ارشيف من :أخبار لبنانية
الانسحاب الإسرائيلي من الغجر يبدأ وينتهي بالدور اللبناني في مجلس الأمن
صدر قبل أيام عن قيادة الجيش ـ مديريّة التوجيه بيان يضع النقاط على الحروف حول اجتماعات اللجان العسكريّة المشتركة في الناقورة بإشراف قيادة (اليونيفيل) لمعالجة مسائل مدرجة في جدول أعمال محدد يتم التوافق على مضمونه مسبقا. ويلفت البيان وسائل الإعلام الى توخي الموضوعيّة، وعدم الاسترسال في سرد معلومات لا تتوخى الدقة والواقعيّة، منسوبة الى مصادر مطّلعة أو مقرّبة من الوفد.
ويؤكد دبلوماسيون تشارك دولهم في قوات الطوارئ العاملة في الجنوب إن بيان المديريّة يأتي في توقيت مفصلي، بعيد تأليف حكومة الوفاق الوطني، ونيلها ثقة 121 نائبا من أصل 128 يشكلون مجموع أعضاء المجلس النيابي، أما الدوافع الكامنة وراء صدوره فكثيرة، أبرزها إبلاغ من يهمّم الأمر، رفض لبنان الرسمي لأي شكل من أشكال التطبيع او التفاوض مع الحكومة الاسرائيليّة.
أما حقيقة المتداول في الكواليس، فينطلق من تأكيدات أميركيّة ـ غربيّة مفادها أن إسرائيل تريد ثمنا مقابل الانسحاب من بلدة الغجر الحدوديّة، وقد حددته وفق الآتي: إما لقاء رسمي بين مندوبين لبناني وإسرائيلي يصار الى التفاهم على تحديد مكانه وزمانه في الامم المتحدة او خارجها. أو إعلان لبناني رسمي يعبّر عن الاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة، أو تطعيم اللجان العسكريّة التي تلتقي في الناقورة بخبراء مدنييّن للمشاركة في المناقشات حول كل ما يطرح على الطاولة من مواضيع تتصل بالوضع السائد على طول الخط الأزرق.
ويحظى التوجّه الإسرائيلي باهتمام الحركة الدبلوماسيّة الأوروبيّة ـ الغربيّة الناشطة على الساحة، ودائما تحت شعار المساعدة على الانسحاب الإسرائيلي من الجزء المحتل من البلدة، لكن على قاعدة أن يشكّل بداية لمرحلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار تنفيذ مندرجات القرار 1701، ثم الانطلاق الى ترسيم الحدود في مزارع شبعا. وترفض دول أوروبيّة صديقة للبنان ان تتم هذه الخطوة وكأنها يتيمة تنتهي في المكان والزمان الذي سيتم فيه الانسحاب، مع التشديد على ان تكون بداية الانطلاق في مسار تفاوضي يستوجب آليّة تفاوضيّة موثوقة، وفريق عمل متخصص وموثوق بشرعيته ومؤهلاته في القدرة على الإمساك بهذا الملف من جوانبه كافة.
وكان يمكن القول بان بيان قيادة الجيش قد أوصل الرسالة حيث يجب ان تصل لولا إعادة تسليط الضوء بشكل مدروس ومبرمج على زيارة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان والوفد الرسمي المرافق الى الولايات المتحدة، وعودة الدبلوماسيّة الغربيّة الى تحريك المياه الراكدة إنطلاقا من الآتي:
أولا: التباين الذي ظهر بين الرئيسين سليمان وباراك اوباما حول كيفيّة تنفيذ القرار 1701، وإصرار الرئيس اللبناني على تنفيذه انطلاقا من وقف الخروقات الجويّة والبريّة والبحريّة الإسرائيليّة للخط الأزرق، فيما يصرّ الثاني على تنفيذه انطلاقا من وقف تهريب السلاح الى حزب الله.
