ارشيف من :أخبار لبنانية
باريس 3 = خصخصة وزيادة ضرائب وتجميد كتلة الأجور
محمد زبيب - صحيفة الاخبار
عُقد اجتماع باريس 3 في 25 كانون الثاني من عام 2007، في ظل انقسام سياسي داخلي وتدخّلات خارجية فاقعة وتشكيك واسع في شرعية الحكومة حينها. فقد استقال منها كل الوزراء الشيعة (وزراء حركة أمل وحزب الله إضافة إلى الوزير الأرثوذكسي يعقوب الصرّاف)، وبدأت المعارضة للتو بتحرّكات في الشارع ونفّذت اعتصاماً مفتوحاً في وسط بيروت للمطالبة بالمشاركة في السلطة عبر منحها الثلث المعطّل، الذي لم تنله إلا بعد سنة ونصف سنة، إثر أحداث السابع من أيار عام 2008 وتوقيع اتفاق الدوحة.
أهداف
كان الصراع الداخلي على أشدّه، وكاد يُطيح احتمالات السلم الأهلي. فمن بقي في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى راهن بقوّة على الدعم الخارجي الاستثنائي، الذي وفّرته الإدارة الأميركية والرئاسة الفرنسية في عهد جاك شيراك والسعودية ومصر، وبدا لهؤلاء أن الفرصة سانحة لتوسيع دائرة هذا الدعم ليشمل تقديم هبات مالية ضخمة تضمن استمرارية تلك الحكومة وقدرتها على إدارة منظومة المصالح التي يمثّلها أركانها، ولا سيما بعد بلوغ المديونية العامّة، المصرّح عنها رسمياً، مستوى 40.5 مليار دولار، أي أكثر من 200 في المئة من مجمل الناتج المحلي، ما زاد من مخاطر القطاع المصرفي، وبالتالي تراجعت قدراته التمويلية في مقابل تزايد الحاجات الإنفاقية بوتيرة دراماتيكية بسبب مظاهر الفلتان وتجييش الشارع ومحاولات الاستئثار بأجهزة الدولة ومؤسساتها وشراء الولاءات في ذروة التوتر الأمني والمذهبي.
نجح اجتماع باريس 3 في حشد عدد كبير من الدول والمؤسسات المانحة، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق مطالب الحكومة التي كانت تتوق إلى الحصول على هبات بقيمة 9 مليارات دولار مخصصة لدعم الموازنة وخدمة الدين العام. فقد قرر المشاركون منح لبنان تمويلات بقيمة 7.6 مليارات دولار، منها 981 مليون دولار فقط هبات مخصصة لدعم الموازنة، و1403 ملايين دولار قروضاً مخصصة للغاية نفسها، فيما بقية التمويلات هي قروض ميسّرة لتنفيذ مشاريع عامّة، لا تهتم بها الحكومة، ولدعم القطاع الخاص، علماً بأنّ هذه الحصيلة جاءت بعد مفاوضات قامت بها وزارة المال على مدى شهور أعقبت انعقاد الاجتماع من أجل إقناع العديد من المموّلين بتحويل تمويلاتهم المخصصة للمشاريع إلى دعم الموازنة. فالحصيلة الأولى كانت تنطوي على خيبة أكبر، إذ لم تكن الحكومة قد نالت فعلياً سوى مليار دولار لدعم الموازنة.
في المقابل، تقدّمت الحكومة ببرنامج يتضمن التزامات محددة بزيادة الفائض الأولي في الموازنة عبر تجميد فاتورة الأجور وتقليص حجم القطاع العام وتقليص الإنفاق الاستثماري وزيادة العديد من الضرائب وتعرفات الخدمات وخصخصة العديد من القطاعات والمرافق، وطلبت من بعض المانحين والمقرضين تضمين هذه الالتزامات كشروط مسبقة لتنفيذ اتفاقيات التمويل، لإدراكها صعوبة إمرار مثل هذه الالتزامات في ظل الظروف السائدة، فسعت إلى الترويج أن لبنان سيخسر فرصة الاستفادة من هذا الكم من التمويل الميسّر إذا لم تستجب الحكومة لشروط المانحين الدوليين، فبدأ يزدهر خطاب غريب يتناقض مع شعارات «السيادة» المزدهرة، يقول بأن مشيئة «الواهب» هي أقوى وأعلى مرتبة من المصالح الوطنية والحقوق الاجتماعية.
لقد وقّعت تلك الحكومة عشرات الاتفاقيات التمويلية، في إطار باريس 3، ومنها اتفاقيتان مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية تتضمنان شروطاً تقضي بخصخصة قطاعي الاتصالات والطاقة، علماً بأن التمويلات المرتبطة بهذين الشرطين تبلغ فقط 225 مليون يورو في الاتفاقية مع فرنسا و75 مليون دولار في الاتفاقية مع الولايات المتحدة.
