ارشيف من :أخبار لبنانية

قراءة قومية في وثيقة حزب الله

قراءة قومية في وثيقة حزب الله

مروان فارس - صحيفة السفير

إبان قراءة وثيقة حزب الله، بعد مؤتمره الثامن، توقف الأستاذ طلال سلمان في أسئلته عن الزاوية القومية في نظرة «حزب الله» للأمور السياسية المعقدة في مطالع القرن الواحد والعشرين، خاصة أن تمايزاً في الايديولوجيا يفصل بين الإسلاميين والقوميين، كما يرى كثرة من الدارسين لظاهرة المقاومة، التي استطاعت أن تحقق انتصارات قومية، لم تستطع إنجازها الأحزاب القومية، وإن كانت قد شاركت مشاركة فعالة في إطلاق حركة المقاومة ومن ثم انتصاراتها.
ما يدعو الى قراءة قومية للوثيقة التي تسجل منعطفاً في العقل وفي السياسة المنبثقة عن إجراءاته النظرية، ولا بد لهذه القراءة أن تتوقف عند جملة من الأمور:

أولا: الرؤية للدولة القومية


إن مفهوم الدولة في لبنان لا يزال عائما في جملة من مفاهيم الدولة الاستعمارية التي انبثقت من أحضانها الدولة اللبنانية. وهذه المفاهيم تستند الى اتفاقية سايكس ـ بيكو التي وضعت بين الفرنسيين والانكليز في العام 1916 من القرن الماضي. يعني أن الدولة اللبنانية قائمة على مفهوم التقسيم القومي لمساحة الأمة الإثنية والجغرافية التي ينتمي إليها لبنان على الصعيد القومي. وأشد ما في الأمر خطورة أن هذا التقسيم يعتمد على المعطى الطائفي بدل أن يأخذ المعطى الوطني بعين الاعتبار. فالمعطى الطائفي بحد ذاته هو معطى تفتيتي في جسد الأمة التي ينتمي إليها لبنان، ليصبح في المفهوم الاستعماري أن لبنان بحد ذاته هو معطى طائفي وليس معطى وطنيا، يعني أن لبنان بحد ذاته هو كيان مؤلف من طوائف لا من مواطنين. فحلول الزاوية الطائفية محل الزاوية الوطنية يجعل من لبنان بحد ذاته كياناً للفرقة والتجزئة وليس كياناً للوحدة الاجتماعية.
مقابل هذا السلوك الاستعماري، تأتي وثيقة «حزب الله» لتؤسس لسلوك نظري مغاير. فتعتبر في الجوهر أن الدولة القوية يعني الدولة الموجودة خارج الأطر الطائفية وان كانت في لبنان طوائف متعددة على الصعيد النظري. وإذا كان لبنان بحاجة الى تأسيس جديد خارج النظرة الاستعمارية فهذا التأسيس يعتمد على المقاومة للعدو الحقيقي للبنان. وهذا العدو هو بحد ذاته المعطى الطائفي، لأنه معطى استعماري، وهو بحد ذاته معطى صهيوني لان الصهيونية بحد ذاتها جوهر معاد لمفهوم الأمة التي ينتمي لبنان إليها.
هذا في السلب. أما في الإيجاب فإن مفهوم الدولة القوية يقوم على الاستعداد الدائم للمواجهة وللتحدي. فإذا كان العدو الصهيوني يريد أن يقيم الدولة اليهودية في جسد الأمة فإن دولة المقاومة هي التي سوف تواجهه بقوة هذا المفهوم. مما يعني في هذا المجال أن وثيقة «حزب الله» تأتي في سياق الأيديولوجيا أكثر مما تأتي في سياق السياسة العابرة.

