ارشيف من :أخبار لبنانية
الشاعر اللبناني الراحل بولس سلامة.. شمعة عشق مسيحي حسيني لا تنطفئ
فاطمة شعيتو حلاوي
حريّ بمن استشف عمق العشق الحسيني في كلمات الشاعر اللبناني المسيحي الراحل بولس سلامة، أن يعرّج، في ظل التلاقي الروحي بين ميلاد المسيح (ع) وعاشوراء الحسين (ع)، على سيرة ذاك الرجل العظيم الذي لم يثنه المرض المضني لعقود عن خط أصدق وأروع الأبيات الشعرية بحق الامام الحسين(ع)، وهو القائل بحقه:
كربلاء !! ستصبــحين محجاً وتصيرين كالهـواءِ انتشــارا
ذكركِ المفجع الألــيم سيغدو في البرايا مثلَ الضيـاءِ اشتهارا
فيكون الهدى لمــن رام هدياً وفخاراً لمـن يــرومُ الفخارا
كُلّما يُذكـر الحســينُ شهيداً موكبُ الــدهر يُنبت الأحرارا
"بولس سلامة هو الشاعر العربي الاول الذي أهدى الى خزانة الأدب العربي الملحمة الشعرية، كان القرآن الكريم وتفسيراته مرجعه الى جانب نهج البلاغة، وكان ضليعاً جداً في فهمه للدين الاسلامي القويم، وقد أصبح الاسلام بشخصياته جزءاً من إنسانه ومتداخلاً مع وجدانه، انطلاقاً من اعجابه بالإمام علي (ع) وصولاً الى تأثره العميق بشهادة الامام الحسين(ع) في كربلاء".
بهذه الكلمات حاول عضو اللقاء الوطني المسيحي المحامي رشاد سلامة نجل الشاعر الراحل أن يلخص للـ" انتقاد.نت" فكر والده العريق، وأضاف "كل ما قاله بولس سلامة في مختلف أشعاره يمس الأجيال السابقة والحاضرة ويعرّفها على القيم السماوية ويدعوها للتلاقي على الدرر التي يمكن أن يجدها الانسان في مجمل الديانات السماوية التي وجدها بولس سلامة في سيرة أهل البيت الأكرمين وجسّدها بصورة خاصة في قصائد عنوانها البهي الإمام الحسين (ع)".
"أنا المسيحي أبكاني حب الحسين"
وعن عشق الشاعر المسيحي للحسين(ع) روى رشاد سلامة للـ"الانتقاد.نت" من سيرة حياة الراحل "ذات يوم صحا والدي من النوم وقرع الجرس الى جانبه كالعادة، فقدمت اليه وألقيت عليه تحية الصباح، وكنا نترك الى جانبه في الليل ما يحتاج اليه من ماء ودواء كونه كان مريضاً ومقعداً على مدى عقود من الزمن، وكان والدي ينظم قصائده في الليل وفي عمق الظلام".
وتابع سلامة الابن "كان من طقوس نوم والدي أن يضع فوق سريره ناموسية لرد الباعوض، فرفعتها كعادتي وحاولت أن أردها الى وراء وسادته، فلمست رطوبة شديدة عليها، عندها سألته أسكبت على نفسك كوب الماء في الليل؟ فأجاب لا، قلت إذاً لماذا تعرّقت والطقس بارد جداً؟ فأجاب ليس الأمر كذلك، أنا كنت الليلة في كربلاء، كنت أنظم شعراً عن استشهاد الامام الحسين(ع) ، فعلمت أن دموعه الغزيرة هي التي بللت الوسادة".
وأضاف سلامة في حديثه للـ"انتقاد.نت"، " هذه أبيات من قصيدة لوالدي عنوانها "علي والحسين" والجزء الأخير منها يتضمن فاجعة كربلاء التي أبكته، وفيها ما كان يمكن لبولس سلامة أن يقوله اليوم للبنانيين في تزامن الميلاد مع عاشوراء، وهو كان قد قاله فعلاً:
بكيتُ حتى وسادي نشَّ من حُرَق وضجّ في قلمي إعوال منتحِبي
أنا المسيحي أبكاني الحسين وقد شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي
لا يستوي في لقاء النار شاهدها والمرتمي فوقها جذعاً من الحطب
كربلاء هي ذروة انتصار الإيمان الذي أدى الحسين (ع) أمانته تجاهه
وعن واقعة الطف التي رواها والده شعراً في ختام ملحمته "عيد الغدير"، قال رشاد سلامة "الكثيرون لا يرون في واقعة كربلاء غير الجانب المأساوي لكونها إحدى أهم فواجع التاريخ، لكن الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية عن معنى الشهادة هو كون كربلاء ذروة انتصار الايمان الذي حرص الحسين (ع) على أن يؤدي الأمانة تجاهه، وفي هذا الجانب يكمن مجد آتٍ من جهة كربلاء يترجم بواقع "انتصار الدم على السيف".
الثورة الحسينية ألهمت شعوباً ومناضلين ومجاهدين
وختم سلامة "هنالك قراءات يقبل عليها الانسان من أي مذهب ودين وعرق ليجد في شهادة الحسين (ع) شيئاً يقارب عند المسيحيين مفهومهم للفداء، وبهذه الشهادة افتدى الحسين الايمان القويم، ونحن نعرف معنى "مثلي لا يبايع مثله (أي يزيد)" و"هيهات منا الذلة"، وهذه عبارات خالدة وبعيدة المرامي لأنها تعبرمن جهة عن الشجاعة والبطولة وعشق الشهادة، ومن جهة ثانية عن انتصار ثورة حقيقية معروفة بالثورة الحسينية ألهمت شعوباً ومناضلين ومجاهدين في سبيل القيم والايمان القويم".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018