ارشيف من :أخبار لبنانية

«النظام من الإيمان»: الضاحية تتعرف على نفسها من جديد

«النظام من الإيمان»: الضاحية تتعرف على نفسها من جديد

فاتن قبيسي - صحيفة السفير

في «يوم الشهيد» في 11 تشرين الثاني الماضي، أطل السيد حسن نصر الله وفي خضم حديثه السياسي، ليحذر من آفة المخدرات ويدعو الى تعقب المروجين والمتعاطين.

وفي الليلة السابعة من ليالي عاشوراء، دعا الأمين العام لـ«حزب الله» الى الالتزام بالقوانين المتعلقة بالنظام العام، مشدداً على عدم جواز تجاوز إشارات السير، والتعليق على كابلات الكهرباء، والتلاعب بعيارات المياه، ومخالفة قوانين البناء بحجة عدم التقيد بأنظمة دولة غير إسلامية.
كل ذلك يشكل إنذاراً من الخطر والفوضى. ويتلاقى بشكل واضح مع أهداف حملة «النظام من الايمان»، التي اطلقت في الضاحية الجنوبية، فأسبغ نصر الله غطاء شرعياً وأخلاقياً على الحملة، التي من غير المسموح عدم الالتزام بها، في مجتمع كان متروكاً لسنوات طويلة من قبل الدولة والنظام.
اليوم بعد مضي حوالى شهرين على بدء الحملة، تتصالح الضاحية مع نفسها عبر «تطهير» بعض الأحياء فيها من بعض المخلين بالقانون والآداب العامة، اذ سجل تقرير صادر عن السلطات الأمنية المختصة توقيف 54 شخصاً، من بينهم 40 شخصاً متورطاً بالمخدرات (تعاطيا وترويجا).

اليوم، تبدو الضاحية وكأنها تتعرف على نفسها من جديد. تتلمس طريق الإنماء، وتعيد اكتشاف شوارعها وواجهات محالها التجارية في بعض المناطق، التي ارتدت حلة جديدة، بعد نزع السيارات المخالفة والمهملة وإزالة البسطات ورفع بعض التعديات، فيما لا تزال مناطق أخرى برسم الانتظار.
اليوم، تخضع هذه المنطقة لورش التأهيل والإصلاح، تتذوق «طعم» الاهتمام الرسمي، تعبر إلى مرحلة تليق بمجتمع المقاومة، لتنفض عنها مخلفات الحروب، والفراغ الذي خلفه تسويف تطبيق المشاريع، ومن بينها «إليسار» الذي لا يزال «نائماً» منذ أكثر من عشر سنوات.

وتأتي حملة «النظام من الايمان» في سياق نهضة إنمائية وعمرانية في الضاحية، تشمل كتلة مشاريع كانت قد بدأت قبل انطلاق الحملة، وذلك في مجال: تأهيل البنى التحتية بالتعاون مع البلديات، وإعادة الإعمار (عبر مشروع «وعد»)، وبناء الجسور والأنفاق بالتنسيق مع «مجلس الإنماء والإعمار».
وتركز الحملة أيضاً على مخالفات البناء، وكان آخرها حادثة حصلت قبل أيام، عبر إزالة بناء شيّد ليلاً في بئر حسن، من قبل مفوض الشرطة في البلدية، وآمر سرية بئر حسن الملازم أول علي الضيقة، بالرغم من اعتراض صاحبه.

وفي مجال آخر، «تم توقيف 16 سيارة فان و15 سيارة تحمل لوحات مزورة، و1785 دراجة نارية لا تحمل أسماء سائقيها». لكن هذه الأرقام، الواردة في تقرير صادر عن اتحاد بلديات الضاحية، سُجلت منذ انطلاقة الحملة في الثامن من تشرين الثاني الماضي، ولغاية الثاني من كانون الأول الماضي فقط. إلا أنها تعطي فكرة عن حجم وطبيعة النتائج الميدانية المرصودة في إطار الحملة (وترد عينات من التقرير في الكادر أدناه).

