ارشيف من :أخبار لبنانية
الشرق الاوسط الجديد من وجهة نظر اقتصادية - تاريخية
محمد عبّاس "الانتقاد. نت"
"الشرق الاوسط الجديد" مفردة ليست جديدة على مسامع الانسان العربي والمقاوم. وبرزت هذه المفردة الى العلن بشكل واسع إبّان حرب تموز 2006 التي شنها العدو الصهيوني على مقاومة لبنان وشعبه، حيث كانت البوارج والطائرات الصهيونية تدك ضاحية بيروت الجنوبية بقذائفها وصواريخها؛ فأتت وزيرة الخارجية الاميركية آنذاك كوندوليزا رايس حاملة في جعبتها ذاك المشروع، ومبشّرة بمنطقة مقسّمة وفق الرؤى والأحلام الاميركية.
وسرعان ما تهاوت تطلعات بوش وإدارته بفعل التصدي البطولي للمقاومة الاسلامية والنصر الالهي الذي حققه مقاتلو حزب الله. والحديث هنا عن ماهية "مشروع الشرق الاوسط الكبير" وجذوره التاريخية، وعمّا اذا كان له أوجه أخرى غير الاوجه العسكرية.
امتدادات جيوسياسية
في المبدأ، "الشرق الاوسط الكبير" هي منطقة تمتد من موريتانيا الى ايران، ومن البحر المتوسط، الى باب المندب، بحيث تقسم المنطقة الى دويلات جديدة ويكون لكل عرق واثنية ومذهب دولته، فتكون دولة للطوارق في المغرب، ودول بعدد قبائل السودان في وادي النيل، ودول بعدد طوائف لبنان في "وطن الارز"، ودول بعدد تيارات وأعراق العراق، فدولة اشورية واخرى كلدانية واخرى صابئية وواحدة شيعية وواحدة سنية، ودول آذرية وعلوية في كل من ايران وسوريا.
الشرق الأوسط الجديد والمحافظون الجدد
انطلق هذا المشروع انطلاقة السهم فخرق المنطقة ابتداء من العراق، إبان الغزو الأمريكي، حيث بدأ الكلام عن تقسيم ذلك البلد العربي الجريح واستكمل مع حصار سوريا والهجوم السياسي والامني على ايران. وكما قلنا سابقا سقط المشروع على بوابة الجنوب بفعل العمل المقاوم الجبار، لكن وللعلم فإن المشروع لم يكن نابعاً من لحظة راهنة، ومن إرادة أمريكية خالصة، انما المستطلع يجد وبسهولة ارتباطاً وثيقاً بين مبادئ "الشرق الاوسط الكبير"، وبين رؤى تيودور هرتزل منظر ومؤسس الحركة الصهيونية والمرجع الفكري الاول لقادة جناح المحافظين الجدد في أميركا.
هرتزل وكومنولث الشرق الأوسط
ويروي التاريخ أن هرتزل هو أول من أطلق الحديث عن هذا التقسيم وبنى فكرته وفق منظور اقتصادي يقوم على الشركات العابرة للقارات والرساميل الضخمة، ونادى الأخير بإنشاء "كومونولث شرق اوسطي"، وهنا ومع انطلاق المسار العالمي الجديد ذي النفس الاقتصادي، قدّم المفوض الاوروبي هانيوش في شباط 1991 الى المجلس الاوروبي مشروعا بعنوان "الامن والتعاون في الشرق الاوسط"، ويتحدث هذا المشروع عن انشاء نظام شرق اوسطي - متوسطي، كإطار جديد لتنظيم التفاعلات الاقتصادية والسياسية، وبعد ذلك برز رئيس كيان العدو الحالي شمعون بيريز، والذي يعد واحداً من مؤسسي الكيان الغاصب عام 1948، فقدم أفكاراً وتصورات عديدة منبعها الاول فكر ورؤى هرتزل، وقبل بيريز لا بد من ذكر مشروع يعقوب ميردور الذي وضع عام 1977 بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات الى القدس.
إسرائيل.. "الدولة الرائدة"
وميردور هو وزير الاقتصاد في حكومة مناحيم بيغن آنذاك وأحد مؤسسي حركة حيروت الصهيونية اليمينية المتطرفة، كما يعد ميردور أيضاً من اكبر مالكي شركات النقل في العالم، وأطلقت صحيفة "معاريف" على مشروعه اسم مشروع مارشال الموسع للشرق الاوسط، ونقاطه الاساسية تتلخص بأن يكفل هذا المشروع "السلام الدائم لاسرائيل"، ما استدعى اهتمام الكونغرس الاميركي، فقدم عضوه فرانك تشيرش في 12 تشرين الاول 1987 أي بعد 10 سنوات من مشروع ميردور باقتراح الى لجنة الخارجية والامن لتبنّي مشروع اقتصادي تنموي هدفه "جعل اسرائيل الدولة الرائدة في الشرق الاوسط عسكريا وامنياً واقتصادياً".
