورية، وهي مهمة عاجلة على ما يبدو، وربما لن تمر ايام قليلة جدا، إلا ويراه اللبنانيون، على أرض مطار دمشق، آتيا إليه إما من بيروت مباشرة أو من الرياض، من دون استبعاد أن يسبقه اليها رئيس مجلس النواب نبيه بري كما تردد اعلاميا، وأن يلحق به رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط.

أكثر من ست وعشرين ساعة (1560 دقيقة) احتل خلالها 66 نائبا، المنبر النيابي، ومعه الشاشات الصغيرة، على مدى ست جلسات نهارية ومسائية، أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس... وصال كل هؤلاء وجالوا في ملعب الصياغات، العادي منها أو الاستثنائي على قلته، لكن رئيس الحكومة الضامن ثقة سياسية محلية وعربية ودولية، اختصر في رده، ولو أنه بدا لوهلة معينة، أن من سبقه مباشرة، كاد أن يتصرف وكأنه يتحدث ويرد باسم رئاسة الحكومة، غير مدرك أنها آلت فعلا لسعد الحريري، وأن فؤاد السنيورة قد صار عضوا في نادي رؤساء الحكومات السابقين... حتى إشعار آخر.

ظل النقاش في اليوم الثالث متمحورا كما في اليوم الأول، حول "بند البنود الوزارية"، وهو البند السادس (المقاومة)، وفي الوقت نفسه، لم تتغير "الموسيقى التصويرية" التي رافقت جلسة الثقة الثلاثية، وهي من صنع الملحن الرئيس نبيه بري وعنوانها "طرح تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية"، على حدّ تعبير "السفير".

صحيفة النهار من جهتها لفتت الى أن هذه الثقة القياسية جاءت لتطلق صفحة تجربة سلطوية فريدة حظيت فيها الحكومة بدعم شبه اجماعي من المجلس بكتله الاساسية والقوى السياسية في البلاد بعد ثلاثة ايام من المناقشة للبيان الوزاري التي تناوب على الكلام خلال ست جلسات فيها 66 نائبا، استعاد معظمهم اجواء الخلافات والانقسامات على مسائل سياسية اساسية. وبذلك عكست الثقة الضخمة التي نالتها الحكومة الطابع "الافقي" للتسوية السياسية لتترك الحكومة في مهب التجربة العملية والمقاربات اليومية في تنفيذ ما التزمته في بيانها الوزاري. وهو واقع نادرا ما واجهته حكومة حتى تلك التي انبثقت من اتفاق الدوحة، والتي كرست للمرة الاولى قوة التعطيل للمعارضة داخل الحكم. غير ان العامل اللافت الذي برز بعد ايام المناقشات الثلاثة، والتي كان اليوم الثالث اكثرها اثارة للاحتدام السياسي، تمثل في "القوة الفائقة" للتسوية السياسية التي كفلت للحكومة هذه الثقة القياسية برغم التحفظات والاعتراضات والانقسامات حيال البند السادس من البيان الوزاري المتعلق بالمقاومة، والذي كان "نجم" الجلسات من دون منازع طوال 26 ساعة هي مجموع مدة المناقشات.

بدورها، رأت صحيفة اللواء في افتتاحيتها أنه طوي أمر المناقشات التي اخذت مداها في الايام الثلاثة الماضية، والتي دامت 26 ساعة، بمنح حكومة الرئيس رفيق الحريري الاولى ثقة غير مسبوقة في تاريخ الحكومات في لبنان، لا قبل الطائف ولا بعده، اذ صوت 122 نائباً من اصل 124 نائباً حضروا الجلسة، وغاب اربعة نواب يشكلون المجلس الحالي المؤلف من 128 نائباً، بما يشبه الاجماع السياسي على حكومة "الانماء والتطوير"، متجاوزة "أدران" ما طفا على سطح المناقشات، لا سيما في ما يتعلق بالمقاومة وسلاحها والعلاقة مع سوريا والغاء الطائفية السياسية.

واذا كان اليوم يوم آخر في الحياة السياسية اللبنانية، فإن الرئيس الحريري الذي خرج قوياً بثقة تاريخية من مجلس النواب، نبه الى ضرورة احترام الثقة والوفاق، معلناً انه "اذا تحولت الحكومة الى حكومة خلافات وطنية او حكومة متاريس طائفية ومذهبية سيكون اول من يطرح الثقة بنفسه بها".

