ارشيف من :أخبار لبنانية

إيهود باراك وبعض 14 آذار ونظريّة سحب الذرائع

إيهود باراك وبعض 14 آذار ونظريّة سحب الذرائع

قد تكون الصدفة جمعت بين أطراف لبنانية تعادي حزب الله بوصفه مقاومة، وتطالبه بضرورة سحب الذرائع أمام إسرائيل و«تسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني»، كي لا تقدم تل أبيب على عدوان جديد على لبنان، وبين حديث وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك قبل أيام، عن أن «إسرائيل تحاول مجابهة حزب الله من خلال سحب الذرائع من أمامه، منعاً للحرب معه». قد تكون الصدفة أيضاً أن تقوم الرواية الإسرائيلية عن سلاح حزب الله بأنه غير شرعي، وخارج عن إطار شرعية بلاده وسيادة الدولة اللبنانية، وبالتالي وجود استباحة وشرعية دولية لاستهدافه، وبين إصرار أطراف لبنانية على أنه «لو اجتمعت كل أمم الأرض وقالت إن سلاح حزب الله شرعي، فسنقول إنه غير شرعي».

تملك إسرائيل في مواجهة حزب الله، في ما تسمّيه الوقت المستقطع قبل وقوع الحرب المقبلة، عامل الردع والتلويح بأنها لن تتوانى عن ضرب المدنيين اللبنانيين إذا ما أقدم على عمل «عدائي» ضدها، على أمل أن يحقق الردع تأجيلاً للحرب إلى الوقت الذي يتناسب مع جهوزيتها ومخططاتها وظروفها، إذ من الصعب على إسرائيل أن تسلّم بوجود قوة عسكرية تترصدها في لبنان، ولديها النية الفعلية على استخدام ما لديها من قدرات ضدها، إذا حاولت تل أبيب فرض إرادتها السياسية على هذا البلد.

إلا أن عامل الردع، بطبيعته، عامل غير مادي وغير قابل للقياس، ويمكن أن يتغيّر باستمرار، حتى إذا لمست إسرائيل نجاعته في ظرف زمني ما، ما يلزم تل أبيب إطلاق تهديدات بين الحين والآخر، وتذكير الجانب اللبناني بـ«جبروت الجيش الإسرائيلي»، أملاً في المحافظة على منسوب ردعي مقبول نسبياً، في وجه حزب الله، يحول بينه وبين تفعيل قدراته العسكرية ضدها.

رغم ذلك، ورغم الجهد الإسرائيلي المستثمر في هذا المجال، إلا أن عامل الردع يبقى عاملاً غير كافٍ ليحقق لإسرائيل ما تبغيه حيال حزب الله، وخاصة أنها ترصد تعاظماً عسكرياً متواصلاً للحزب، وهذا تحديداً ما أقرّ به رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء عاموس يدلين، في محاضرته الشهيرة في مركز دراسات الأمن القومي قبل أسبوعين، إذ رأى أن الردع ليس عاملاً وحيداً يمكن أن يمنع حزب الله من اتخاذ خطوات ضدها، وأشار إلى وجود عوامل أخرى لا تقلّ أهمية، ومنها «استغلال الهدوء المؤقت لبناء القوة تمهيداً للجولة (العسكرية) المقبلة» مع إسرائيل، ومن العوامل التي يراها يدلين تحول بين حزب الله وإسرائيل: «صراع مع القوى الداخلية على الساحة اللبنانية، والتي تتطلب من حزب الله صرف طاقة وموارد، والاشتباك مع إسرائيل قد لا يساهم في تعزيز موقفهم الداخلي».

ويمكن القول إنها صدفة، رغم أن البعض قد يراها غير ذلك، أن ترتفع أصوات لبنانية داخلية معارضة لسلاح حزب الله، وتطالب بنزعه، في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات التهديد الإسرائيلي للبنان ومن أعلى المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، علماً بأن مردّ التهديدات الإسرائيلية، في العادة المتبعة من جانب الدولة العبرية، أن ترى (إسرائيل) تراجعاً في منسوب ردعها حيال حزب الله، أو أنها تتهيأ لعدوان ما، أو كلاهما معاً.

وتعدّ المناكفة الداخلية لحزب الله، والتصويب على سلاح المقاومة وضرورة نزعه، مصدر سرور عظيم لإسرائيل، لأنها تصبّ في الخانة التي أشارت إليها استخباراتها، أي صرف طاقة وموارد من حزب الله لمواجهة المناكفة الداخلية، بل ترى إسرائيل أنها تسهم في قرار الامتناع عن الاشتباك معها، بما يمكن تسميته عامل «الانكباح الذاتي» لحزب الله عن الإضرار بالدولة العبرية، وهو واقع يختلف في مكوّناته مع مكوّنات الردع. إذ تسرّ إسرائيل كثيراً بأن تسمع، خدمة لهذا المطلب، حديث بعض المسؤولين اللبنانيين عن خطورة سلاح حزب الله على لبنان، أو أن سلاحه يهدف إلى خدمة «الأمة الإسلامية» على حساب «الأمة اللبنانية»، وأيضاً أن تسمع أن عدداً من النواب اللبنانيين يحاولون تقديم طعن في البند السادس من البيان الوزاري، لأنه يعطي الشرعية لسلاح المقاومة ومنطق مواجهة اعتداءات إسرائيل، بل تسرّ أكثر أن تسمع أحد المسؤولين اللبنانيين يقول إن «خلافنا الرئيسي مع حزب الله ليس مع السلاح بحدّ ذاته، فالسلاح هو إحدى نتائج هذا الخلاف... إن الأمور أبعد وأعمق من ذلك، بنظرة حزب الله إلى الكيان اللبناني».

في العودة إلى كلام باراك، وحديثه عن سحب الذرائع من أمام حزب الله كسبب للانسحاب من الشطر الشمالي المحتل من قرية الغجر، وأيضاً تأكيده أن ذلك يأتي في إطار «تسوية القضية وفق القرار 1701»، إشارة إسرائيلية في اتجاهين، من قبل مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى: ان اسرائيل تنوي تطبيق قرار صادر عن الأمم المتحدة، على غير عادة منها، وأنها تنوي الانسحاب من أرض لبنانية محتلة، كي «تسحب الحجة الأكبر التي يستخدمها حزب الله»، بحسب تعبير باراك. وكلا الاتجاهين، تطبيق اسرائيل القرارات الدولية وسحبها للذرائع من أمام حزب الله، لا يعودان الى إحسان من اسرائيل تتفضل به على لبنان، وأيضاً لا يعودان الى منطق التراكض وراء القرارات الدولية من قبل بعض اللبنانيين، بل هما قراران يدفع حزب الله تل ابيب إلى اتخاذهما، ويدفعها تحديداً سلاح المقاومة، الذي يرى البعض أنه يمثّل خطراً على «الأمة اللبنانية».

يحيى دبوق- صحيفة " الاخبار"

2010-01-04