ارشيف من :أخبار لبنانية

التصويب على طاولة الحوار لإجهاضها أم لتموضع سياسي فاعل حولها؟

التصويب على طاولة الحوار لإجهاضها أم لتموضع سياسي فاعل حولها؟
جعجع يتولى إعادة ترسيم حدود «ثورة الأرز» انطلاقاً من علاقة متوترة مع رئيس الجمهورية

"السفير" -جورج علم

كتب قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في بطاقة المعايدة «للميلاد مجده وللأرز ثورته»، وبقي عليه ان يرسم حدود هذه «الثورة» ويحددّ معالمها من جديد، بعد المتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي الداخلي، وخصوصاً على «أبطال ثورة الأرز» وحرّاسها.
 
ويبدو أن عمليّة الترسيم بدأت من رأس الهرم، حيث انتقد قبل أيام رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان «الذي تخلى عن حياديته وتوافقيته، وأصبح ميّالا الى فريق 8 آذار». واختار جعجع المناسبة لإطلاق حملته بعيد لقائه مع رئيس الحكومة سعد الحريري، ومع إقلاع الطائرة الرئاسيّة باتجاه واشنطن، حيث دافع عن مبدئيّة الزيارة للعاصمة الأميركيّة وأهميتها، لكنه انتقد بعض الأداء لرئيس الجمهوريّة في مقاربته لبعض المواضيع الداخليّة الحساسة.

ولم تمر 24 ساعة على هذا الموقف حتى دعمه بآخر هجومي يستهدف طاولة الحوار الوطني، «حلم الرئيس سليمان، ومبتغاه»، حيث رأى «أنها في حاجة الى إعادة نظر في تركيبتها قبل تحديد موعد جديد لانعقادها»، تاركاً الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات والاتجاهات، بحيث يستنتج كلّ طرف ما يريد ان يفهمه ويستخلصه من «هذه الرسالة».
 
ويسجّل بعض فريق العمل الرئاسي ملاحظات ثلاث، الأولى: ان الدكتور جعجع لم يتطرّق الى جدول أعمال الطاولة، إما بفعل النسيان، او عن سابق تصوّر وتصميم، إذ سبق أن طالبت القوات اللبنانيّة خلال مرحلة إعداد البيان الوزاري بإحالة موضوع سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار، مؤكدة على وجوب ان يتضمن مشروع البيان المواضيع التي يوجد حولها توافق وطني، أما التي لا تحظى بمثل هذا التوافق، فيجب إحالتها الى الطاولة للبحث والمناقشة.
 
ويأتي في سياق الملاحظة الثانية ان الدكتور جعجع يخشى من غياب التوازن السياسي حول الطاولة، بعد التبدّل الذي طرأ على الأحجام والأوزان والاصطفافات، بحيث لم يبق من «حرّاس الثورة القدامى» إلاّ «قواته» مع «حزب الكتائب»، في الوقت الذي ينتقل فيه رئيس تكتّل «لبنان أولا»، رئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الى الضفّة الأخرى سعياً الى فتح صفحة جديدة مع دمشق.
 
وإذا كان رئيس الجمهورية ـ من منظار جعجع ـ قد أصبح ميّالا الى فريق 8 آذار، فهذا يعني ان الأقليّة التي كانت سابقاً حول الطاولة قد تصبح أكثريّة، وأن الأكثريّة السابقة قد تصبح أقليّة الآن، وتقتصر فقط على «الكتائب» و«القوات» و..