ولأن الوثيقة هي على هذه الحال، فإنها لا تخرج عن الحالة القائمة في لبنان في السياسة وفي الاجتماع. فانخراط «حزب الله» في النظام السياسي اللبناني ليس انخراطا يتم على قاعدة الانتماء الطائفي، بل انه يتم على قاعدة الانتماء الى المقاومة، يعني في سياق مواجهة العدو الصهيوني الذي ينحر جسد الأمة بمفاهيم التفتيت والطائفية. ذلك لأنه لا يمكن المقاومة أن تكون طائفية. فهي في الجوهر مقاومة وطنية وفي السياق ذاته هي مقاومة قومية تتخطى الأصول الطائفية، فتعتبر أن الدين قائم في جوهر الحضارة التي تنتمي إليها الأمة. فيخرج بذلك «حزب الله» من المفهوم الديني البحت الى المفهوم القومي البحت. فالدين في الأمة وليس بديلا منها. انه جوهر في حضارتها، وهو ثقافة في تاريخها ومستقبلها.

إن وثيقة «حزب الله» تدعو للدخول في صلب النظام السياسي في لبنان وان كان هذا الصلب من طوائف، إلا انه ليس طائفيا بل وطني لأنه يعتمد على المقاومة للعدو الطائفي والعدو الصهيوني في آن. هذه المعادلة، معادلة صعبة. إلا أنها حقيقية. فلقد خرج من الطوائف أحمد قصير وخرجت سناء محيدلي وغيرهما من الرجال والفتيات المقاومين. مما يعني أن جسد الأمة يتفجر في وجه العدو وطنياً وقومياً ولا يتفجر طائفياً. ان هذا الانفجار الوطني في تاريخ المقاومة قد أدى الى جملة من الانتصارات على ما أسس له الاستعمار وما أسست له الصهيونية. وذلك يعني أن قاعدة المشاركة في النظام السياسي اللبناني هي قاعدة المشاركة على الأساس الوطني لا على الأساس الطائفي. فمعادلة استبدال الطائفية بالوطنية هي في الجوهر معادلة المقاومة التي هي باتجاه التحويل في جوهر النظام الطائفي.

إن المعركة التي رافقت ظهور البيان الوزاري حول المادة السادسة منه تبين أن الشعب اللبناني قادر على النجاح في صيانة المقاومة وفي رعايتها حتى تحقق أهدافها. فكل الاعتراضات على البيان قد تهاوت. مما يعني أن المسألة ليست في تشكيل الحكومة بل إن المسألة هي في قدرة هذه الحكومة على استكمال مسيرة المقاومة. لذلك فإن سماحة السيد حسن نصر الله في إجاباته عن أسئلة الصحافيين كان واضحا في قراءة تجارب الشعوب في التعاطي مع موضوع المقاومة. اذ كان، عند كل الشعوب، مؤيدون للمقاومة ومعترضون عليها. والمهم أن ينتصر التأييد على الاعتراض. وهذا ما حصل في الإجماع على البيان الوزاري بالرغم من التحفظات والاعتراضات الشكلية ذات أبعاد المزايدة كما رأى الى ذلك العماد ميشال عون.

ثانياً: الدولة العادلة

«لأن العدل هو أساس الملك» كما يقول القدماء فإن مفهوم العدالة يطبع وثيقة «حزب الله» تجاه الموضوع الفلسطيني الذي هو جوهر القضية القومية. الفصل الثالث في الوثيقة يتعاطى في النظرية مع الموضوع الفلسطيني ومفاوضات التسوية حول فلسطين. ترى الوثيقة أن الشأن الفلسطيني منذ اغتصاب فلسطين هو شأن قوى الهيمنة الدولية، استعمارا قديما ام قوى امبريالية عالمية. في هذا المجال ترى الوثيقة ما يلي: «إن الأذى لم يقتصر على الشعب الفلسطيني أو الدول والشعوب المجاورة لفلسطين فحسب. وما الاعتداءات والتوترات والحروب التي شهدتها المنطقة بفعل النزعة والممارسات العدوانية الإسرائيلية، إلا الدليل والشاهد على مقدار الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني وبالعرب والمسلمين جراء الجريمة ضد الإنسانية التي ارتكبها الغرب عندما أقدم على زرع هذا الكيان الغريب في قلب العالم العربي والإسلامي ليكون اختراقا معاديا وموقعا متقدما للمشروع الاستكباري الغربي عامة، وقاعدة للسيطرة والهيمنة على المنطقة خاصة».

