ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان ليس مرتاحاً للتعاطي الدولي مع الخروقات الإسرائيلية

لبنان ليس مرتاحاً للتعاطي الدولي مع الخروقات الإسرائيلية

جورج علم - صحيفة السفير

أحيط اجتماع العمل الذي عقد بين الرئيسين اللبناني العماد ميشال سليمان، والفرنسي نيكولا ساركوزي باهتمام محلي، وإقليمي، لاعتبارين: لأن التحضير له حمل طابعا استثنائيّا، وتمّ التوافق على عقده في ختام الزيارة الخاصة الى باريس. ولأن التأكيد الرسمي بعد المحادثات تمحور حول التهديدات الإسرائيليّة المتكررة للبنان، وحول القرار 1701، والحرص على تنفيذه بكامل مندرجاته.

ويأتي هذا الاجتماع بعد زيارة الرئيس سليمان الى واشنطن، والتباين في وجهات النظر مع الرئيس باراك أوباما الذي ربط التهديدات الإسرائيليّة بترسانة الصواريخ التي يملكها حزب الله، وتأكيده على ان تنفيذ القرار الدولي يبدأ بوقف تهريب هذا السلاح.
 
وولّد هذا التباين قناعة مفادها أن الرئيس الأميركي لن يبادر في الوقت الراهن الى ممارسة ما يكفي من الضغوط على إسرائيل لوقف تهديداتها، لكنه أكدّ في المقابل دعم إدارته للمؤسسات الشرعيّة كي تتمكّن من بسط سلطتها على المربعات الأمنيّة، وأبدى حرصاً على تفعيل العلاقات الثنائيّة في شتى المجالات، والمضي قدماً في تزويد الجيش بالأسلحة وقطع الغيار والذخيرة.

وحدث بين الزيارتين أن عادت السفيرة ميشيل سيسون من واشنطن لتؤكد التمسّك بالقرار 1559، والحرص على تنفيذه بكامل مندرجاته، خصوصاً ما يتعلّق ببندي السلاح، وترسيم الحدود. وفسّرت أوساط دبلوماسيّة لبنانيّة هذا الموقف بأنه ردّ على المحاولات الراميّة الى تخطي هذا القرار، والسعي الى تعميق الشرخ بين اللبنانيين عن طريق تأجيج السجّال الداخلي حوله، وتسجيل ملاحظات حول الانفتاح في العلاقات اللبنانية ـ السوريّة بعد الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري الى دمشق، والحفاوة التي لقيها من الرئيس بشّار الأسد، والإيحاء بأن مشكلة لبنان هي في علاقاته مع سوريا لصرف الأنظار عن التهديدات الإسرائيلية وعن خروقاتها اليوميّة للخط الأزرق، والقرار 1701.

وحدثت بين الزيارتين أيضاً مجموعة من الخروقات الأمنية المتفرّقة في المخيمات وخارجها، استرعت اهتماماً دبلوماسيّاً، وفسّرتها بعض الأوساط على أنها مجموعة من الرسائل المتبادلة بين جهات إقليميّة لها مصالح متشابكة في لبنان والمنطقة.

وفي ظلّ هذه الأجواء يحرص بعض المسؤولين على القول إن الرئيس لم يذهب الى باريس ليشتكي، ولا ليعبّر عن امتعاضه في بعض ما سمعه من الإدارة الأميركيّة، إنما ذهب ليستوضح ما عند فرنسا من معلومات ومعطيات حول مسار الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها المحتملة على لبنان، وليفتش عن قراءة مشتركة حول الصيغ المقبولة لتنفيذ القرار 1701، كي تكون النتائج متطابقة ومصالح لبنان واستقراره وتوازنه، لا أن تكون وحدته الوطنية ضحيّة أي أسلوب أو مسار تنفيذي سوف يعتمد، خصوصا إذا كان متطابقاً والمصلحة الإسرائيليّة، ويحظى بدعم لا محدود من قبل الإدارة الاميركيّة، وغالبية حلفائها.