أما الملاحظة الثالثة فتتمحور حول المناخ الجديد الذي قد يسيطر على أجواء الطاولة، والذي سيكتسب مناعته من واقع العلاقات مع سوريا ومستقبلها، المنفتح على المزيد من التنسيق والتعاون، وهذا ما يحفّز الذاكرة على تخيّل بعض التوقعات والاحتمالات المستقبليّة، كأن يكون للطاولة سقف معنوي هذه المرّة هو السقف السوري، وأن تكون ملائكة دمشق حاضرة حولها او في غرفة الانتظار، ترفدها بالإيحاءات والنصائح كي يحسم الحوار النتيجة ويؤكد على الآلية التي يفترض ان تعتمد لمعالجة هذا الملف، او ذاك، باسم التوافق الوطني، وهذا ما دفع بالدكتور جعجع الى توسيع بيكاره في عملية ترسيم الحدود الجديدة «لثورة الارز وثوّارها المتبقين»، متجاوزاً نقطة المصنع وصولاً الى دمشق، واستناباتها القضائيّة التي هي بنظره «سياسيّة بامتياز»، وكيف على العاصمة السوريّة ان تستقبل الرئيس سعد الحريري، ووفق أي معايير ومراسم حفاوة، وكيف على الحريري ان ينتقل الى سوريا ووفق اي مواصفات، ودفتر شروط، ليعود جعجع ويحدد موقف القوات من سياسة الانفتاح هذه، مؤكداً على سلسلة من الملاحظات، وليستخلص في نهاية المطاف على أنه لن يزور دمشق «لأن الأجواء غير صحيّة وغير سليمة».
 
ويرى بعض الفريق الأقلوي بأن إثارة جعجع لموضوع الطاولة إنما هو تصويب مباشر عليها بهدف إسقاطها، لأن هناك من لا يريد لاتفاق الدوحة ان يستمر، وهو الذي شددّ على أهميّة الطاولة واستمراريتها، مقابل التسويق لاتفاق الطائف، وضرورة الاحتكام اليه، من دون سواه، على الرغم من الخلاف المستحكم حول البنود التي يجب الانطلاق منها لتطبيقه، ووضعه موضع التنفيذ، وقد بلغ (الخلاف) في الآونة الأخيرة مبلغاً دقيقاً ومحرجاً بين من يريد إعادة النظر بصلاحيات الرئاسات الثلاث، ومن يريد الانطلاق من موقع تأليف الهيئة العليا لإلغاء الطائفيّة السياسيّة.
 
ولعل السؤال الملح الذي يؤرق البعض إن في الفريق الأقلوي او الأكثري: هل هناك من لا يريد الحوار الوطني ولا الطاولة؟، أم أن هناك من لا يريد الطاولة في القصر الجمهوري، برئاسة الرئيس سليمان، إنما يريد الحوار الوطني إن من خلال المجلس النيابي، أو في جلسات مجلس الوزراء، او في أي مكان مؤات آخر؟.

ويتخوف هذا الفريق من أن يأتي يوم ترى فيه «القوات» نفسها وكأنها أمام خيارين: إما أن تنسجم مع قناعاتها وتذهب الى الطاولة بهذه القناعات لتصطدم مع الآخرين، او تنسحب من الطاولة مكتفيّة بتسجيل نقطة اعتراض قد يكون لها تأثير واسع في الشارع المسيحي، وموجة طاغيّة من التأييد والتعاطف.
 
أما الجواب لدى بعض فريق العمل الرئاسي فحاسم إن الحوار حتمي، والطاولة ضرورة، لأن المطلوب قبل كلّ شيء هو أن يتحلّق القادة حولها، طالما أنهم المسيطرون الفعليّون على مجلسي النواب الوزراء. والمطلوب من الحوار الإمساك بزمام الأمن والاستقرار، على قاعدة ان يعززّ «الحوار الأمني» من فرص «الحوار السياسي». كما المطلوب من الطاولة ان تكون صمام الأمان لعمل الحكومة والمجلس معاً.
 
ويؤكد هذا البعض بأن هناك ربما محاولة جديّة في البلد هدفها إعادة ترسيم الأحجام والأوزان بعد التصدع الذي ضرب الفريق الأكثري، لكن عمليّة إعادة الترسيم هذه لا تشمل طاولة الحوار المحصّنة داخليّا، والتي تحظى برضى خارجي يمتد من واشنطن مروراً بالرياض ودمشق، وصولاً الى بيروت.
2009-12-18