ثانيا: التأكيد من قبل أكثر من مصدر على أن القرار 1559 لم يكن مدرجا على بساط البحث، ولم يأت أحد على ذكره لا من قبل الوفد اللبناني ولا من الجانب الأميركي، مع شيوع مناخ محلّي يوحي بوجود توجّه هدفه في نهاية المطاف إخراج هذا القرار من التداول، والسعي الى تجاوزه، وحتى إلغائه، الى أن جاء من يقول في صفوف دبلوماسيي بعض الدول الصديقة: "قليلا من التمهل والتبصر، فهذه سابقة خطيرة إذ لا يلغى قرار إلاّ بقرار يماثله، وليس من مصلحة لبنان الدخول في لعبة هذا المنزلق الخطر، ومن يستطيع ان يلغي او يتجاوز القرار1559، يستطيع ان يوفر الذريعة لمن له مصلحة في الغاء القرار 1701، علما بأن الحكومة اللبنانية ليست لها مصلحة في ذلك، وهي التي خاضت أبّان حرب تموز معارك سياسيّة ودبلوماسيّة لتأمين صدوره عن مجلس الأمن وبالمواصفات التي إرتضتها".
ثالثا: ان الغيرة على موقع لبنان الجديد في مجلس الأمن كعضو غير دائم العضويّة لمدة عامين، ليست أميركيّة فقط، بل عربيّة ـ إقليميّة ـ دوليّة تقتضيها لعبة الأمم والمصالح، وإذا كان المسؤولون الأميركيّون قد حاولوا تفقّد التموضع اللبناني الجديد في مجلس الامن، من خلال المحادثات الرسمية التي أجروها مع الرئيس سليمان والوفد المرافق، فإن الجانب السوري قد بدأ يتحسس منذ مدّة حرارة هذا التموضع، ويتسقّط أخباره بنهم منذ القمة الثنائيّة التي سبقت زيارة الرئيس اللبناني الى واشنطن، ذلك أن المسألة عنده هي استراتيجيّة بامتياز، ولا تقبل الخطأ أيّا كان نوعه، ومهما كان طفيفاً.
ويسجّل الحضور الدبلوماسي المتابع ملاحظتين، الأولى: التهافت اللامسبوق لوزراء الخارجية العرب والاجانب الى بيروت للتشاور حول الدور الذي سيؤديه لبنان في مجلس الامن عند مقاربة الأخير للعديد من الملفات الساخنة والمفتوحة في منطقة الشرق الاوسط.
والثانيّة: تسقّط نتائج المحادثات التي أجراها الرئيس السوري بشّار الأسد مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري حول مسار المفاوضات مع "إسرائيل" ومصيرها مع الانعطاف على الوضع في جنوب لبنان وعلى طول الخط الأزرق.
وتأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي لإجراء جردة حساب من منظار طهران حول كل ما سبق من أحداث وتطورات بدءا بانتخاب لبنان كممثل للمجموعة العربيّة في مجلس الأمن، مرورا بتأليف الحكومة الحريريّة الأولى، وصولا الى البيان الوزاري والفقرة السادسة منه، والهجوم الذي شنته قوى برلمانية على سلاح المقاومة و«حزب الله» خلال جلسات المناقشة.
ويقول دبلوماسي لبناني متابع أن بوادر القلق لم تغب عن فحوى المحادثات، إذ ترى إيران ان الانقسام اللبناني حول سلاح المقاومة ربما يخفي الكثير من التقدم الذي أحرزته الدبلوماسيّة الغربيّة في اختراق المنعة الوطنيّة الداخليّة، بعدما راح الانفلاش الدبلوماسي على المستوى المحلّي يتوغل بالتفاصيل، ويربط ما بين الحملة على المقاومة وسلاح الحزب، وبين ما يجري لتحريك الوضع على طول الخط الازرق انطلاقا من الانسحاب من قرية الغجر وصولا الى السلاح، والقرار 1701.
وما أثاره متكي حول وظيفة لبنان في مجلس الأمن، يدخل في إطار العادي والمألوف ـ كما يقول الدبلوماسي اللبناني ـ إلاّ أن مهمته من حيث خطوطها العريضة كانت مصوّبة باتجاهين: التأكد من احتمال عودة تلازم المسارين اللبناني ـ السوري بعد المحادثات التي أجراها الرئيسان بشار الأسد وسعد الحريري. والتأكد من جديّة المظلّة السعوديّة ـ السوريّة التي ستؤمن الحماية لدور لبنان في مجلس الأمن، وأين الأميركي منها، وهل هو على خطّ الطول التنسيقي ـ التشاوري مع اقتراب عودة سفيره الى دمشق، أم سيبقى على خط العرض والاعتراض؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018