وفيما يشبه الرد على ما اثاره بعض النواب في الاكثرية، ولا سيما المسيحيين منهم حول البند السادس في البيان، حول الرئيس الحريري الانظار الى ان الاساس في هذا البند هو الجيش اللبناني الذي هو المسؤول الاول عن مواجهة تهديدات اسرائيل والدفاع عن الحقوق الوطنية، مؤكداً ان هذا البند لا يشطب دور الدولة ومؤسساتها العسكرية، ولا يصح التشكيك بقدرة الجيش على المواجهة والدفاع.

أما صحيفة الاخبار، فرصدت التفاصيل والتحركات التي شهدتها جلسة البرلمان أمس، وفي هذا السياق قالت: تغيّرت ملامح الرئيس سعد الحريري بسرعة: اشتدّ التقارب بين حاجبيه، عضّت أسنانه شفته السفلى، وصارت عيناه تدوران في المكان بقلق. وبدا واضحاً أنه يعجز عن التحكم في رجله التي كانت تهتز بقوة. بدايةً كان يطرق بإصبعه بنعومة على الطاولة متمتماً كلمات مبهمة. ثم تراجع إلى الخلف وكتّف ذراعيه مرجعاً رأسه إلى الوراء ليتأمّل قبّة البرلمان. ولاحقاً أرجع ظهره إلى الخلف ورمى يديه عن جانبيه، ناظراً باستخفاف إلى النائب نقولا فتوش.

حاول نواب المستقبل استدراك الأمر قليلاً: تحرك النائب هادي حبيش من مقاعد النواب الخلفية باتجاه زعيم الأكثرية، عارضاً خدماته، ثم اقترب النائب عاصم عراجي ليسأل بدوره عن المطلوب، وبعدهما تحرك النائب عمار حوري من قرب الرئيس فؤاد السنيورة ليسلّم الحريري ورقة صغيرة.

فتوش ـ المتحدث الرابع عشر في جلسة أمس ـ كان نجم الجلسة في حبس أنفاس القاعة، وقد لاقاه توتر الحريري في منتصف الطريق، فصارت طقطقات حبّات المسابح في أيادي النواب ثقيلة، كأنها رصاصات ابتهاج من جهة، ورصاصات غضب من جهة أخرى. طقّات المسابح شجعت فتّوش على المزيد من "الشماتة" بالأكثرية، مردّداً أن لأخوته "في 14 آذار أنياباً أقسى من أنياب الذئاب"، مستشهداً بقول الإمام علي إن "الوفاء لأهل الغدر، غدر عند الله"، ومتوقفاً عند قول مكيافيللي: "عليك أن تقتل من جاء بك إلى الحكم لأنهم يعرفون حقيقة ما أنت عليه".

وتضيف "الاخبار" أنه فيما كان فتوش يُشعِر، دخل نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري متبسّماً، فلاقاه الحريري في عبوس، ومدّ مكاري يده للنائبة ستريدا جعجع فلم تكترث له الأخيرة المشغولة بالفتّوش وهو يتّهم قيادات 14 آذار "بالغدر وقتل صانعي الأكثرية والاعتداء على زحلة والإغارة على غالبية مقاعدها بالخدعة"، قبل أن يصف النائب سيرج طورسركيسيان بالمهرّج، معلناً حجبه الثقة عن "حكومة لن تستطيع إخماد الحرائق الناشبة بين المتخاصمين في مجلسها".

فور إنهاء فتوش كلمته، أشار الحريري لنواب كتلته بأن يصفقوا. فنفّذ هؤلاء الأمر بسرعة، وتفاعلت معهم (أو مع فتوش) النائبة جيلبرت زوين، فصفقت بدورها. وبعد سجال صغير مع النائب بطرس حرب، سار فتوش باتجاه موقعه الجديد المفترض، فعانق نواب الحزب السوري القومي الاجتماعي ونواب حزب الله، واجداً لنفسه كرسيّاً بين هؤلاء. أما الحريري، فسارع إلى مغادرة القاعة ليلقاه في الخارج النائب بدر ونوس فاتحاً له علبة "السيغاريلو" ليأخذ منها واحداً ويتجه بسرعة إلى مكتب رئيس المجلس، بحسب ما جاء في صحيفة الاخبار.



2009-12-11