مخالفات دستورية
هذه الاتفاقيات تفتقد الشرعية الدستورية، لكونها لم تُبرم وفقاً لأحكام الدستور، ولا سيما المادتين 52 و88، فالأولى تمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض على المعاهدات الدولية، وتفرض تصديق مجلسي الوزراء والنواب على هذه المعاهدات إذا كانت تتضمن شروطاً مالية، كما هي حال اتفاقيات باريس 3 كلّها. أمّا المادة الأخرى فتنص صراحة على إحالة كل اتفاقية قرض، مهما كانت، على مجلس النواب من أجل الإجازة للحكومة بتوقيعها.
تذرّعت الحكومة بالظروف الاستثنائية السائدة حينها من أجل مخالفة أحكام الدستور. فهي كانت تقاطع رئيس الجمهورية السابق إميل لحود وتطعن في شرعية تمديد ولايته، وكان رئيس المجلس النيابي نبيه بري يمتنع عن دعوة الهيئة العامّة للانعقاد من أجل مناقشة مشاريع قوانين محالة من قبل حكومة غير ميثاقية، في رأيه، ومطعون بشرعية استمرارها أيضاً... وبالاستناد إلى هذه الظروف، دبّجت الحكومة يومها مراجعة قانونية من وزارة العدل التي كان يديرها الوزير السابق شارل رزق، تمنحها صلاحية إبرام المعاهدات الدولية المشروطة مالياً وتوقيع اتفاقيات القروض الخارجية بناءً على قانون صادر عن مجلس النواب في عام 2002 يتنازل فيه عن صلاحياته فيجيز للحكومة استبدال نحو 7 مليارات دولار من الديون القائمة بفوائد مرتفعة بديون أخرى بفوائد أقل، إلا أن هذه المراجعة القانونية لم تكن كافية لتغطية المخالفة الدستورية، باعتبار أن معظم الاتفاقيات المذكورة لم تنطوِ على عمليات استبدال ديون بشكل واضح ومحدد، بل استُخدم ما صُرف من القروض في تمويل الإنفاق العام المتزايد بفعل تداعيات حرب تموز ومخيم نهر البارد والتفجيرات الأمنية وانتشار الجيش على الحدود الجنوبية وضمّ آلاف المتطوعين الجدد إلى الأجهزة الأمنية (وذلك على نقيض ما التزمت به حكومة السنيورة في برنامجها إلى اجتماع باريس 3 لجهة تجميد فاتورة الأجور وتقليص القطاع العام)، فارتفعت المديونية العامّة المصرّح عنها رسمياً إلى أكثر من 50 مليار دولار حالياً، أي بزيادة 10 مليارات دولار منذ انعقاد الاجتماع المذكور، وبمعدّل 3.33 مليارات دولار سنوياً.
تضييع فرصة الحوار
كان يمكن حكومة سعد الحريري الحالية أن تنكب على تسوية هذا الواقع الشاذ، ولا سيما أن بعض الوزراء حاولوا في لجنة صياغة البيان الوزاري أن يطرحوا معالجات واقعية، تقوم على إعداد برنامج إصلاح مالي واقتصادي واجتماعي يتلاءم مع المتغيّرات والحاجات وإعادة التفاوض مع الجهات المقرضة لتعديل الاتفاقيات المعقودة وإقرارها وفقاً لأحكام الدستور... إلا أن البعض لا يزال يتعامل مع «باريس 3» كما لو أنه إطار أيديولوجي غير قابل للنقاش، والأغرب أن هذا البعض يصرّ على الترويج لبرنامج حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، كما لو أنه الحل لكل المعضلات، من دون أن يقرأ مضمون البرنامج وظروف إعداده وأهدافه ونتائج التجارب في ظلّه، التي أظهرت عجز أي حكومة توافقية عن تطبيقه إلا في إطار ديكتاتوري لا يحمل أيّ هم اجتماعي ولا يبدي أي حرص على إيجاد مشروع للعبور إلى الدولة... والأغرب أيضاً أنه لا أحد من الداعين إلى تنفيذ البرنامج يريد أن يُطلع الرأي العام على محتواه الفعلي، ومدى صلاحية الإجراءات التي يتضمّنها.
فالبرنامج المذكور يحصر أولوياته في المحافظة على قدرة الحكومة على خدمة الدين العام، وهو يعترف بأن ذلك سيؤدّي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية لأكثرية اللبنانيين المقيمين، ولذلك يتعامل مع الأهداف الاجتماعية باعتبارها أهدافاً مكمّلة للأهداف المالية، أي إنها لا تقع في صلب البرنامج، بل تسعى إلى لملمة بعض آثاره، وهذا مكتوب في البرنامج بوضوح وصراحة.
فالمحافظة على القدرة لتمويل خدمة الدين العام واستحقاقاته تفرض، في رأي واضعي البرنامج، تحقيق فائض أوّليّ متزايد في عمليات الموازنة والخزينة العامّة، والفائض الأولي ينجم عن تحقيق إيرادات أعلى من النفقات باستثناء خدمة الدين العام، وهذا يعني أن على المقيمين أن يدفعوا أموالاً للحكومة (ضرائب ورسوماً وأثمان خدمات) أكثر بكثير مما تنفقه الحكومة على توفير حاجاتهم وضمان حقوقهم.
