ارشيف من :أخبار لبنانية
الاستنابات مستمرّة ودمشق تفصل بينها وبين الحريري
نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار
مع أن أياً من القضاء اللبناني والمحكمة الدولية لم يوحيا حتى الآن استعدادهما الخوض في تسوية مع السيّد، تلقي الاستنابات بثقلها على جانب من الجدل السياسي الداخلي، أخرجت دمشق نفسها منه بأكثر من حجّة منذ ما قبل زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لها، في 19 كانون الأول و20 منه. قالت أولاً إن الاستنابات ليست مسيّسة وتنسجم مع القوانين السورية والاتفاق القضائي بينها وبين لبنان عام 1950 ومن ثمّ مع الملحق الذي أدخل عليه عام 1996. وقالت ثانياً إن سحب الاستنابات يمثّل تدخّلاً سياسياً يناقض ما سمح به القانون السوري والاتفاق القضائي للسيّد كي يتقدّم بدعواه أمام محاكمها. وقالت ثالثاً إنها أبلغت إلى مراجع لبنانية رسمية أكثر من مرة قبل إطلاق الضباط الأربعة يوم 29 نيسان الماضي ضرورة وضع القضاء اللبناني يده على قضيتهم، باتهامهم أو إطلاقهم، بعدما كفّت لجنة التحقيق الدولية يدها عنهم. قال الرئيس بشّار الأسد للرئيس ميشال سليمان في آخر محادثة بينهما، قبل زيارة الحريري دمشق، عندما فاتحه في سحب الاستنابات تفادياً لتأثيرها على تلك الزيارة، إن الحلّ بين يدي القضاء اللبناني والسيّد.
في حصيلة وجهة نظر دمشق إلى الاستنابات، انقلب موقف الحريري رأساً على عقب. قبل زيارتها رفض الاستنابات وأنكر حقّ مواطن لبناني مقاضاة مواطن آخر لدى قضاء بلد آخر غير بلده، وشكّك في طريقة تعامل سوريا مع لبنان ومقاربتها الإيجابية علاقات البلدين على أبواب الزيارة. ثم قال من كوبنهاغن إن الاستنابات غير قائمة بالنسبة إليه. ثم قال غداة زيارة دمشق وعقده أربعة اجتماعات مع الأسد إن الاستنابات متروكة للمراجع القضائية في البلدين. لم يُثر الحريري الموضوع مع الأسد، إلا أن مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان أوحت الحلّ الذي كان السيّد قد طالب فيه، وهو البحث معه فيه لقاء سحبها، وتحديد المسؤولية المترتبة على شهود الزور، وحقوقه الشخصية.
هكذا عاد الحريري من زيارة دمشق، وقد سلّم بوجهة النظر السورية. توقف عن القول، كدمشق، إنها مسيّسة. إلا أنه لم يتخذ خطوة معاكسة حيال البحث عن حلّ لها يفترض وفق ما يشترطه السيدّ لتساوي المتقاضين، تنحّي المدعي العام التمييزي سعيد ميرزا والقاضي صقر صقر.
كانت دمشق قد نجحت في تسويق موقف قضائها كلما فوتحت بالموضوع. عندما اتصل وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بنظيره السوري وليد المعلم لسحبها، بعد مكالمة أجراها الحريري برئيس الحكومة التركية رجب طيّب أردوغان، وكذلك عندما فاتحت الرياض دمشق في الأمر. ثم انضم الرئيس اللبناني إلى الوساطة نفسها نظراً إلى ورود أسماء شخصيات سياسية بارزة في لائحة الاستنابات، بيد أن دمشق تشبّثت بموقف أنكر تسييسها، وفَصَلَ بينها وبين زيارة الحريري لها. تمسّكت بوجهة نظر دعت إلى مقاربة صلب المشكلة التي جعلت الاستنابات أحد مظاهرها، وهي شهود الزور الذين ترى سوريا أنهم استهدفوا نظامها واستقرارها مقدار استهدافهم الضباط الأربعة وسجنهم أربع سنوات تبعاً لشهادات كاذبة أقرّ المدّعي العام للمحكمة الدولية دانيال بلمار بعدم صدقيتها، وأخرج شهود الزور من ملفات المحكمة.
ورغم ابتعاد المسؤولين السوريين عن الخوض في الاستنابات تأكيداً منهم عدم تسييسها، وإنهم غير معنيين بها ويعدّونها بين أيدي قضائهم، فإن تسلحهم بنصوص أوردها الاتفاق القضائي الموقع بين البلدين عام 1950 يضاعف إصرارهم على حججهم، وهي ضرورة استجابة القضاء اللبناني لما طالب به قاضي التحقيق الأول في دمشق بتبليغ الشخصيات المعنية الاستماع إليها في سوريا. كان قد ربط تلك الاستنابات بإصدار خمس مذكرات توقيف في حقّ خمسة سوريين قال السيّد في دعواه إنهم ضالعون في صنع شهود الزور كما في الإدلاء بشهادات كاذبة (نائب الرئيس السابق عبدالحليم خدّام ومحمد زهير الصدّيق وهسام هسام وأكرم شكيب مراد وإبراهيم ميشال جرجورة). كان القضاء السوري قد تيقّن أيضاً من تسلّم ميرزا الاستنابات في 26 تشرين الثاني، وسرعان ما أكد ميرزا في 6 كانون الأول تسلّمها فعلاً. ثم تسلّم وزير العدل الدكتور إبراهيم نجار نسخة ثانية في 8 كانون الأول عبر وزارتي خارجية البلدين. لكن الاستنابات انفجرت مشكلة سياسية بعدما تريّث المسؤولون اللبنانيون في الكشف عنها، رغم أن السيّد كان أعلن تقديم دعواه يوم 21 تشرين الأول. مذ ذاك مرّ شهران إلى أن تزامن الكشف عنها مع مناقشة البيان الوزاري لحكومة الحريري، ومن ثم استعداد الأخير لزيارة دمشق، مما فتح باباً واسعاً على جدل داخلي ربط بين الاستنابات وزيارة دمشق، وفي أحسن الأحوال جعل هذه تحت وطأة تلك. شاب الحذر أيضاً إمكان الكشف عنها بعد الزيارة، فتبدو كأنها تستهدف نتائجها. في خلاصة الأمر، حسمت دمشق موقفها بأن أصرّت على أن تسلك الاستنابات طريقها الإجرائي، وفصَلَت بينها وبين زيارة الحريري، وأبرزت للأخير تقديرها زيارته لها بحفاوة استثنائية أحاط الرئيس السوري بها رئيس الحكومة اللبنانية.
