ارشيف من :أخبار لبنانية

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور
حي التنك في الميناء غارق في اللامبالاة و"الغرباء" مقابر للاحياء والاموات

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور
"حي التنك"
محمد عباس
الحديث والصور هنا لا تتناول أحزمة البؤس في "ريو ديجانيرو" او حارة من حارات الصفيح في "بوبماي" الهندية, او مقبرة من مقابر القاهرة القديمة حيث يختلط الحي بالميت, انما الكلام هنا عن احدى مدن لبنان الذي كان يكنى سابقا بسويسرا الشرق ولؤلؤة العالم العربي، لكن يبدو ان هذه الجوهرة لا تشع الا في ناحية وبقعة صغيرة منه وباقي ما تبقى من مدن لبنان بات في طي النسيان وعلى سجل الاهمال.
"حي التنك"... مآس تختبئ بين طيات الصفيح
شاء القدر ان ينزل الغيم خيراته الشتوية خلال تجولنا في "حي التنك" المجاور لشاطئ الميناء الطرابلسي لنكون من الشاهدين على معاناة جمع من العائلات التي اعيتها المشاكل الاجتماعية والمادية والقانونية.
فالحي القابع على اطراف مدينة الميناء الساحلية المجاورة لطرابلس هو قانونيا وعقاريا ملك لعائلات طرابلس الغنية كآل الفتال وغيرها, هاجر اليه ابان الاحداث الاهلية مجموعة من العوائل الميناوية والسورية والفلسطينية, فبنوا أواخر الستينات بيوتا من "الصفيح" و"التنك" و"التوتيا" في أرض مشاع للدولة، ونما الحي يوما بعد يوم وسنة بعد أخرى حتى بات اليوم يضم اكثر من 350 عائلة و2500 فرد بينهم نحو 400 سوري لم يستحصلوا على الجنسية اللبنانية، فبدل مر العيش عاشوا الامرّين، مُر الغربة ومُر التشرد عن الوطن، وفي المنطقة مسجد وحيد " مسجد الامام علي (ع) " ولا وجود للمستوصفات او العيادات الطبية، والطبابة تتم عى حساب الميسورين وفاعلي الخير.

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور
.. في المستنقعات

ابو محمد مشرف صاحب احد محال السمانة او لنقل احدى زوايا السمانة، الذي يعيل 6 اولاد، يقول عن الوضع انه جدُّ مزرٍ، فالاحوال المعيشية صعبة والمدخول لا يكاد يكفي لسداد قوت العائلة اليومي، والشكوى برأيه لغير الله مذلة, ففعاليات وهيئات البلد لا تكترث لحالنا، والبعض يمن بقليل من صناديق الاعاشة التي تصمد في "نملية" المنزل ليومين، وباقي ايام الشهر تنقضي بحول الله ورحمته، ولولا الله لا أمل لنا في العيش.
في ناحية اخرى من المنطقة حيث الوضع اكثر مأساوية، المستنقعات هي الطابع العام وتلال القمامة تحتل الحيز الاكبر من المساحات، هناك تجد فتاة تناهز السابعة من العمرعائدة من مدرستها بحذائها المهلهل وثيابها المرقعة فلا ألبسة تقيها البرد ولا وسيلة نقل تبعد عنها هم السباحة في مستنقعات الوحل, تلهو بمحفظتها داخل سيارة خردة صغيرة فتسألها عن احلامها فتقول" أود لو اذهب الى احد مطاعم طرابلس حيث ألعاب الاطفال متوفرة لي ولاخوتي"، لكن الحلم يبدو صعب المنال فالفقر الذي شاء أمير المؤمنين(ع) قتله ما زال يفتك بالاسر هناك.
تتوغل اكثر داخل مخيم الصفيح فيطالعك ابو زياد يكش جوز حمام في هواية باتت وسيلته الوحيدة للتسلية، وابو زياد هو ذاك السوري الذي حرم الجنسية اللبنانية واستوطن الحي منذ 35 سنة, تكالبت الدنيا عليه فآثر العيش في غرفة بطول مترين تضمه وعائلته المكونة من 12 فردا يحاولون تدبر امر شتائهم بتدعيم السقف بخرق بالية وستائر النيلون, تستضيفك العائلة بطيب خاطر وبفنجان قهوة مرة كحال الدنيا التي اعتادوها, تجد ام زياد فيك الملاذ لايصال صوت بحّ من كثرة المطالبة فتقول انها وابناءها يتناوبون كل ليلة على حراسة السقف ليس لصد الغزاة القادمين للاحتلال، انما العائلة لها جهادها المتواصل مع سقف الدار" النيلوني" الذي يشرف على السقوط بمياهه على اهل الدار النيام... ابناء ابو زياد يعملون في جمع الخردة والقمامة لبيعها، فهم لم يعرفوا للمدرسة معنى فاستبدلوا شنط الدراسة بأكياس تحتوي زجاجات العصير الفارغة وغيرها من المهملات, احلام ام زياد البسيطة هي شر ما يضحك وشر ما يبكي، فهي بعيدة عن جدل اسعار المازوت والبنزين انما همها ان يتم تخفيض سعر الشمعة التي تنير بها غرفتها!!
البلدية هي اسبوعيا وللانصاف تبشر الاهالي بضرورة اخلاء الحي والرحيل الى الشارع، وآخر "الكبسات" كانت منذ أسبوعين، ـ عرضوا علينا 2000 دولار تقول احدى السيدات ـ فماذا يفعل هذا المبلغ، انه لا يكاد يكفي لأجرة "بيك آب" لنقل الأثاث!!

