ارشيف من :أخبار لبنانية
نظرة في الحالة الاقتصادية في لبنان
سليم الحص - صحيفة السفير
نطالع الأرقام التي بلغتها موجودات لبنان ومطلوباته الخارجية فنشعر أحياناً كمن يلحس المبرد. لا شك في أننا نعيش في نعمة عدم الوقوع في بؤرة الأزمة العالمية. لقد سلمنا حقاً من أسوأ تداعياتها. وهذا ليس بالأمر الهيّن. إلاّ أن ميزان مدفوعاتنا يحملنا على التساؤل ما إذا كانت النعمة كلها نعمة.
المفارقة أن استقرارنا النقدي يقاس بقيمة الليرة في مقابل الدولار، فقيمتها مستقرة حقاً بارتباطها بالدولار. إلا أن الدولار الأميركي لم يعد عملة مستقرة، فهو يعلو ويهبط في أسواق العملات وفق العرض والطلب. فما معنى استقرار عملتنا وقاعدة المقارنة، أي العملة الأميركية، غير مستقرّة.
ثم إن غشاء الاستقرار يخفي وراءه أزمة بطالة مقنعة في صفوف اليد العاملة. وواقع البطالة محجوب إلى حد مشهود بظاهرة الهجرة الكثيفة إلى الخارج ولا سيما في صفوف الشباب المثقف وذوي الاختصاصات العالية. وهذه الهجرة كانت عاملاً مساعداً على تعزيز دفق الأموال الواردة من بلدان الاغتراب إلى لبنان. وهذا الدفق غدا مرموقاً في حجمه السنوي، وقد صبّ ويصبّ في تعزيز احتياطات لبنان من العملات الأجنبية عبر التحويلات التي يجريها المغتربون.
وهجرة الشباب إلى الخارج ظاهرة إيجابية إلا أن لها وجهاً آخر هو سلبي. وذلك بمعنى أن الهجرة تفقد لبنان طاقات ضخمة كان الأحرى أن توظف في تنمية الناتج المحلي اللبناني لو وجدت الفرص لذلك بخاصة في القطاعين الصناعي والزراعي.
ثم إن الإيجابية الكبرى التي حققها لبنان خلال المرحلة الأخيرة تمثلت في تعاظم حجم الإيداعات المصرفية ورصيد مصرف لبنان المركزي من العملات الأجنبية. هذه الإيجابية لها أيضاً وجه آخر يتراءى عبر التساؤل: أين أبواب توظيف هذه الأموال وهذه الأرصدة؟ علماً بأن هذه الأموال تشكّل عبئاً على الاقتصاد الوطني ما لم يتم توظيفها في أبواب مثمرة. فالإيداعات يترتب عليها فوائد للخارج. والمعروف أن باب التوظيف الأكبر الذي انصبت فيه إيداعات المصارف هو سندات الخزينة التي تصدرها الدولة اللبنانية لتمويل عجز الخزينة.
وأبواب التوظيف المجدي الأخرى بخلاف ذلك محدودة جداً. وعجز الخزينة لا يشكّل ظاهرة عافية في الاقتصاد الوطني اللبناني، خصوصاً وأن حجم الدين العام بلغ مستوى رفيعاً جداً وهو إلى مزيد من الارتفاع ما دام هناك عجز في خزينة الدولة. ولا يبدو أن الدولة اللبنانية وجدت الحل الملائم والحاسم لمعالجة آفة العجز في الموازنة العامة. وقد شكلت الفوائد المستحقة على الدين العام المصدر الأول لعجز الموازنة سنوياً. هكذا نبدو وكأننا نلحس المبرد.
هناك معيار مألوف لعبء الدين العام على الاقتصاد الوطني، يتمثل في حاصل قسمة مجموع الدين العام على إجمالي الناتج المحلي، وقد بلغ هذا المؤشر مؤخراً نحو 160 بالمئة، وهذه نسبة عالية جداً بالمقاييس الدولية، هذا مع العلم أن الرقم الذي يسجل على هذا الصعيد ليس دقيقاً باعتبار أن تقدير إجمالي الناتج المحلي كثيراً ما يتفاوت بين الجهات التي تقوم بالتقدير. أما الدين العام فرقمه دقيق عموماً اللهم إلا من حيث أن الرقم المعلن قد لا يشمل جميع المتوجبات المالية على الدولة، فكثيراً ما لا يؤخذ في الحساب مطلوبات غير مسددة في ذمة وزارات وإدارات مختلفة من مثل قيمة مشاريع منفذة وغير مدفوعة أو متوجبات غير مسددة على وزارة الصحة أو وزارة الشؤون الاجتماعية أو وزارة الاشغال العام.