البنك الدولي أداة أميركية لسيطرة إسرائيلية
تلقف البنك الدولي، والذي يعد أداة أميركية للسيطرة على اقتصاديات العالم، هذه الافكار فقدم مشاريع التداخل والاندماج الاقتصادي والتعاون الاقليمي، وقدّم تقريراً للجمعية العامة للامم المتحدة تضمن 18 مشروعا تكفل سيطرة "اسرائيل" على المنطقة وقيادتها لاقتصاديات الدول المحيطة، ومن هذه المشاريع طرق وجسور وقنوات وممرات وخطوط انابيب غازية وبترولية بين الدول العربية ودولة العدو مما يوصل هذا الكيان بجميع دول العالم العربي. وهكذا بدأت فكرة التعاون الاقليمي التي تكفل "لاسرائيل" السيطرة بالنمو بدءاً من هرتزل الى ميردور فتشيرش فالبنك الدولي واستمرت الدراسات المتماشية مع هذه الرؤى بالتقدم في المنطقة شيئا فشيئا.
بيريز وحلم "الشرق الأوسط الجديد"
ومن أجل تعميم الفكرة جاء كتاب بيريز "الشرق الاوسط الجديد" عام 1994. ويكتب فيه بيريز يقول: "ليس على اساس الحلول المنفردة والثنائية والمتعددة بل على اساس التنظيم الاقليمي لخلق اسرة اقليمية ذات سوق مشتركة وهيئات مركزية مختارة على غرار المجموعة الاوروبية باعتماد ركائز اربعة هي:
أولاً: استفراد سياسي أي القبول "باسرائيل" النووية والقوية واللاعب الاقوى في المنطقة.
ثانياً: الاقتصاد وفيه يهيمن الراسمال الصهيوني على المنطقة.
ثالثاً: الامن القومي أي "أمن اسرائيل" المدججة بكافة الاسلحة التدميرية.
رابعاً: الديمقراطية. (ويتبين من تكرار المجازر والحروب الاسرائيلية على العرب معنى الديمقراطية لديها)
أموال العرب والماء والنفط
إذاً، من هنا نجد ان ما يريده بيريز وبكل وضوح هو:
1- نقل العالم العربي الى نظام اقليمي تسيطر عليه "اسرائيل" سيطرة شاملة بالتعاون مع امريكا.
2- بعد الحروب العسكرية، جاء الآن دور الحروب الاقتصادية التي تسيطر على اموال العرب. فمهما اختلفت الوسائل فالنتيجة واحدة شلل العالم العربي شللاً تاماً.
3- يقفز مشروع "الشرق الاوسط الجديد" فوق كل المشاكل والمآسي والدماء التي سقطت من اطفال فلسطين ولبنان ومصر يقفز هذا المشروع على حق العرب بالتعويض عن الدمار الذي لحق بهم.
4- يرسم هذا المشروع تصوراً كاملاً للتطبيع الاقتصادي وهو من اخطر انواع الهيمنة الاسرائيلية.
5- المشروع هو حل يجعل العرب تحت "الجزمة الصهيونية" مفتتي القدرة على الحراك والتفاعل.
6- مشاركة بل سلب الرأسمال العربي والمياه (خاصة في بحيرة طبريا ونهري الليطاني والنيل) والنفط وجعل العرب عمال نظافة لدى كيان العدو الصهيوني.
خلاصة
لم ولن تنتهي مشاريع العدو وحلفائه للقبض على دول المنطقة ومقدراتها العسكرية والاقتصادية. ومن هنا ليس أمام العرب سوى سلاح المقاومة، خاصة بعد اعلان المفاوض الفلسطيني فشل مشاريع التسوية من جهة، ومن جهة ثانية بعد تقديم تجارب مقاومة ناجحة أبرزها نصر تموز 2006، ونصر غزة 2008. ولدول النفط نقول ترحماً بشعوبكم ونصرة لدينكم اغلقوا مكاتب التطبيع واقطعوا كل علاقة اقتصادية تؤدي الى رفع اسهم العدو في المنطقة وتزيد من تغلغله وسط الجسد العربي وسوقه المثكلة بالهموم والتخبطات، وليس آخرها ازمة دبي المالية وأياً كان سلاح العرب، أكان بندقية تصوب نحو العدو، أم كان برميل نفط يحجب عن خزانات العدو، "خلّوا السلاح صاحي".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018