لكن الحجّة السورية ظلّت متمسّكة بالنصوص القانونية:
تتحدّث المادة 25 عن إجراء التبليغات بلا توسُّل الطرق السياسية،والمادة 27 عن عدم جواز الدولة المطلوب إليها التبليغ رفض إجرائه إلا في الأحوال التي يُخشى أن ينشأ من التبليغ إخلال بالأمن، الأمر الذي لا ينطبق على الاستنابات الحالية.
والمادة 33 التي توجب على الدولة المطلوب منها التبليغ ـــــ في حال تعذّره ـــــ إفادة الدولة الأخرى عن الأسباب.
بالإضافة إلى فقرة ألحقت بالاتفاق القضائي تتيح لرعايا الدولتين اللبنانية والسورية كل منهم داخل حدود الدولة الأخرى، حقّ اللجوء إلى المحاكم بإقامة الدعوى وتقديم الشكاوى والدفاع عن الحقوق بالشروط والحماية نفسها المقرّرة للرعايا الأصليين. أدخلت هذه الفقرة إلى الفصل الثاني تحت بند ضمان حق التقاضي والمعونة القضائية، عبر ملحق الاتفاق الذي وضعته حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري، ووقّعه وزيرا العدل في البلدين بهيج طبارة وحسين حسون.
بالتأكيد تنظر سوريا بكثير من التفهّم إلى ما أقدم عليه السيّد. فالرجل حليفها منذ أعوام طويلة، وكان في صلب النظام السياسي والأمني الذي أدار العلاقات اللبنانية ـــــ السورية والخيارات الإقليمية التي تبنّاها لبنان في العقد ونصف العقد الأخير من وجود سوريا في لبنان. وبعد إطلاقه، استقبله الأسد مرتين في حزيران وتشرين الأول الماضي. كذلك تبرّر سوريا للسيّد إقامته دعوى على شهود زور اشتكت منهم هي بالذات إذ تحوّلوا سلاحاً شُهر في وجهها لتقويض نظامها في حمأة المواجهة بينها وبين الأميركيين والفرنسيين وقوى 14 آذار. أضف أن دمشق تقدّر للسيّد رفضه صفقة حاول إبرامها معه أول فريق عمل في لجنة التحقيق الدولية في ظلّ ديتليف ميليس. وأمكن أكثر من زائر لدمشق أن يسمع من مسؤوليها الكبار، وأيضاً من الرئيس السوري، أنها لا تنسى أن الأعوام الأربعة للسيّد في الاعتقال السياسي كانت بسبب رفضه التحوّل شاهد زور ضد سوريا في اغتيال الحريري.
الآن، ما يبدو واضحاً من المطلعين على الموقف السوري، أن دمشق ليست في وارد سحب الاستنابات ما لم يقدم صاحبها على ذلك. تجد نفسها غير معنية بها. لذلك، تجاهلت أي محاولة للربط بينها وبين زيارة الحريري، وستتجاهل أي محاولة لربط الاستنابات بتحسّن العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. تنظر بكثير من الارتياح إلى المسار الذي تسلكه العلاقات الثنائية منذ عام 2008، وباتت أكثر ارتياحاً بعد زيارة الحريري لها. بل من السهل سماع رأي في دمشق يقول إن زيارة الحريري لم تسقط الاتهام السياسي باغتيال والده الراحل، ويستشهد هذا الرأي بالقسمات المحرجة والمربكة التي ظهرت على وجهه وهو يتقدّم بخطوات متسارعة لمصافحة الرئيس السوري الذي كان، لأربعة أعوام خلت، هدفاً مباشراً للحريري وحلفائه، عندما تحوّل شهود الزور وسيلة رمت إلى ربط الاتهام السياسي للأسد باغتيال الحريري بأدلة تعزّز هذا الاتهام. كان الحريري يذهب لمصافحة مَن اتهمه يوماً بقتل والده. إلا أن شهود الزور سقطوا مع إطلاق المحكمة الدولية سراح الضباط الأربعة، ثمّ تنصّلها من شهود الزور.
هكذا استقبلت دمشق الحريري بحفاوة سياسية وبالتفاتات شخصية من الأسد، دون أن تسكنها أوهام بأن زائرها أسقط اتهاماً كان قد سقط يوم 29 نيسان الماضي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018