وفيما يُلحظ حضور مستجد لفصائل الدرك المولجة تنظيم السير في طرق بعض المناطق، والتي حلّت محل عناصر «الانضباط»، الا ان رئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد سعيد الخنساء ما زال يتحدث عن نقص في هذا المجال، فيقول لـ«السفير»: «استناداً لوجود 750 ألف مواطن في الضاحية، يتبين حسابياً أن لكل ألفي مواطن، شرطيا واحدا، ومسؤولا أمنيا واحدا!»

وفي موازاة ما سجلته الحملة حتى اليوم، ثمة تساؤلات حول كيفية تطبيقها، واقتصارها على مناطق دون أخرى، وكيفية التعاطي مع المعترضين على تطبيق النــظام، وإن كانوا قلة. وفي محاولة لاستكمال الصورة تحدثت «السفير» إلى النائب علي عمار، ورئيس اتحاد البلديات محمد سعيد الخنساء، ومصدر أمني في مكتب مكافحة المخدرات في قوى الأمن الداخلي.

التقرير الأمني ومكافحة المخدرات

تساهم السلطات الامنية المختصة بإرساء القانون عبر منع الممارسات المخلة بالآداب العامة. ويلفت تقرير صادر عنها إلى توقيف 54 شخصاً في الضاحية، خلال الفترة الممتدة بين 11 تشرين الثاني الماضي و31 كانون الأول الماضي، يتوزعون كالآتي:
تجارة وتعاطي المخدرات (40 شخصاً)، سرقات ونصب واحتيال (12 شخصاً)، أعمال منافية للآداب العامة (شخصان).
ويعلق مصدر أمني على هذه الأرقام بقوله إن الظاهرة «تبقى محصورة قياساً إلى الكثافة السكانية في الضاحية، ومساحتها الجغرافية، لا سيما إذا ما قورنت بالأرقام الإجمالية في البلد في هذا المجال».

وفي مجال مكافحة المخدرات، تم تسليم التجار والمروجين والمتعاطين إلى السلطات الأمنية المختصة. ونقل المصدر عن رئيس مكتب مكافحة المخدرات في قوى الأمن الداخلي، العقيد عادل مشموشي، قوله إن حملة المكافحة في الضاحية تسير كما يجب، بفضل تعاون الأهالي المهتمين بتخليص أبنائهم من هذه الآفة. ويؤكد أنه تم تنظيف معظم المناطق من المروجين والمتعاطين، لكن هذا لا يعني أن المهمة انتهت، بل يجب أن تستمر الملاحقة، لأنه مقابل كل مروج يتم توقيفه، يمكن أن «يخلق» بديل منه. ويعتبر أن الجو السياسي الراهن يساعد في إرساء التعاون بين القوى الامنية والفاعليات بما في ذلك البلديات والمجتمع المدني، للكشف عن المتورطين بالمخدرات على أنواعها.
وفي مجال التوعية، يقوم كل من اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، ومؤسسة «جاد» و«الهيئة الصحية الاسلامية»، بالتعاون مع هيئات المجتمع المدني، بحملة توعية عبر تنظيم ندوات ومحاضرات. علماً ان دولة الإمارات أرسلت شاحنة تتضمن كتيبات ومواد إعلامية مخصصة لمكافحة الإدمان، إلى بلدية الغبيري ومؤسسة «جاد»، اللتين عملتا على نشرها وتوزيعها.

