ارشيف من :أخبار لبنانية

ثوابت سوريا كما عرضت أمام الحريري ورصد بانتظار بروز النتائج والانعكاسات

ثوابت سوريا كما عرضت أمام الحريري ورصد بانتظار بروز النتائج والانعكاسات
ابراهيم الأمين - صحيفة الاخبار

كما في بيروت، فإن زائر دمشق يلمس اهتماماً مركزياً برصد انعكاسات زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى العاصمة السورية ونتائجها. الناس والمسؤولون والإعلاميون مشغولون برصد الأمر. وأبرز قضايا لبنان اليوم هناك، هي الترتيبات الإضافية الخاصة بالزيارة، مع أن التحفّظ على ما دار في محادثات الحريري والرئيس السوري بشار الأسد لا يزال قائماً، علماً بأن البارز لدى المعنيين هناك الآن، هو ملف التطبيع النفسي والإنساني إلى جانب التطبيع السياسي والإعلامي والرسمي.

المعنيون على أرفع المستويات، يتحدثون براحة عن «قرار استراتيجي اتخذه الرئيس الأسد بجعل العلاقة مع لبنان من خلال مؤسساته الرسمية أولوية، وأن استقبال الرئيس الحريري بالطريقة التي جرى بها يندرج في هذا السياق، ويهدف إلى تحقيق نتائج على مستوى تحسين العلاقة إلى أبعد مدى، لأن سوريا مقتنعة بأن في ذلك مصلحة لها».

على هذا الأساس، يواجه زوار المسؤولين السوريين على اختلاف الجانبين، بالأسئلة البديهية: كيف كانت ردة فعل اللبنانيين على زيارة الحريري؟ وكيف تصرف أنصاره وكوادر تياره السياسي؟ وما هي ردود الفعل لدى قواعده الشعبية وفعالياته السياسية والاقتصادية؟ وكيف كان انطباع الآخرين من الجماعات اللبنانية، بما في ذلك الحلفاء؟ وكي لا يتعبهم الزائر بأسئلة تفصيلية، يعرض المسؤولون ما في جعبتهم أو ما يودّون الحديث عنه بشأن محادثات الحريري. وهم يركزون على الآتي:

أولاً: لقد سمع الحريري تأكيداً مباشراً أن لا علاقة لسوريا باغتيال والده، وأنّ الدولة السورية مسؤولة عن هذا الموقف، وإذا ثبت تورّط أيّ مواطن سوري، بمعزل عن موقعه داخل النظام أو خارجه، وأُثبت ذلك بالأدلة الحقيقية والصلبة، فإن سوريا ستحاكمه وفق المقتضى، وسيُعدم أمام الجمهور. لكنّ سوريا ترفض أي محاولة لاستغلال هذه الجريمة أو التحقيقات فيها لابتزازها وتعريض سمعتها أو سمعة مواطنيها للأذى. وهي لن تقبل في أي حال من الأحوال تكرار تجربة شهود الزور. وملف الدعوى القضائية المقامة من اللواء جميل السيد على عدد من اللبنانيين والسوريين والعرب والأجانب، هو موضوع قضائي لن يسمح لأحد في الدولة أو خارجها بالتدخل فيه.


ثانياً: إن سوريا مهتمة بتعزيز العلاقات مع الحكومة اللبنانية، وهي مستعدة لإعادة النظر والمناقشة في أي اتفاق سابق أو أي مشروع اتفاق دون أي تحفّظ، وستقوم بما تمليه مصلحتها، آخذة في الاعتبار أن أي نقض أو إلغاء لأي تفاهم أو اتفاق لن يحصل بمبادرة منها، وإذا أراد لبنان ذلك فليطلب هو ذلك.