ويأتي التعاطي الدولي مع القضيّة الفلسطينيّة، بعد المجازر الإسرائيليّة في غزة، وتقرير القاضي غولدستون، مقلقاً للبنان، لأنه تعاط مغرض ومسيّس ومتعاطف مع إسرائيل وخياراتها على حساب الحقوق والعدالة وشرعة حقوق الإنسان. وانطلاقا من ازدواجيّة هذه المعايير في التعاطي مع بعض الملفات الساخنة في المنطقة، يصبح الشك مشروعاً، ويتراجع منسوب الاطمئنان الداخلي تجاه الوعود والنصائح والضمانات الدوليّة، خصوصا الغربيّة منها، وإذا كان لا بدّ من توافق دولي ـ إقليمي حول ضرورة تنفيذ الـ1701، فإن لبنان سيكون السبّاق في ذلك، لكن بعد التأكد من أمرين: خارطة طريق واضحة للتنفيذ، تكون عادلة وتحفظ للبنان حقوقه في أرضه ومياهه وسيادته وثرواته الدفينة على طول الحدود مع فلسطين المحتلة. وألاّ يكون الدعم الدولي حمّال وجوه، بحيث يأتي متوازناً من حيث الشكل، ومفخخاً في المضمون، ومنحازاً الى حدّ بعيد مع شروط تل أبيب.

وتؤكد المصادر أن لبنان لم يلمس ارتياحاً من التعاطي الدولي مع الخروقات الإسرائيليّة للسيادة اللبنانيّة، على الرغم من أن قيادة (اليونيفيل) تقوم بدورها لجهة إبلاغ الأمم المتحدة ومجلس الأمن بهذه الخروقات بشكل يومي. كما لم يجن ارتياحاً من التعاطي الدولي مع المناورات الإسرائيليّة حول الانسحاب من الجزء المحتل من بلدة الغجر، وقد حوّلت حكومة بنيامين نتنياهو هذا الموضوع الى بوق إعلامي للتغطيّة على تهديداتها للحكومة اللبنانية، وخروقاتها اليوميّة للخط الأزرق. ولم يشعر لبنان بأي اطمئنان لمسار الاجتماعات العسكريّة التي تعقد في مقر قيادة (اليونيفيل) في الناقورة وبإشرافها ورعايتها، على الرغم من التوضيحات والضمانات التي يتكفّل بها الجانب الدولي.

وتؤكد مصادر رسميّة بأن الرئيس سليمان عاد من باريس ومعه وعود بالدعم والمؤازرة، مع تصوّر مبدئي بأن يقوم الرئيس ساركوزي شخصيّا بمهمة مزدوجة باتجاه كلّ من إسرائيل والولايات المتحدة، وربما تصبح منسّقة بشكل جيد مع إدارة الرئيس أوباما ليكون للضغط الدبلوماسي تأثيره وفعاليته على الداخل الإسرائيلي.

إلاّ ان الضغط المتوقع ـ بحسب المصادر ـ الذي ينتظره لبنان مؤثراً وفاعلاً لن يكون من دون ثمن، وزمن الدفع والتسديد لن يكون آنيّا، وإن كان في الاتحاد الأوروبي من يعمل بجديّة على طرح مخارج ومشاريع حلول تتطلب تدقيقاً من الجانب اللبناني، ودرساً معمّقا لبنودها ومضامينها كي تأتي متطابقة والمصالح اللبنانية، وتسهم في تدعيم السلم الأهلي بدلاً من التضحيّة به.

أما التعويل على دور لبنان في مجلس الأمن وتحميل هذا المنصب من الأعباء المادية والمعنوية ما يعجز عن حمله، فهو تعويل في غير محلّه، لأن الاضطلاع بهذا الدور بموضوعيّة وفعاليّة يحتاج الى مقوّيات داخليّة، ودعم من الدول الشقيقة والصديقة، وبمعنى آخر، فإنه لا بدّ من طاولة الحوار الوطني في قصر بعبدا بأسرع وقت، ولا بدّ من المصارحة مع سوريا والتنسيق معها، والتفاهم على خطوات عمليّة تحتمها المصالح المشتركة، ولا بدّ من الاستفادة من المصالحة السوريّة ـ السعوديّة، ومن الحفاظ على الخيط الرفيع الذي يربط بين مختلف توازنات القوى الإقليميّة الفاعلة والمؤثرة على الساحة الداخليّة، لأن جواب لبنان في هذه الحال على العروض المفخخة التي تنهال عليه، لن يكون كافيّا إذا ما تشبث بالمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمّة بيروت، بل عليه أن يتشبث بإجماع عربي يدعم موقفه في مجلس الأمن، ويرد عنه أذى المتربصين به شرّا.

2010-01-06