ارشيف من :أخبار لبنانية
أخطـاء أميركيـة كثيـرة ودروس رئاسيـة مفيـدة
جو معكرون، السفير
حين دخل أمين الجميل المكتب البيضاوي رئيساً قبل 27 عاماً، حصل الاحتكاك الاميركي الاول مع خطوط التماس اللبنانية. تراءى حينها لادارة رونالد ريغان ان لبنان المختلف عما هو عليه آنذاك قادر على التغلب على نفسه وعلى الآخر، فرض الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل، وقادر على تغيير قواعد اللعبة مع سوريا ضمن حسابات الحرب الباردة.
اوحى امين الجميل لواشنطن ان لبنان حاجة استراتيجية تفادت استغلالها ووعد بتحقيق تعهدات انتهى مفعولها مع انهيار سلطته في بيروت. دروس ريغان في لبنان كانت قاسية. ارسال دوايت ايزنهاور 14,000 جندي الى شواطئ لبنان لوقف الامتداد الشيوعي في المنطقة وتهدئة الاضطراب الداخلي لا يعني نجاح التجربة مع أمين الجميل. لبنان عام 1983 ليس لبنان عام 1958. والنقطة الأهم ان ادارة ايزنهاور اقنعت بعدها كميل شمعون بالتنحي، وكرست وصول فؤاد شهاب الى الرئاسة، اي غايتها كانت تفادي سقوط نظام حليف وليس التأثير على المعادلة المحلية. أدرك الاميركيون بعد ريغان خطورة التورط في وحول لبنان، وبدأت فكرة ربطه بعملية السلام في الشرق الاوسط لإبعاده عن تعريض نفسه والآخرين للأذى.
لكن واشنطن وجدت لنفسها سبيلاً في لعب دور سياسي مؤثر بعد عام 2005 بدون الحاجة الى قوات عسكرية على الارض تعرضها لتكبد الخسائر، كما اغتنمت الفرصة الاقليمية لتعيد تسليط الضوء على اولوية حماية الحدود الاسرائيلية على حساب تهدئة الوضع اللبناني الداخلي، في لحظة حرجة من نضوج تجربة «الحركة الاستقلالية»، ما أدى الى تكريس التورط الاقليمي الذي حول لبنان منذ عام 2003 الى ساحة تصفية حسابات بعتاد او بتطوع محلي. التحول مع جورج بوش كان ربط السياسة الاميركية حيال سوريا بطبيعة دورها في لبنان، لكن ادارته كررت خطأ الدخول في التفاصيل اللبنانية، وتناست ان النفوذ الاميركي في بيروت يبقى محدوداً ونسبياً، لأن اميركا لن تلعب كل اوراقها لحماية حلفائها في نظام معقد تحكمه الديمغرافيا، لا سيما مع قوات اميركية في العراق، تحد من هامش المناورة الاميركية في المنطقة.
ادارة باراك اوباما لا تريد مواصلة المواجهة الاميركية مع سوريا في بيروت، لأن لديها جدول اعمال إقليمياً يتجاوز التعقيدات اللبنانية، وربط لبنان بمصير عملية السلام يبدو صعباً مع وصول المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الى حائط مسدود. اذا، لا اوباما في وارد فرض امر واقع ما على ميشال سليمان، كما فعل ريغان مع الجميل، ولا الرئيس اللبناني راغب او قادر على لعب هذا الدور. تعلم ميشال سليمان من درس فؤاد شهاب كثيرا. يزور دمشق وواشنطن بعد تشكيل الحكومة لحماية رئاسته والإجماع الداخلي حولها. حلفاء سوريا والولايات المتحدة يشككون بتوقيت الزيارة الى العاصمة الاميركية ومضمون جدول اعمالها في محاولة استباقية لاستيعابه، او منعه عن التحول او دفعه الى سياسة اخرى. الصيغة الاميركية لحماية الحدود الشمالية لاسرائيل كانت تتبدل بحسب طبيعة الدور الاميركي في المنطقة، من 17 ايار مرورا بتفاهم نيسان وصولا الى القرار 1701، كلها كانت نتيجة ظروف إقليمية معينة. المسألة الرئيسية عند الجانب اللبناني، ولو كانت «بمنازل كثيرة»، هي إقناع الجانب الاميركي، او حتى إبلاغه على الأقل ان فكرة تحرير لبنان من السياسة الاميركية حيال اسرائيل يوازي في مكان ما ضرورة ربط لبنان بالسياسة الاميركية حيال سوريا.
هناك حشرية فكرية في المقارنة بين زيارتي الرئيسين في مسافة زمنية فاصلة تغير فيها الكثير في الجمهورية ودستورها وميزان القوى فيها، في المقارنة بين رئيس يدير ازمة نظام بدون صلاحيات، ورئيس كان جزءا من أزمة النظام مع صلاحيات لا يسمح واقع الامر الواقع بتنفيذها. جدلية الجميل كانت الاتكالية على طرف خارجي واحد ورطه في دور يتجاوز حجمه وقصة سليمان إدمان على الاجماع الممل هو ضرورة لوظيفته الرئاسية. اذا كانت عناوين سليمان في لقاء الـ45 دقيقة مع اوباما اليوم تقتصر على منع التوطين وتسليح الجيش والقرار 1701 والتمسك بالحوار الوطني حول سلاح حزب الله، ولو بلغة دبلوماسية خشبية، يكون افضل من الفراغ الذي تركه، كل من امين الجميل والياس الهرواي مع مغادرتهما العاصمة الاميركية، بانتظار ان يبلور النظام اللبناني سياسة تحمي ضرورات التنوع المحلي من التهديدات الخارجية اياً كان مصدرها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018