ارشيف من :أخبار لبنانية
المتضررون من الاستراتيجية الدفاعية يفضلون تأجيل طاولة الحوار
جورج علم - صحيفة السفير
انعقد الاجتماع الثنائي بين رئيسي الجمهورية العماد ميشال سليمان، والحكومة سعد الحريري، مساء الثلاثاء على وقع فرضيّتين، الاولى: ان انفجار حارة حريك قد يكون نتيجة عمل مخابراتي. والثانيّة: قد يكون نتيجة اهمال، او خلل ما... وكان تفاهم على ان ما حصل، يهدد الاستقرار الامني، والسلم الاهلي، ويشكّل امتحانا للحكومة لاختبار قدرتها على المواجهة والتصرّف كفريق عمل متجانس.
وأثار الحادث اهتمام دول شقيقة وصديقة، كما حرّك موجة من الاتصالات المستفسرة، ووقفت سوريا ـ استنادا الى مصادر ثقة ـ تراقب المشهد لمعرفة حقيقة ما يجري، ومدى الشفافية في التعاون بين «حزب الله» والأجهزة الرسميّة المختصّة، لوضع الامور في نصابها الصحيح، وتوفير الاجوبة عن مجموعة من الاسئلة التي فرضت نفسها انطلاقا من ان ما جرى في حارة حريك هل يمكن تصنيفه في خانة «بنك الحوافز» الذي ستستخدمه اسرائيل في الوقت الذي تختاره لتغطية اي عدوان تعدّ له لقصف «بنك الاهداف» في لبنان؟، وهل ان الحادث يستهدف الصفحة الجديدة التي فتحت بين بيروت ودمشق، والنتائج التي توصّل اليها الرئيس الحريري خلال محادثاته المعمّقة مع الرئيس بشّار الاسد؟.
ماذا توافر من اجوبة عن هذه الاسئلة؟، وإلامَ انتهت حركة الاتصالات والتحريات والاستقصاءات؟.
خلال الاجتماع بين الرئيسين سليمان والحريري كان توافق على وضع دمشق في صورة ما جرى ويجري، وقبل ان يتوجه رئيس الجمهورية الى باريس كان مطمئنا الى ان التنسيق والتعاون بين الاجهزة المختصّة و«حزب الله» قد انطلق بخلاف الحملات المغرضة، وإن المعلومات التي توافرت تستدعي اقصى درجات التكتم والسريّة لكشف كلّ التفاصيل، وتكوين صورة واضحة منزّهة من المزايدات، سواء اتت من هذا الجانب، او من ذاك، وان «شبكة من الامان» قد وفّرتها الاتصالات المباشرة بين بيروت ودمشق، بالإضافة الى بعض عواصم الدول الشقيقة والصديقة لسدّ الثغرات التي تحاول اسرائيل افتعالها بهدف ارباك الوضع الداخلي، وفرض اجندة جديدة على الحكومة قبل ان تنطلق هذه في ورشة العمل لوضع ما جاء في بيانها الوزاري موضع التنفيذ.
وأدت الاتصالات هذه ـ وفق معلومات القصر الجمهوري ـ الى تحويل زيارة الرئيس سليمان الخاصة الى باريس الى زيارة عمل، وأن تفاهما قد تمّ على عقد اجتماع مع الرئيس نيكولا ساركوزي «لإجراء جردة حساب» تتناول العلاقات الثنائية والتحديات التي تواجه لبنان في هذه المرحلة.
واستنادا الى مصادر دبلوماسيّة، فإن باريس كانت متحمّسة لهذا اللقاء لأسباب منها: الحرص على استقبال الرئيس سليمان قبل ان تستقبل الرئيس الحريري هذا الشهر (كانون الثاني) والاطلاع على ما لديهما من تطلعات، وأيضا من مخاوف وهواجس، والتعويل على الصفحة الجديدة ما بين بيروت ودمشق لمعالجة الفتور الذي اعترى العلاقات الفرنسيّة ـ السوريّة نتيجة التباين في وجهات النظر حول سلّة الشروط التي ادت الى تأخير ابرام اتفاق الشراكة والتعاون مع الاتحاد الاوروبي، والتفاهم على عدد من الخطوات التي يجب اتخاذها لتحصين القرار 1701، وبالتالي الساحة الداخليّة ضدّ الاستهدافات الخارجيّة.
