ارشيف من :أخبار لبنانية

نور عاشوراء يهزم عصر" الانوار" !

نور عاشوراء يهزم عصر" الانوار" !

مرة اخرى يخسر "الافندية " المعركة امام تحالف علماء الدين وجمهور العامة والبازار, والسبب بسيط لجهل هؤلاء وعدم ادراكهم حقيقة الناس و قوة هويتهم الدينية والثقافية المقدسة تماما كما حصل معهم في الحادي عشر من شباط في العام 1979م !


لقد دق اشباه المثقفين "المتنورين" هؤلاء في الايام الاخيرة آخر مسمار في نعش ما بات يعرف بجبهة "الاصلاحيين" الذين يزعمون انهم منتمين اليها , عندما حولوا انفسهم الى مطية بيد عصابة من المشاغبين والمأجورين المضادين للسلطة من نوع المناوئين لاصل الدين والهوية الثقافية الايرانية المقدسة , من خلال الاعمال التي انتهكوا فيها مراسم يوم العاشر من محرم الحرام اي يوم استشهاد الامام الحسين عليه السلام وهو الامام الرمز لكل ايراني ذو غيرة - من الساكنين في لوس انجلوس الى الساكنين في قم المقدسة - ايا تكن معتقداته حتى لو كان لا يحمل في جنباته من "غيرة" الدين الا البكاء على الحسين !


وسائل الاعلام الاجنبية من جهتها بما فيها تلك التي ادعت الحيادية ومنها الناطقة بالعربية هي الاخرى خسرت الرهان كما المصداقية في هذه المعركة ايضا , عندما وصفت ما جرى يوم العاشر من محرم بانه "احتجاج للاصلاحيين" استحى منه حتى اكثر الاصلاحيين شراسة في مناوئته للنظام وهو كروبي من تبنيه عندما اتهم النظام وقوات البسيج بانها هي من كانت وراء ما حصل في ذلك اليوم , على حد قوله !


نفس الخطأ كررته هذه الوسائل الاعلامية وفي غالبية الفضائيات عندما وصفت ردة فعل الشارع الايراني المتدين في الايام التي تلت تلك الواقعة بانها "مظاهرات مدفوعة الثمن نظمتها الحكومة" للرد على احتجاجات الاصلاحيين !


 في هذه الاثناء فان الافندية هؤلاء خصوصا ذلك الطيف منهم من جماعة "التنوير" المنبهر بنظريات هابر ماس وغيره من فلاسفة الغرب الجاهلين باوضاع بلادنا , ومعهم جماعة وسائل الاعلام الاخطبوطي الامبراطوري الذي لا يعتبر اي خبر "يقينا" الا ان تؤيده رويترز او البي بي سي او فرانس برس في اسوأ الحالات ,يضاف اليهم كتبة التقارير للقناصل والسفارات الاجنبية , ظنوا للحظة لشدة جهلهم بحقيقة ما كان يجري على الارض , بان ايران تتجه بالفعل الى الاشتعال وحدوث ثورة جديدة , وان شوارع طهران باتت تحت سيطرة المعارضة !
 
فلما حصل ما حصل على مدى الثلاثة ايام التي تلت" واقعة" عاشوراء الجديدة , بهت الذي كفر وتاه في خضم ما حدث , وفقد اتجاه البوصلة وبات يضرب اخماسا باسداس !


بينما الحكاية بسيطة للغاية ويمكن ادراكها بسهولة من قبل الجميع - وان كانت من النوع السهل الممتنع – الا على الذين في قلوبهم مرض البتة  !


فلما كان جمهور الموالاة والمعارضة الدينية الداخلية هم من جنس واحد من حيث العقيدة والانتماء , ولما كان اركان ورموز المعارضة الدينية الداخلية هؤلاء سذج بالسياسة بما فيه الكفاية عندما قاموا بفتح باب "الانتماء" الى من هب ودب من القوى المناوئة للسلطة لاشراكهم فيما سموه ب "الشبكة الخضراء" , ولما كانت السلطة تملك ذلك الكم الهائل من المعلومات عن اصناف واطياف المناوئين من مدارس اليسار والقوميين والشاهنشاهيين والمنافقين والمنتفعين وغيرهم واحيانا تعرف اوكارهم , فقد "استدرجت" كل تلك الاطياف المعادية للدين الى الساحة" الحرام" فخرجت من اوكارها بالفعل ووقعت في الفخ المنصوب ,فبهت الذي كفر في هذا السياق ايضا , وكانت يوم القيامة الدينية الكبرى التي استنفرت التاريخ كله واختلط جمهور الموالاة وجمهور المعارضة في يوم عاشورائي حسيني كربلائي مليوني طال انتظاره ستة اشهر, وحد فيه العاصمة السياسية طهران بكل احيائها مع العاصمتين الدينية والثقافية اي قم المقدسة واصفهان  لتقول للمعارضة الدينية الداخلية "كش مات" !