إن هذا المنطق يضع قضية الصراع مع العدو الصهيوني على المستوى القومي ولا يذهب به باتجاه العداء الديني. فالمعركة هي في الجوهر مع فكرة الاغتصاب من جهة ومع فكرة إقامة الدولة الدينية. إن ذلك ليس عداء لليهودية بل هو عداء لإقامة الدولة اليهودية التي تقوم فكرتها على مبدأ الاغتصاب المستند الى معتقدات دينية خاوية من المفاهيم الإنسانية وتفتقر الى معطيات العدالة بين البشر.

إذا كان واقع الشعب الفلسطيني هو واقع الشعب المغتصبة أرضه وحقوقه فإن منطق الوثيقة التي أتى بها «حزب الله» هو منطق استعادة الحقوق المغتصبة في الأرض الفلسطينية، ليس بأسلوب التفاوض والتسوية، بل بأسلوب المقاومة دفاعا عن الحق. والتمسك بالحق يعني التمسك بالعدل. وبذلك لأن القضية الفلسطينية قضية عادلة فهي قضية تختص بالإنسانية جمعاء. فيكون الصراع من أجل فلسطين صراعا من أجل الحق الإنساني والعدالة الكونية. وإن كان الصراع هو بين الأمة والكيان الصهيوني فهو في الوقت نفسه صراع يطال البشرية لأنه يتعاطى مع حق الاحتفاظ بمبادئها العادلة. فيرى النص «بأن التجارب شكلت دليلا قطعيا لا يدع مجالا للشك والارتياب على امتداد مسيرة الصراع والمواجهة بين أمتنا وبين الكيان الصهيوني منذ اغتصاب فلسطين وحتى يومنا هذا أهمية وجدوى خيار المقاومة الجهادية والكفاح المسلح في مواجهة العدوان وتحرير الأرض واستعادة الحقوق وتحقيق توازن الرعب وسد فجوة التفوق الاستراتيجي عبر المعادلات التي فرضتها المقاومة بإمكانياتها المتاحة».
المقاومة هي طريق تحرير فلسطين. إنها طريق العودة وليست المفاوضات هي التي تحقق عودة الشعب الفلسطيني الى أرضه.

ثالثاً: حول مفاوضات التسوية

ترى الوثيقة أن مفاوضات التسوية تنطلق من مفهوم الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني، مما يعني أن المفاوضات هي بحد ذاتها في أوسلو ووادي عربة وكمب ديفيد تنازل عن الحقوق. إن التنازل عن الحق ليس من حق أحد في فلسطين لأن الحق هو ملك الأمة. وملك الأمة هو ملك قومي. فالتنازل إذاً عن الحق هو تنازل عن مصلحة الأمة في الوجود والتطور. وخيار التسوية ليس خيار الشعوب العربية بل هو خيار الأنظمة المتهالكة على مصالحها في البقاء على حساب شعبها. هذه الأنظمة تتوهم أن باستطاعتها أن تصل الى تسوية مع العدو. فالعدو بفعل وجوده هو ان إسرائيل هي وجود عدواني يتوجب استئصاله. والأنظمة التي تتوهم أنها تستطيع أن تصل الى تسوية مع العدو هي ذاتها التي تتوهم أنه بالاتكال على المعطيات الدولية والإمبراطوريات الأوروبية أو الأميركية يمكن أن تحصل تسوية توصل الى استرداد فلسطين.

فإذا كانت مفاوضات التسوية مفاوضات متهاوية، وإذا كان الاتكال على الخارج أوروبيا كان أم أميركيا لن يوصل الى فلسطين، فإن طريق العودة والحرية كان وسوف يبقى هو طريق المقاومة، وثيقة «حزب الله» تقول ذلك. و«حزب الله» يفعل ما أتت به الوثيقة.

2009-12-24