ارشيف من :أخبار لبنانية
عندما تأكل السياسة رغيف الناس وخدماتهم!
واصف عواضة - صحيفة السفير
كانت السنوات الخمس الماضية كارثية على لبنان وشعبه وعيش أهله. انشغل أولو الأمر بالسياسة وتركوا الخدمات وهموم الناس للرعاية الإلهية، لكن الله عادة لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ويبدو ان بعض الفئات السياسية اللبنانية المفلسة ما زالت مصرة على هذه السياسة، وهي عاجزة عن تقديم اقتراح واحد لمعالجة أتفه الازمات الحياتية للمواطنين اللبنانيين.
بعض هؤلاء يعتقد ان الرئيس السوري بشار الاسد يقف بفارغ الصبر على ابواب قصر الشعب بانتظار ان يقرر مكتبه الحزبي او السياسي متى ينعم على سوريا بزيارته الميمونة. وبعض آخر يخترع قضايا يائسة حسمت في البيان الوزاري بأكثرية مطلقة ليحاكي رغبات خارجية معروفة. وبعض ثالث حائر حتى الآن في فلسفة زيارة الرئيس سعد الحريري الى دمشق، هل هي زيارة شخصية ام حكومية ام رسمية.
لقد كشفت السنوات الخمس الماضية الأزمات الحياتية في لبنان وحولتها الى معضلات تستحيل معالجتها بالسبل التقليدية حيناً، وأحياناً بالترقيع والتأجيل والمسكنات، حتى غدا لبنان عاجزاً عن تطبيق خطة للسير في بيروت وضواحيها بعد ان جيشت لها الحكومة كل اهتمامها من قبل ان تأخذ الثقة، ونزل وزير الداخلية الى الشارع ليلعب دور شرطي السير، ولكن من دون جدوى، حيث أعلن قبل ايام يأسه من الجهود المشكورة التي بذلها خلال الفترة الماضية.
ما ينطبق على السير ينسحب على العديد من الأزمات الأخرى الأكثر قسوة وحدة على المواطن اللبناني. فعلى صعيد الكهرباء مثلاً ظل وزير الطاقة اربع سنوات متواصلة يحذر وينبه من الظلام ويطرح المشاريع لمعالجة هذه الأزمة، فلم يجد أهل الحكم فرصة حتى لمناقشة هذه المشاريع، فتحولت الأزمة الى معضلة تقول الدراسات إن معالجتها تحتاج على الأقل الى خمس سنوات، وخمس مثلها من المليارات بالدولار، مع العلم بأن نصف الدين العام او يزيد تكدس على لبنان وأهله من جراء الخسائر السنوية الناجمة عن الكهرباء.
وهكذا دواليك تبدو كل الأزمات المعيشية والحياتية والاقتصادية والاجتماعية والادارية في لبنان عصية على الحل، اذ من الطبيعي ان تتفاقم الأزمات عندما يتعاطى معها أهل الحكم بالأساليب التي يعالجون فيها الشؤون السياسية، وهي اساليب تقوم على النكايات والنكد والتسويات المؤقتة، خارج الاستراتيجيات التي تضع في حساباتها ان الخدمة العامة لا تعني طائفة او فئة معينة، بل مجموع الرأي العام في البلد.
إن هذا الواقع الصعب امام التجربة الاولى للرئيس سعد الدين رفيق الحريري في الحكم، يستدعي على الأقل التوقف امام التجربة التي خاضها الرئيس الشهيد رفيق الحريري خلال السنوات الست الاولى من عهده الطويل، على الرغم من ان هذه التجربة ما تزال موضع نقاش في كلفتها وانعكاساتها على مالية البلد، لكن اي منصف لا يمكنه الجدل في نتائجها على الارض في المواصلات والكهرباء والمياه والاعمار والخدمات العامة.
في الخلاصة، ان اي حكومة تغلب السياسة على الخدمات العامة لن يكتب لها النجاح، بل اكثر سوف تزيد الازمات تفاقما وتخرّب ما تبقى من خدمات. وحرام ان يخرّب سعد الحريري ما تبقى مما بناه رفيق الحريري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018