 وهكذا فانه لم يبق امام رموز المعارضة الدينية الداخلية هؤلاء اذن سوى ان يستنكروا ما حصل او يتهموا حتى من قبل جمهورهم بانهم معادون للدين والمقدسات بع ان اتهموا سابقا بالانكفاء والتراجع عن  القيم التي قامت عليها الثورة وارتكز اليها النظام !


باختصار شديد يمكن القول بان من راهنوا على ثقافة وقيم الاربعة عشر قرنا هم الذين انتصروا على اولئك الذين راهنوا بسبب قصر نظرهم على ثقافة عمرها لا يتجاوز المائتي عام من عمر "التنوير " !
ولما كانت امبراطورية الزيف والتدجيل الاعلامي الدولي المنتفخة بالكذب تسير جنبا الى جنب مع حركة السفارات والقناصل الاجنبية التي تقود حرب زعزعة استقرار ايران من الداخل جاهلة وغبية وحمقاء كما اسلفنا , فقد ساهمت هي الاخرى في حرق رموز المعارضة الدينية الداخلية عندما احرجتهم بنسب كل ما حصل يوم العاشر من محرم لهم  - بالرغم من ان لا احد منهم صرح ولا اذاع بيانا يدعو فيه انصاره للنزول في ذلك اليوم – فقد زاد ذلك في الطين بلة , فا ذا بهم يصبحون مصداقا لمضمون  الآية الشريفة يخربون بيوتهم بايديهم وبايدي المؤمنين !


وهكذا وبعد ستة اشهر من الكر والفر نستطيع القول بان "صيغة اللعبة" قد تغيرت وكذلك "قواعد الاشتباك" بعد ان خسرت المعارضة الدينية الداخلية معركة الشارع ايضا  بعد ان كانت قد خسرت معركة صناديق الاقتراع بالامس القريب  .


اما الاجنبي المعادي الكامن لايران , وما تبقى لديه من حطب يعتاش منه  في الخارج ممن  لفظتهم الجماهيرالتي تعشق رموزها وهويتها الدينية والثقافية, او طردتهم احزابهم الداخلية او فضحتهم ممارساتهم الفاسدة خلال مدة مشاركتهم في الحكم سابقا , فان هؤلاء لا يساوون شيئا امام اسرة بهلوي التي لفظها هذا الشارع الايراني المليوني نفسه عندما كان فارغ اليدين , فيما كانت هي مدججة بالسلاح ومدعومة من اعتى الامبراطوريات والصهيونية العالمية , فكيف بها اليوم وهي –  اي هذه الجماهير المليونية – مسلحة بجمهورية اسلامية حازمة السلطان وقاطعة البرهان !


لقد احدثت حرب الستة اشهر الاخيرة والتي باتت تعرف بالحرب الناعمة رغم خسائرها المادية واحيانا المعنوية , تحولا نوعيا في الحراك الجماهيري التغييري في ايران , ما جعل البعض يصف ما يحصل اليوم بانه اشبه ما يكون بالثورة الجديدة او معركة الاستقلال الثاني , لاسيما بعد دخول الجيلين الثالث والرابع للثورة في خصم هذا الحراك , الامر الذي سيعني ليس فقط ادخال دماء جديدة الى جسم الثورة والنظام , بل ونفخ الر وح مجددا في البقية الباقية من صالح قوم الجيلين الاول والثاني , وهو امر مهم للغاية يوازي عمليا ضعف عدد السقوط والرسوب الكبير لجمع لا باس به من نخب الاشراف و"شورى التجار" الفاقدين للبصر ولبصيرة كما ونوعا !


وهذا التحول بدوره هو ما سيحسم المعركة الكبرى التي يستعد لها النظام في السنة الجديدة  مع الغرب الاستعلائي المتعجرف والذي لا يريد التعلم من تجارب الماضي القاطعة في برهانها , بان من يمسك بالارض هم اصحاب الارض الاصليين , وليس الطارئين والمستأجرين , لا سيما اذا كانوا من النوع الرخيص والبالي والمجرب , وكما يقول المثل : من جرب المجرب حلت به الندامة او راسه مخرب !

المحلل في القضايا الاستراتيجية الايرانية محمد صادق الحسيني

2010-01-04