ثالثاً: إن سوريا تميّز جيداً بين القوى الفاعلة في لبنان، وهي لا تضع شرطاً على أحد لتقيم معه علاقة سوى عدم الارتباط بأي شكل من الأشكال بالمشروع الإسرائيلي، وعدم العمل على تقسيم لبنان. وإن سوريا تتخذ موقفاً واضحاً لا لبس فيه ولا مداورة ولا محاباة يتعلق بدعمها المقاومة في لبنان. وهي في الوقت نفسه مستعدة للتواصل مع الجميع، ولكنها تحصر علاقتها بالدولة من خلال المؤسسات الرسمية.

رابعاً: إن سوريا لا تفكر، وليس لديها المصلحة ولا الرغبة في العودة إلى لبنان، عسكرياً أو أمنياً أو غير ذلك، وإن الآلية التي اعتمدت في متابعة الملف اللبناني سابقاً لم تعد موجودة ولم يعد هناك ملف اسمه لبنان يقوده شخص، بل هناك علاقات متنوعة مع لبنان، يتابعها كل مسؤول بحسب اختصاصه، وإن سوريا مهتمة بأن يكون للتمثيل الدبلوماسي بين البلدين دوره الحقيقي.

خامساً: إن سوريا مستعدة لمناقشة أي أمر يريد المسؤولون في لبنان إثارته، بما في ذلك النقاط التي أجمع عليها في طاولة الحوار اللبناني أو ما يمكن تصنيفه بأنه موضوع خلافي. وإن الأمر يحصل من خلال المؤسسات الرسمية المعنية.

سادساً: سيصار إلى تنظيم العلاقات على المستويات كلها، وسيقوم مسؤولون من الصف الأول في سوريا بزيارة لبنان، على أن تتوج بزيارة للرئيس الأسد حين يحين موعدها.

أما على صعيد العلاقة الخاصة مع الحريري نفسه، فيبدو أن المسؤولين السوريين تحدثوا أمام الرجل بصراحة عن مجموعة من العناوين التي يفترضون أنها أساسية بالنسبة إلى أي علاقة جيدة في المرحلة المقبلة. ويشيرون إلى أن سوريا لم يحصل أن بادرت إلى الإساءة إلى أحد بشخصه أو صفته أو موقعه، وأن نقدها أو اعتراضها كان سياسياً بامتياز، وهو أمر ينطبق على الجميع. وهي تتفهم بعض الظروف التي أطلقت فيها المواقف الحادة، لكنها ترى أن الوقت قد حان لطيّ هذه الصفحة. وفي هذا السياق، تنتظر سوريا مبادرة من الحريري نفسه بأن يعمل على عكس هذا الأمر في الحياة العامة، ويقصد هنا في المواقف السياسية التي تصدر عن فريقه والشخصيات المحسوبة عليه، إلى جانب طريقة مقاربة وسائل الإعلام التي يملكها تياره السياسي أو تخضع لسلطته المباشرة أو غير المباشرة. وفي هذا المجال، ثمة ملاحظة واضحة في أن المسؤولين السوريين يرصدون بدقة تصرّف وسائل الإعلام التابعة للحريري، رغم أن الأخير كان صريحاً في المحادثات عندما قال إن مثل هذا الأمر يحتاج إلى وقت، وإن لبنان ليس مثل سوريا في ملف الإعلام، دون أن يغيب عن باله توجيه النقد إلى وسائل إعلام يرى أنها تعود إلى حلفاء سوريا في لبنان أو إلى من لسوريا تأثير عليهم.

وبحسب أكثر من مصدر، فإن الحريري سمع في اللقاءات الثنائية مع الأسد، وفي لقاء العشاء الموسّع، ملاحظات محددة تناولت بعض القيادات السياسية والإعلامية في تيار المستقبل، وسمع انطباعات إيجابية عن مساعدين له، وخصوصاً الذين أدّوا دوراً في إنجاح الزيارة. وكان لافتاً اهتمام الجانب السوري بفتح نقاش مع مدير مكتب رئيس الحكومة، نادر الحريري، آخذين في الاعتبار أنه نجل النائبة بهية الحريري التي استعيدت عبارتها الشهيرة في لقاء 14 آذار الأول، عندما قالت «إلى اللقاء سوريا»، علماً بأن البعض جهد أخيراً لكي ينسب هذه العبارة إلى الرئيس فؤاد السنيورة باعتبار أنه هو من شارك النائبة الحريري في صياغة خطابها في حينه، وأنه كان أحد الداعين إلى صياغة تسوية مع دمشق قبل أن تنفجر الأمور وتذهب إلى المدى الذي ذهبت إليه.