بلغ عبء الدين العام مؤخراً نحو 160 بالمئة وذلك على افتراض أن مجموع الدين العام بلغ نحو 50 مليار دولار وتجاوز إجمالي الناتج المحلي مبلغ 30 مليار دولار. وبنهاية العام 2009 أظهرت ميزانية مصرف لبنان أن مخزون الذهب بلغت قيمته نحو 15,17 ألف مليار ليرة لبنانية، وأن موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بلغت نحو 43,65 ألف مليار ليرة، وبلغت محفظة الأوراق المالية لدى مصرف لبنان نحن 811,55 ألف مليار ليرة، (ويضم هذا الرقم موجودات المصرف المركزي من سندات الخزينة اللبنانية).
وإذا كانت الليرة اللبنانية مستقرة بالقياس إلى الدولار الأميركي، وإذا كان دفق الأموال والرساميل من الخارج مستمراً لا بل إنه ازداد زخماً خلال الأزمة المالية العالمية ومن جرائها، فهذا يجب ألا يحجب أنظارنا عن ضرورات توطيد ركائز اقتصادنا الوطني بحيث يتعزز نصيب الإنتاج الصناعي والزراعي في قيمة الناتج المحلي فلا يبقى التركيز في إدارة التنمية الاقتصادية على السياحة والخدمات على النحو الذي كان قبل أن توجه، كما ينبغي، نسبة أعلى من جهود التنمية صوب مزيد من التنمية الصناعية والزراعية، بذلك تتعزز مقومات النمو المرتبطة بعوامل داخلية وبذلك نزداد وثوقاً باحتمالات الاستقرار الاقتصادي العام.
صحيح أن لبنان نجا على نحو جلي من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أن الواقع أن الاقتصاد اللبناني تلقى بعض أصدائها: كان ذلك، إذ صرف من الخدمة بعض العاملين في الأقطار العربية التي كانت أكثر انكشافاً على ارتدادات الأزمة العالمية من سواها. وكان من الممكن أن يكون دفق التحولات المرسلة من الاغتراب اللبناني أكثر مما كان منذ اندلاع الأزمة العالمية. وكان من العوامل التي حفظت الاقتصاد اللبناني من تداعيات حادة للأزمة العالمية أن دول النفط العربية استطاعت تجاوز الصدمات الأولى للأزمة بما كان يتوافر لديها من احتياطات مالية متراكمة من الماضي. وهذا يصحّ في شكل خاص على المملكة العربية السعودية والكويت وأبو ظبي وليبيا.
إن المناعة التي أظهرتها العملة اللبنانية والقطاع المصرفي والقطاع السياحي مكنت لبنان ليس فقط من الصمود في وجه العاصفة بل أيضاً جني إيجابيات واضحة من جراء توجه الأموال والرساميل صوبه نظراً لتقلص آفاق الاستثمار في أسواق أوروبا وأميركا، ونمو سوق الخدمات، ومنها السياحة، إذ تضاءلت أو كادت آفاق النمو على هذه الصعد في أسواق أميركا وأوروبا وبعض الأسواق الآسيوية، فتوجهت بعض هذه الأنشطة صوب لبنان.
وفي دعوتنا إلى تكثيف الجهود لتنمية الإنتاج الصناعي والزراعي لا يغرب عن بالنا أن التنمية على هذين الصعيدين تفترض تأمين أسواق رحبة للإنتاج اللبناني. والأسواق الطبيعية للإنتاج اللبناني تتراءى في الأقطار العربية المجاورة بوجه خاص. فلا بد من إجراء دراسة وافية لخريطة الطريق التي يتعين سلوكها في توسعة الأسواق العربية للإنتاج اللبناني. ولنذكر في هذا الصدد أن الأسواق الأوروبية لم تتوسع على الوجه المنشود إلا عبر تحقيق السوق الأوروبية المشتركة ثم الإتحاد الأوروبي. أنّى لنا بمثل ذلك؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018