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور
البراد والغسالة في الهواء الطلق

آخر هذه الكبسات جوبهت بحرق الدواليب والتظاهر من قبل رجال الحي وبالعويل والصراخ من النسوة الخائفة من المبيت خارج الديار اي في الشارع.
اينما تجول هنالك فالوضع واحد، برك من المياه تعيقك عن المسير وابواب منازل مشرعة الا للفقر، والقليل من اكياس الخضار التي يأتي بها ارباب العائلات، فاللحم في مطابخهم نادر الا في اعاشات الاعياد، والكفاف قناعة لدى الجميع بعد ان سدت رحمة النواب بوجههم، فبدونا وكأننا غرباء عن صناديق الاقتراع وعن سجل الميناء، الا في الاستحقاقات الانتخابية، ويقاطعك الاهالي بالقول ان حكمة الزعماء معهم كحال فيروز في اغانيها ... " زوروني كل انتخابات مرة "...
اما البلدية وفي اتصال هاتفي قصير معها فنفت الاهمال وبشرت بالنظافة والرقي، وهنا نسأل بأي قاموس تصنف مستنقعات المياه الآسنة رقياً، وبأي توصيف تسمى جبال القمامة نظافة، وبأي ضمير يكنى بيت الصفيح تحضرا؟؟!!

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور

الغرباء... مقبرة دفنت الجميع الا الفقر

في الغرباء الحياة بيومها وليلها باتت جلها اضغاث احلام موحشة لا تنتهي، فالخوف والفقر والعوز باتت اشباحا تجول في خاطر السكان، فالبيوت الحجرية المتناثرة بين القبور تكاد تروي لك حيطانها الحجرية الطينية عن ذل عيش وفقر مدقع طال مكوثه...
مقبرة الغرباء الواقعة على المدخل الشمالي لمدينة طرابلس سميت كذلك تيمنا باحيائها وامواتها "الغرباء" عن المدينة واهلها، عوائل من مشمش وفنيدق العكارية وسير الضنية نزحت الى هنا على امل في التجارة المربحة الا ان الحال بقي على حاله, اناس مهنتهم لم القمامة وبيع الخضار في سوق ابو علي المجاور للمدافن.
مثلهم كمثل اهل حي التنك بشّر اهالي الغرباء بمساكن جديدة نظيفة ولكن "على الوعد يا كمون"...

خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور

محمد أحد شباب المنطقة العاطلين من العمل تسأله من مهنته فيقول "ابحث عن عمل 6 ايام في الاسبوع وارتاح في السابع"، وهنا تقاطعك ام عبد الله التي لها 5 اولاد تلملمهم "مغربيا" من ارجاء المقبرة فتقول: يتحدثون عن الترحيل ولكن الى اين ؟؟ الى الشارع ؟؟ او الى الضيع التي لا نملك فيها لا ارضا ولا منازل ولا اقارب؟؟ نريد حلا يحفظ كرامتنا ويصون أعراضنا، لسنا ارهابيين لكي ينشر الامن تحرّييه كل يوم في المدافن, نحن اهل لنا كرامتنا فليعاملونا بانسانية، فليعطونا غرفا تقينا الصيف والشتاء ورذائل الشباب وقناني "البيرة" التي تنتثر ليلا قربنا فيحتسي اطفالنا بقاياها صباحا!!!
يدهشك هنالك احجام الاهالي عن الحديث والمتتبع لقضية المنطقة سرعان ما يفطن للسبب الذي يعود لكون المدافن تحتوي على رفات مقاتلي "فتح الإسلام" الذين نبذتهم كل المقابر إلا الغرباء خاصة منهم زعيمهم شهاب القدور المكنى بابو هريرة الذي تكتفي والدته باشارة من يدها تفهمك خلالها بانه ممنوع الكلام !!
حتى الاطفال يهرعون خوفا من عدسة الكاميرا الا رئيس عصابتهم الفتى احمد الذي وجد في القبور وسيلة للتسلية فيقفز فرحا من شاهد لآخر مباهيا برشاقته وخفته, بعض هؤلاء الفتية استنسب اهلهم اخراجهم من المدرسة لمساعدتهم في العمل وآخرون موزعون بين ثانويات القبة والتبانة.
برغم السكوت المطبق الا ان العيون تروي ما لم تستطع الشفاه الاباحة به, حرّ في الصيف لا تقي منه سقوف التنك، وبرد في الشتاء لا تحول جدران المنازل المتهاوية دونه, الكلام في التوصيف يطول ويكفي القول ان من وجد قرب القبور ملاذا ومسكنا فلا بد وان الحياة اعيته ولا بد ان الزمن قد سد في وجهه سبل الحياة الكريمة.
خاص الانتقاد.نت: برسم حكومة الإنماء والتطوير.. "نحن بخير..طمنونا عنكم" ـ مصور

عوائل بين القبور وفي بيوت من التنك نستهم الدنيا وحفرت اسماءهم على شواهد القبور وهم احياء لعلّ الاموات يئنون لحالهم بعد ان لبسوا مثلهم الموت رداء واستساغهم الفقر برغم هروبهم منه، ربّما هنا لا تجد حاسدا على المعيشة حتى عظام الموتى تعففت عن الحسد فالداء استعصى على الشمال الشفاء منه وهنا نتذكر قول الإمام علي(ع): الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ.
2009-12-14