وفي سياق رصد النتائج المباشرة لزيارة الحريري، يبدو أن هناك اتصالات قائمة من دون ضجيج مع عدد غير قليل من الشخصيات النيابية والسياسية، وحتى مع فعاليات لديها دورها البارز، مناطقياً وقطاعياً، وهي محسوبة على المستقبل، وترغب في إعادة التواصل مع دمشق، وثمة عبارات كثيرة يسمعها المسؤولون السوريون من هؤلاء تركز على أن «الماضي السيّئ يجب دفنه، كما يجب العمل على بناء الثقة واستعادة قوة العلاقات»، إضافة إلى كلام يعكس «انتهازية» قائله لناحية التبرّؤ من جملة مواقف واتهام شخصيات قريبة من الحريري ومن قيادات 14 آذار بأنها تقف خلفه.

وكان لافتاً أن المسؤولين السوريين سمعوا قراءات من نوع يدعوهم إلى التروّي في مقاربة الأمر، ولكن إلى العمل بطريقة مختلفة تجعل الاهتمام يتركّز على الناس وقواعد الطوائف أو الجماعات لا على قياداتهم فحسب. ومن بين أصحاب وجهة النظر هذه، رئيس بلدية صيدا الدكتور عبد الرحمن البزري، وهو الآتي من مدينة يحظى فيها وحليفه رئيس التنظيم الشعبي الناصري، أسامة سعد، بتمثيل حقيقي ينافس تيار المستقبل على قيادة المدينة. والبزري لم تنقطع علاقته يوماً بسوريا، وهو تعرّض لضغوط قوية ومباشرة بسبب موقفه. وجرت محاولة من مقرّبين من آل الحريري للإساءة إلى عائلته من خلال استدعاء شقيقته إلى التحقيق وسؤالها عن حقيقة أنها سمعت من مسؤول جهاز أمني أنه يجري إعداد لعملية اغتيال الحريري. والبزري قال أمام مسؤولين سوريين كلاماً في ما خصّ زيارة الحريري، يتضمّن وجهة نظر متكاملة، لكن البارز فيه أنه لا يمكن العودة إلى سياسة إدارة العلاقات مع لبنان من خلال زعماء الطوائف، وأن هؤلاء عندما يأتون إلى سوريا لا يجلبون طوائفهم معهم، وأن زيارة الحريري مهمة للغاية، ويجب العمل على تعزيز هذا النوع من التواصل معه، لكن لا يجوز الاعتماد على هذه اللقاءات، وهذه العلاقة لأجل تغيير المناخ الذي يعيش غالبية السنّة في ظله، وأن المهم العمل على بناء علاقات وفق منظومة المصالح المشتركة، وأنه بقدر ما يتحمّل اللبنانيون مسؤولية في تنظيم هذا الأمر، يجب على سوريا الأخذ في الاعتبار أن من الخطأ الكبير اللجوء إلى سياسة اختصار لبنان بعدد قليل من القيادات التي تمثل قواعد طائفية كبيرة وعلى أساس أن هذا يكفي.

ربما، بل الأكيد، أن البزري قال أكثر من ذلك، لكن المهم في الأمر، هو أنّ على حلفاء سوريا في لبنان المسارعة إلى فتح نقاش بشأن المجدي وغير المجدي من آليات التواصل التي قامت سابقاً أو التي يرغب خصوم سوريا في إنعاشها من جديد.

2010-01-05