ارشيف من :أخبار لبنانية
هل آن أوان مراجعة العلاقات السوريّة ـ اللبنانيّة؟
قبل انتقاله إلى دمشق سارع مقرّبون من الحريري إلى محاولة وضع إطار للزيارة، كذلك فعل الخصوم وإن بدرجة أقل. بدا كأن فريق رئيس الحكومة مرتبك بما سوف يقوله عن أصل الزيارة وعن نتائجها، فيما بدا الفريق الحليف لسوريا أقل شماتة مما كان متوقعاً، ربما يتصل الأمر بأن هؤلاء لا يريدون إحراج سوريا نفسها، أو بينهم من يريد فتح صفحة جديدة مع الحريري نفسه. لكن الخلاصة أن الأهم من كل ردود الفعل قبل الزيارة وبعدها، هو المتعلّق بجمهور الحريري وكوادره، وذلك يفيد في مستوى التعبئة القائمة لديه ضد سوريا، ومستوى الاستعداد أو الجهوزية لتقبّل عملية تطبيع باردة تقود تدريجاً نحو علاقة طبيعية.
حتى اللحظة ليس بين جمهور الحريري أو فريقه من يقدر على الوقوف بوجهه رفضاً أو احتجاجاً أو غضباً على خطوة يقدم عليها الرجل. فكيف إذا كان إطار الزيارة جزءاً من إطار أكبر سبق للسعودية أن وضعته مع سوريا نفسها. وبالتالي، فإن الحريري لن يكون أمام مواجهة فعلية بشأن ما قام به. لا بل سوف يكتشف اللبنانيون مرة جديدة، أن مناقشة تحولات كبيرة في السياسة عندنا لا تزال غائبة عند الجماعات الكبيرة، التي ارتضت لنفسها زعامة تكون عادة فوق المساءلة والمحاسبة. وسيكون اللبنانيون أمام حالة جديدة مثل حالة وليد جنبلاط. والاعتراضات التي قد تصدر من هنا أو هناك، لا تمثّل إزعاجاً لأحد، بما في ذلك للحريري نفسه، عدا أن الرافضين لهذه الخطوة يوفّرون لأنفسهم الغطاء المسبّق بالقول إن الرجل ذهب رغماً عن عواطفه، وإن اتصالاته السياسية لن تغيّر في قناعاته حيال سوريا والحكم فيها.
أما من جانب الخصوم، فإن لعبة الشماتة لن تفيد في شيء. لأنها لن تغيّر في الوقائع، بل قد تعقّد الأمر لناحية إثارة حفيظة الحريري نفسه، وإثارة الرافضين من حوله، وبالتالي فإن القوى الرئيسية المؤثّرة بين الخصوم ليست في وارد هذه السياسة، أما الآخرون، فإن سوريا نفسها كفيلة بهم لجهة دعوتهم أو الطلب إليهم عدم الانخراط في لعبة «تسجيل النقاط» كما سمّاها الحريري نفسه.
لكن السؤال الأهم، الذي لا يمكن أن يغيب عن المناقشات أو المراجعات أو التقديرات بشأن المرحلة المقبلة، هو المتعلق بمستقبل التنسيق والتشاور بين الجانبين، وهل سيقف الجانبان عند ما انتهت إليه الأحداث لجهة عدم استعادة صور الزمن المنقضي، فلا نكون أمام حملات عمياء ضد كل من هو خلف حدودنا الشرقية، ولا نكون أمام لغة ثأرية تظهر استعداداً للجنون، وهدم الهيكل لأجل رغبة شخصية أو حسابات متصلة بمصالح خارجية. كذلك نكون قد خرجنا إلى الأبد من آلية متابعة الملف اللبناني في سوريا كما كانت عليه قبل الانسحاب العسكري والأمني من لبنان، وأن يجري كتم شبق البعض هناك حيال التحكّم والمونة والتأثير المبالغ فيه.
بحسب بعض الإشارات المهمة، فإن الرئيس السوري بشار الأسد اتخذ قراراً ستظهر نتائجه مع الوقت في لبنان وفي سوريا، بشأن آلية التعامل مع لبنان دولة وأحزاباً وقادة وسياسيين، وهذه الآلية تزيل كل ما كان قائماً في الوقت السابق، وتقفل الباب أمام أيّ نوع من الاجتهادات التي أدّت إلى مصائب كثيرة في زمن الترويكا السابقة. ومن جانب قوى المعارضة الرئيسية، فإن حزب الله أو التيار الوطني الحر سوف يقفان عند الخط نفسه، الذي وقفا عليه منذ اليوم الأول، والذي يفرض نمطاً من العلاقات لا يشبه ما عرفه الناس مسبقاً، حتى لو أصرّ كثيرون من خصوم الحزب والتيار على عكس ذلك.
إلا أن ذلك كله، لا يمكن أن يعفي اللبنانيين أو السوريين، وعلى المستويات كلها، من استغلال المناخات الإيجابية القائمة، للانطلاق في ورشة تقويم لتاريخ العلاقات بين البلدين، وذلك على قاعدة تحديد دقيق للواقع، وتوزيع عادل للمسؤولية عن الأذى الذي حصل وعن الخسائر التي وقعت. ودون ذلك، نكون أمام عملية صفح متبادل تشبه مصالحات جبل لبنان عندنا، حيث يختفي الموتى تحت الأرض، دونما وجود لمن يضع الورود على قبورهم.
الاخبار - ابراهيم الامين
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018