ارشيف من :أخبار لبنانية
«قانون جميل السيّد»... منع مساءلة القضاء والقضاة
استقالة القاضي رالف رياشي من سلك القضاء اللبناني، ربما تمضي هكذا من دون ضجيج أو تفسيرات تتجاوز الخطوة بحدودها التقنية. ومع أن الرجل حاول ربط الخطوة برغبته في التفرغ لعمله نائباً لرئيس المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن شخصيته وموقعه ودوره السابق واللاحق تفرض مقاربة المشهد بطريقة مختلفة، ولا سيما أن البلاد تشهد نقاشاً من نوع مختلف بشأن واقع القضاء. وبرغم أن حال القضاء ليست جيدة في تاريخ هذه الجمهورية، إلا أن ما مرّت به البلاد في السنوات القليلة الماضية، جعل النظرة إلى القضاء تتجاوز حدود الشكوى التقليدية من عدم استقلاليته تماماً عن بقية السلطات، إلى الشكوى من عدم حيادية قسم من القضاء وتورّط هؤلاء في اللعبة السياسية نفسها. وقد يكون القاضي رياشي أحد هؤلاء.
في جانب متصل باستقالة الرجل، يمكن متابعة الحملة التي بدأها فريق الادّعاء السياسي المحلي بكل أدواته الأمنية والسياسية والقضائية والإعلامية دفاعاً عن الذين ارتكبوا الأخطاء الكبيرة خلال مرحلة التحقيق اللبناني والدولي في الجريمة وقبل نقل الاختصاص إلى المحكمة الدولية. وهي حملة تستهدف منع أي نوع من المساءلة في آلية التحقيق التي اعتمدت وفي المعايير التي استُند إليها في ملاحقة مواطنين وموظفين، واعتقال بعضهم تعسفياً لسنوات طويلة. ويبدو أن القائمين على هذه الحملة يريدون كمّ الأفواه ومنع أي أحد من متابعة أي نوع من المساءلة، وهي الحملة التي تعاظمت بقوة بعد قرار المحكمة إطلاق جميع الموقوفين في القضية. وقد فقد هذا الفريق سلاح الترهيب والتهديد بالعقاب الذي استخدمه في الفترة السابقة، ما أوجب عليهم الآن اللجوء إلى أسلوب التهويل بعقوبات يُلجأ إليها من خلال سنّ قوانين تمنع على أحد المساءلة تحت عنوان «منع التعرض للقضاء والقضاة» وهي خطوة سبقها قرار المحكمة الدولية التي هدّدت بمعاقبة وملاحقة كل من ينتقدها ويجرّح بها أو بقضاتها.
لماذا هذه الخطوات، وما هي الصلة بقرار رياشي الاستقالة الآن؟
سواء رغب كثيرون أو لم يرغبوا، فإن حملة الدفاع اللاحقة التي يقودها اللواء جميل السيد دفاعاً عن حقوقه وعن حقوق آخرين ظلموا معه خلال السنوات الماضية، قد أحدثت شرخاً كبيراً لدى الفريق الآخر. ولم تكن الدعوى المقامة في دمشق آخر الخطوات، لكن الكلام الكبير الذي لم يتوقف السيد عن الإدلاء به لوسائل إعلامية مختلفة منذ إطلاقه، والذي يتناول فيه مباشرة وبالتفصيل أسماء قضاة وموظفين كبار في الدولة ويطالب بالتحقيق معهم وإقالتهم من مواقعهم... كل ذلك يحصل من دون أي رد فعل يوازي ما يطلقه الرجل. فلا أحد ردّ نافياً ما قاله، ولا أحد طارده أمام القضاء نفسه لمقاضاته بتهمة التحقير أو الاتهام غير المشروع. لا بل إن كل هذا الفريق تصرّف على أساس أن اللواء السيد هو الآن في حالة غضب، وهي تستمر لبعض الوقت وسوف تتوقف، ومن الأفضل عدم الدخول معه في أي سجال. لكن هؤلاء كانوا يأملون هذه الخطوة،
وهم في حقيقة الأمر لا يريدون أي مواجهة معه، لا في الإعلام ولا في القضاء. لذلك، فعلوا ما بوسعهم لمنع القضاء اللبناني من متابعة هذا الملف، وجرت مداخلات واضحة لمنع المحكمة الدولية نفسها من متابعة الأمر. ولما واصل السيد حملته واتجه صوب القضاء السوري لنيل حقوقه، افترض فريق الادّعاء نفسه أن بالإمكان الضغط على سوريا لوقف الأمر، لكنهم فوجئوا باستحالة هذه الخطوة برغم المداخلات التي جرت، وكانت العبارة ـــــ المفتاح: الحل بيد جميل السيد نفسه.
بعد ذلك، تناقش هؤلاء ووجدوا أن المناسب هو وضع عراقيل تحول دون استمرار هذه الحملة، وكانت النتيجة إصدار تشريعات تتيح اعتقال كل من ينتقد القضاء، ولا أحد يعرف حينها كيف يمكن اعتبار هذا النقد تجريحاً أو ذمّاً، ما دامت للقضاء قدرة على الاستنسابية إلى أبعد الحدود. وتجارب الماضي البعيد والقريب شاهدة على ذلك. وهو السيف الذي لا يراد من خلاله وقف حملة السيد أو آخرين، بل منع الصحافة نفسها من متابعة الأمر وغيره من الملفات التي تتصل بالفساد العام في البلاد، حتى بدا مشروع القانون هذا أشبه بمقايضة مشبوهة ودنيئة بين طبقة سياسية فاسدة، وجسم قضائي لا يقوم بمهماته، ما فتح الباب أمام مواجهة سوف تقوم حتماً لأن في هذا القانون ما يذكّر بسلطات الطوارئ المعلنة وغير المعلنة القائمة الآن في الدول العربية وغير العربية الداعمة لهذا الفريق.
بالعودة إلى رياشي، فهو إن كان يظن أن استقالته من القضاء اللبناني تمنع مساءلته عن سبب تورّطه في قرار تنحية القاضي إلياس عيد عن ملف التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، وما سبّبته هذه الخطوة من إطالة أمد الاعتقال التعسفي والسياسي للموقوفين عامين إضافيين، فهو يعرف أن اهتزاز الصدقية إن حصل في بيروت، فإن وقعه سينتقل حكماً إلى لاهاي وجوارها، حيث يطّلع حقوقيون كبار على الملف، ما يتيح العودة إلى المطالبة بإعادة النظر في قرار تعيينه في منصبه الحالي، وخصوصاً أن لا أحد يملك الضمانات بأن الرجل لن يكرّر الخطوة التي أقدم عليها بإبعاد إلياس عيد فقط لأنه كان سيطلق سراح بعض الموقوفين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018