منع الاحتيال على القانون

ومن الناحية التنظيمية، يقول النائب علي عمار إن إزالة المخالفات والتعديات تتم بالتنسيق مع وجهاء الأحياء، وإن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء، لا سيما أن «حزب الله» و«حركة أمل» يرفعان الغطاء السياسي عن جميع المخالفين. ويؤكد استمرارية الحملة وفاعليتها لمنع الاحتيال على القانون من خلال إعادة المخالفات بعد رفعها.
ويلفت عمار النظر الى انه رُفع عديد العناصر الأمنية المولجة تنظيم السير في الضاحية، وتلك المعنية بملاحقة تجار المخدرات ومروجيها، ومكافحة سرقة السيارات.
ورداً على سؤال حول سبب اقتصار الحملة على الضاحية، يقول عمار «إن الضاحية تشكل نقطة الانطلاق، وتلحظ فيها كثافة سكانية عالية، ومن كل المناطق، بمعنى أنها تختزل الجنوب والبقاع وبيروت. وبعد نجاح الحملة فيها ستعمم على المناطق الأخرى».

من جهته، يتحدث رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، محمد سعيد الخنساء، عن مشاريع رديفة للحملة، نفذ بعضها، والبعض الآخر قيد التنفيذ، مما يساعد على إحداث نقلة نوعية حضارية للضاحية الجنوبية. وهي: تأمين عدد من الحدائق ومشروع تشجير في أكثر من منطقة (شمل صيانة الأشجار وزرع 200 شجرة صنوبر و100 شجرة فيكوس على طريق المطار). وبناء أربع جسور للمشاة على طريق المطار، مشروع بناء مدارس جديدة ( ثلاث في الغبيري وحارة حريك بالتعاون مع «صندوق التنمية الكويتي»، وثلاث في برج البراجنة والمريجة بهبة سعودية). إضافة إلى مشاريع بناء «مركز اجتماعي رياضي» في المريجة، «مركز اجتماعي صحي» في برج البراجنة، «مركز طوارئ مركزي» (إسعاف وإطفائية) في الغبيري، قاعة رياضية مقفلة وقاعات أخرى متعددة الأهداف في الغبيري (تم تلزيمها الأسبوع الماضي).