كيف سيتحقق ذلك بحسب ما يلتزم به البرنامج؟
إجراءات
تعهّدت الحكومة في برنامجها تنفيذ الإجراءات الآتية:
■ ترشيد النفقات الأوليّة من خلال إعادة النظر في هيكليّة الرواتب والمكتسبات في القطاع العام، إضافة إلى التوفير في مخصّصات النقل وتمديد ساعات العمل من 32 ساعة أسبوعياً إلى 36 ساعة في الحدّ الأدنى، إضافة إلى خفض نفقات السفر والاتصالات، بما يؤدي إلى تجميد كتلة الأجور وخفض حجم القطاع العام تدريجاً من خلال عدم ملء الشواغر في الملاكات والرهان على خروج 20 في المئة من المستخدمين من الوظيفة العامّة بسبب بلوغهم سن التقاعد في السنوات العشر المقبلة.
■ إنهاء عمل مجلس الجنوب وصندوق المهجّرين.
■ خفض التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان، وذلك من خلال زيادة التعرفة وخفض التعدّيات على الشبكة، وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء نحو إشراك القطاع الخاص في الإنتاج والتوزيع والجباية، وصولاً إلى خصخصة هذا القطاع.
■ رفع الضريبة على القيمة المضافة من 10% إلى 12% في المرحلة الأولى، ثم إلى 15% في المرحلة الثانية، مع إضافة ضريبة بنسبة 5% إضافية على خدمات الماء والكهرباء والاتصالات لتمويل البلديات التي تستفيد حالياً من اقتطاعات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 10% على فواتير هذه الخدمات.
■ رفع الضريبة على ربح الفوائد من 5% إلى 7%.
■ الإعداد لتطبيق الضريبة الموحّدة على الدخل المحقق في لبنان من دون مسّ عائدات الحكومة والنسب المفروضة بموجب نظام الضرائب النوعية المتعددة في ظل النظام القائم.
■ رفع الدعم كلياً عن أسعار النفط المحليّة بما يسمح بانعكاس تغيّر الأسعار عالمياً مباشرة عليها، ورفع الرسم المفروض على كل صفيحة بنزين تدريجاً ليعود إلى مستواه في أيّار 2004 (أي 12 ألف ليرة).
■ خصخصة قطاع الاتصالات الخلويّة، وسنّ قانونٍ يسمح ببيع أصول هذا القطاع، (علماً بأن القانون 431 يجيز بيع رخصتي الخلوي الحاليتين فقط من دون الأصول)، مع إدراج 20% على الأقلّ من أسهم شركات الخلوي الجديدة في بورصة بيروت.
■ إنشاء شركة «Liban Telecom»، عبر دمج «أوجيرو» مع مديريّتي وزارة الاتصالات، وتشركة هذه المؤسّسة، لتقوم الحكومة في نهاية المطاف ببيع حصّة تصل نسبتها إلى 40% من Liban Telecom إلى مستثمر استراتيجي.
■ إعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان، بدءاً بتخمين أصولها مروراً بتشركتها، عبر إنشاء شركات عدّة للإنتاج والنقل والتوزيع، وإطلاق مناقصة لتلزيم عقود الإدارة والتوزيع للقطاع الخاص، وصولاً إلى خصخصة الشركات الجديدة لكهرباء لبنان (New EDL).
■ بيع شركات طيران الشرق الأوسط وإنترا وكازينو لبنان وأهراء الحبوب وإدارة حصر التبغ والتنباك ومصفاتي طرابلس والزهراني ومطار بيروت وبعض المرافئ.
ماذا بعد؟
هذه العيّنة من الإجراءات التي تضمّنها برنامج باريس 3، تبيّن حجم المخاطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي ستترتب على تطبيقها، وهذا ما يضع الحكومة الحالية أمام اختبارات قاسية، كان أوّلها ابتداع صيغة تسووية في بيانها الوزاري، عندما جرى تدوير الزوايا في الفقرة الـ 28 من البند الثالث، الذي نصّ على «السير في تطبيق وتطوير سياسة الإصلاح الاقتصادي التي تقدم بها لبنان إلى مـؤتمر باريس 3، بهدف تحديث بنية الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقراره وتعزيز فرص نموّه، فضلاً عن المساعدة في تحرير باقي الهبات والقروض التي تعهّدت بها الدول والمؤسسات المانحة للبنان، وتنفيذ عدد من مشاريع البنى التحتية، وإجراء عمليات الخصخصة، وفق القوانين المرعية والسياسات القطاعية التي تضعها الحكومة، وتشجيع اللبنانيين على المساهمة فيها».
إن هذا النص يشترط تطوير البرنامج للسير به، أي فتح الحوار في شأنه ليحقق أهدافاً محددة في تحديث بنية الاقتصاد وتعزيز فرص النمو، إضافة إلى خدمة الدين العام التي يعدّها البرنامج في صيغته الراهنة أولوية الأولويات، كذلك يشترط إجراء عمليات الخصخصة بعد رسم السياسات القطاعية، بمعنى أن تصبح الخصخصة وسيلة لتحقيق هذه السياسات، إذا بدت ضرورية، وليست هدفاً كما يتعامل معها البرنامج الحالي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018