وكان بعض سفراء الاتحاد الاوروبي قد وضعوا عددا من المسؤولين في صورة تكوّنت لدى دولهم عن حادث التفجير في حارة حريك. واستنادا الى ما هو متداول، فإن الحادث ايّا كانت اسبابه ودوافعه، فإن الجهة المستفيدة هي اسرائيل، سواء اكانت هي المتورطة في افتعاله، او بعيدة عن دائرة الاتهام، وقد وظّفته على الفور لدعم حملتها الاعلاميّة ـ الدبلوماسيّة ضدّ «حزب الله» وسلاحه، والنفوذ الكبير الذي يتمتع به سواء داخل الحكومة، او على ارض الواقع.
وإستنادا الى ما تردد، فإن اسرائيل بادرت الى طرح مجموعة من الاسئلة، وشاركتها دول الاتحاد الاوروبي في ذلك، حول وجود مقرّ لـ«حماس» في الضاحيّة، وهل السلطات اللبنانيّة على علم به، وهل تمّ ذلك بموافقتها، ام نتيجة تفاهم ثنائي بين قيادتي «حماس» و«حزب الله» الذي يتمتع بنفوذ واسع في تلك المنطقة التي يعتبرها البعض «مربّعه الامني»؟. وأين تكمن مصلحة « الحزب» في اعطاء اسرائيل ذريعة من خلال الانتشار الذي تمارسه «حماس» خارج نطاق المخيمات، في وقت يواجه فيه اشرس حملة كانت قد بدأتها اسرائيل منذ فوزه في الانتخابات النيابيّة، ثمّ طوّرتها لتستهدف حكومة الوفاق الوطني بعد مشاركته في عضويتها، وموافقة الرئيس الحريري على الاخذ بغالبيّة المطالب التي سبق وتقدّم بها مع حلفائه عند التأليف.
وما يقلق الاوروبييّن، والفرنسييّن بشكل خاص، ان حادث التفجير لا يمكن عزله عن السياق العام، وهو يأتي بعد التباين الواضح في وجهات النظر بين الرئيسين اللبناني والاميركي حول كيفيّة تنفيذ القرار 1701، وبعيد انفتاح رئيس الحكومة على سوريا، وقد جوبه برفض اسرائيلي وامتعاض اميركي عبّرت عنه واشنطن من خلال سفيرتها في بيروت ميشيل سيسون التي اكدت ان القرار الدولي 1559 وحده يشكل الاطار الصحيح للعلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة مع اصرار على تنفيذه بكامل مندرجاته، وانتقاد المحاولات اللبنانية الهادفة الى تجاوزه.
على المستوى المحلّي، هناك متضررون جديّون من عودة البحث في بندي الاستراتيجيّة الوطنيّة الدفاعيّة، والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وكيفيّة تنظيمه داخلها. اما على المستوى العربي فهناك القائل برفض الطاولة بعدما اكد عليها اتفاق الدوحة، ايذانا للعودة الى اتفاق الطائف ودستوره، الى قائل بأن الطاولة اذا ما عقدت فستكون تحت المظلّة السوريّة، وأن سوريا ـ بعد الصفحة الجديدة التي فتحها الحريري ـ ستتولى لأسباب تتعلق بمصلحتها، او بطلب من المتحاورين، التدخل لتدوير الزوايا الحادة في ما بينهم، وعند مقاربتهم للقضايا الشائكة والملفات الصعبة والحساسة. اما على المستوى الدولي فليس هناك ما يشجّع الاميركييّن على دعم الطاولة «خصوصا اذا كان حزب الله من ابرز ضيوفها»، لأن واشنطن، بتحريض من اسرائيل، ترفض «ان يسجّل الحزب المزيد من المكاسب السياسيّة على الطاولة تضاف الى تلك التي حققها ان في حكومة الوفاق الوطني او في البيان الوزاري».
لكن، على الرغم من كل ذلك، يبقى الرئيس سليمان مصرّا على انعقاد طاولة الحوار لاقتناعه بأهميتها كملتقى حواري يتصدّى للملفات الشائكة والمواضيع الحساسة، وكمتنفّس للرؤوس الحامية والصدور المشحونة، وكضامن للاستقرار الامني، وحماية السلم الاهلي بحيث تبقى الكلمة لغة للتخاطب، وتبقى اللقاءات المباشرة نصف الطريق نحو المصالحة الفعليّة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018