البنى التحتية وخطة السير
ويكشف الخنساء أنه تم تلزيم مشروع لتأهيل البنى التحتية، بدءاً من اوتوستراد عبد الله اليافي في المريجة، مروراً بالكفاءات وصولاً للحدث. على أن ينفذ قريباً بالتعاون بين اتحاد البلديات «وصندوق التنمية الكويتي». ويلفت الى انه، خلال السنتين الاخيرتين، كان قد بُدئ ببعض اشغال البنى التحتية في بعض المناطق، ما جعل الضاحية الاقل تأثراً بين المناطق المتضررة مؤخراً جراء هطول المطر.
ورداً على سؤال حول أسباب عدم سريان الحملة في بعض المناطق، كالرويس والشياح على سبيل المثال، يشير الى «ان الحملة بدأت في مناطق حارة حريك، وبرج البراجنة، والمريجة والشويفات، على أن نصل تدريجياً الى أطرافها والمناطق المحيطة».
وفي مجال تنظيم السير، يعلن الخنساء عن مشروع مناقصة لخطة سير تشمل الغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة، على ان يُعلن عن فض العروض في 12 الحالي. ووضعت دراسة الخطة شركة «أي.تي.تي غروب»، وتتضمن خطة داخلية في كل منطقة، تأخذ بعين الاعتبار الاوتوسترادات الكبيرة، وتحويل معظم الشوارع الى شوارع باتجاه واحد. ومن المقرر أن تطبق خلال العام الحالي.
لكن هذا لا يحول دون ضرورة إيجاد متنفس جديد للضاحية، لذا يطالب الخنساء كلا من وزارة الأشغال العامة، و«مجلس الإنماء والإعمار» باستكمال طريق جادة الشهيد هادي نصر الله من أمام كلية العلوم باتجاه الشويفات، لتخفيف الضغط عن المناطق الداخلية، وتأمين مسرب جديد لأهالي الضاحية باتجاه الجنوب.
ويشير الى انه تم وضع 16 إشارة سير بالتنسيق مع «الإنماء والإعمار»، لافتاً النظر الى أنه بالرغم من اكتظاظها السكاني، تسجل الضاحية عادة أقل نسبة في مجال حوادث السير.
ورداً على سؤال حول أعطال في بعض إشارات المرور، يوضح «أن الأسباب فنية، إذ لم يتم الانتهاء بعد من برمجة الإشارات بدقة، على أن ينجز ذلك نهائياً خلال الشهر الحالي».
مواقف السيارات
وعلى صعيد مواقف السيارات، يشير الخنساء إلى أنه تم شراء قطعة أرض في الغبيري، لتشييد بناء مخصص للمواقف من طبقات عدة، وذلك في الفصل الأول من العام الحالي، معتبراً انه المشروع الاول من نوعه على مستوى البلديات. اضافة الى مشروع استخدام الأراضي الفارغة لتحويلها لمواقف سيارات مؤقتة، لحين البدء بالبناء على هذه العقارات. ويلفت الى تخصيص مواقف سيارات في اسفل المدرستين (قيد الانشاء) في منطقة الرحاب، على مساحة تقدر بخمسة آلاف متر مربع. واستحداث مواقف او سفليات تتسع لما يزيد عن 600 سيارة في مختلف المناطق، خصوصاً في حارة حريك، في إطار مشروع «وعد» للإعمار.
ورداً على سؤال حول الدراجات النارية، يوضح ان عدد هذه الدراجات تضاءل بنسبة عالية في الضاحية، بسبب
توقيف مئات الدراجات التي لا تحمل أسماء سائقيها. لكن المشكلة الفعلية برأيه تتمثل بعدم وجود قوانين محددة للاستيراد، شأنها شأن المفرقعات، التي نسمح باستيرادها ثم نطالب بعدم بيعها واستخدامها.
وعن الكهرباء يقول: «ساهمنا في شراء كابلات وصيانة محطات وغرف كهربائية، بهدف تحسين واقع الصيانة، وتأمين مستلزمات طاقة إضافية. ويثير مسألة استملاك محطة تحويل كهربائي في الحدث، ليطالب برصد ميزانية لها وتجهيزها، للمساهمة في حل أزمة الكهرباء نسبياً في الضاحية. كما ناشد الحكومة تأمين مياه الشفة لبلديات الضواحي وساحل المتن، عبر تنفيذ مشروع بسري ـ الاولي»، معتبراً «أن الضاحية خزان سكاني ولا يجوز ان تبقى بلا مياه».
لكن الى أي حد يتجاوب الأهالي مع الحملة او يعترضون؟ يجيب الخنساء بالقول: «نسجل تجاوباً بنسبة عالية. لكن لا يخلو الأمر من بعض الإشكالات إثر اعتراض البعض رجال شرطة البلديات في أثناء تنفيذ مهماتهم. وقد حدث أن تم إطلاق نار في أحد الإشكالات من باب التخويف ليس إلا لفرض القانون، تم بعده متابعة العمل بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والأجهزة الأمنية».
هل تم تجهيز البلديات بالعديد والعدة اللازمين وفق مقتضيات الحملة؟ يرد الخنساء بقوله: «قبيل بدء الحملة، كان الوضع قد تطور نسبياً على صعيد العدة والعديد، لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب. وسيسدّ اتحاد البلديات ثغرة في هذا المجال، عبر هيكليته الجديدة في العام الحالي، على أن تزيد كل بلدية عديد عناصرها، تبعاً لنظامها وهيكليتها».
لكن حتى يقوم الاتحاد بخطوته، «يُسد النقص البشري عبر استخدام عمال من خارج البلديات، وفق مناقصة سنوية «لشراء عمالة غب الطلب» بتصديق من سلطات الرقابة، قابلة للتجديد لثلاث سنوات»، بحسب الخنساء.

2010-01-06