ارشيف من :أخبار لبنانية

سمعة العهد وشعاراته على محك "التعيينات" سليمان: وحدها "الكفاءة"تنجينا من الغرق

سمعة العهد وشعاراته على محك "التعيينات"
سليمان: وحدها "الكفاءة"تنجينا من الغرق

"السفير"- عماد مرمل

أغلب الظن، ان مخاضا صعبا وموجعا سيسبق ولادة التعيينات الادارية المنتظرة، برغم التقاء الأطراف السياسية جميعها عند نقطة التوافق على ضرورة اعتماد معيار الكفاءة والنزاهة في اختيار الاسماء.
 
في كل الاحوال، ليست هي المرة الاولى التي يبشر فيها السياسيون بالكفاءة والنزاهة، ليسارعوا هم أنفسهم الى الانقلاب عليها قبل صياح ديك التعيينات، حتى أصبح الجمع بين المحاصصة والحد الادنى من الجدارة هو أقصى الطموح لدى الكثيرين، باعتبار ان المحاصصة هي شر لا بد منه في نظام طائفي حتى العظم.
 
وهكذا، يغدو «الحد من الخسائر» هو أفضل ما يمكن ان يحصل عليه اللبنانيون في هذه المرحلة، إذا صدقت نيات وكلاء الطوائف والمذاهب في السعي الى التقليص من نرجسيتهم وتحسين نسل الإدارة، التي تحولت خلال العقود الماضية الى مشرحة مفتوحة لتقاسم المغانم والمكاسب.
 
وإذا كان الرئيس نبيه بري واضحا في المعادلة التي رسمها على قاعدة «إما ان يلتزم الجميع بنكران الذات وإما أريد حصتي كاملة»، وإذا كان النائب وليد جنبلاط شفافا عندما اعتبر ان لا مهرب من المحاصصة داعيا إلى الجمع بينها وبين الكفاءة، فإن الاختبار الحقيقي في هذا الملف ينتظر الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري اللذين يخوضان للمرة الأولى تجربة المشاركة في «حياكة» التعيينات الإدارية، وبالتالي فإن الكثير يتوقف على الكيفية التي سيتعاطيان بها مع هذا الملف وطبيعة البصمات التي سيتركانها عليه.
 

وليس من المبالغة القول ان الحكم على «سمعة» عهد سليمان إنما هو مرتبط بما سيؤول اليه هذا التحدي، ذلك ان التجارب السابقة أظهرت أن العهود الرئاسية وشعاراتها الاصلاحية «تكرم او تهان» عند امتحان التعيينات، وكم من عهد في الماضي فقد مصداقيته وهيبته وبالتالي انتهى في بدايته، حين أخفق في تقديم صورة مشرقة وبراقة عن التعيينات الإدارية وفشل في حمايتها من «انفلونزا» المحسوبيات والولاءات الضيقة.

وبهذا المعنى، فإن الوعود المتكررة التي أطلقها سليمان بالمباشرة بعد الانتخابات النيابية في إصلاح المؤسسات ومكافحة الفساد، إنما يتوقف مصيرها ومسارها على مدى قدرة رئيس الجمهورية على الإيفاء بالقسط الاول منها، مع بدء الخوض في استحقاق تجديد الدم في عروق الادارة والمؤسسات العامة. فإما ان ينجح في تجاوز هذا الاستحقاق بعلامة جيدة ـ أقله فوق المعدل ـ وعندها يكون قد حقق إنجازا فعليا، وإما ان يرسب وعندها يكون «بروفيل» العهد قد تلقى لطخة قوية.

صحيح ان صلاحيات رئيس الجمهورية لا تتيح له ان يفعل الكثير، ولكن الصحيح ايضا ان الوزن المعنوي للرئاسة يستطيع ان يعوض عن النقص في النص، بحيث يمكنه ان يشكل قوة ضغط في اتجاه تغليب المعايير العلمية والموضوعية في التعيين على ما عداها، مع الاشارة الى ان ما هو مطلوب او منتظر من سليمان يوازي الحجم الذي يحرص هو شخصيا على إعطائه لموقعه من خلال تأكيده المستمر ان رئيس الجمهورية هو «رئيس البلاد»، في حين ان شريكيه في الحكم هما رئيسا السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع ما يترتب على هذا الفارق في التوصيف من مسؤوليات، من دون ان يعني ذلك تهميش الادوار التي يجب ان يؤديها الآخرون في مختلف المواقع لإنجاح مغامرة إعادة بناء الإدارة.
 
والعودة الى «الاصول» في إجراء التعيينات ليست سبيلا الى إنقاذ الإدارة فقط، بل هي أفضل وصفة لتخفيف الحرج عن كاهل الاقطاب في مواجهة الكم الكبير من طلبات التوظيف المتدفقة، كما أكد الرئيس بري الذي شكا مما يعانيه للرئيس ميشال سليمان خلال الاتصال الهاتفي الاخير بينهما منذ ايام، حيث بادر رئيس المجلس الى القول لرئيس الجمهورية بأنه تلقى اكثر من 260 طلب توظيف يريد أصحابها ان يدعمهم والحبل على الجرار، فأجابه سليمان بأنه لو فتح الباب فإن سيول المراجعات بهذا الشأن ستجتاح ايضا القصر الجمهوري، ولذلك المطلوب منا وضع معايير محددة للاختيار على اساس الجدارة والنزاهة، وإلا فاننا سنغرق جميعا.
 
ويروي كذلك أحد الوزراء أن الكثيرين يتصلون به يوميا ويطلبون الاجتماع اليه، لطلب المساعدة في تسويق أسمائهم لدى المرجعيات الكبرى، معتبرا ان هذا النمط من السلوك أسسته ظاهرة الترويكا التي كانت تحتكر التعيينات، وتحولت في حقبة من الحقبات الى ممر إلزامي لاي إسم.
 
يدرك سليمان بطبيعة الحال حجم التحدي الذي تمثله التعيينات، ولذلك يبدو مهتما بوضع «إستراتيجية دفاعية» لتحصين الادارة وتفعيلها، استنادا الى معايير محددة. ويؤكد مقربون من رئيس الجمهورية انه سيقاوم أي محاولة لإغراقه في مستنقع تناتش الحصص على اساس ولاءات شخصية وحسابات فئوية، مشيرين الى انه في حال سلكت الامور هذا المنحى فإن ذلك سيصيب العهد بانتكاسة حادة.
 
ويجزم المحيطون بسليمان انه يقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين المفترضين الى المواقع الادارية، وان لا طلبات او رغبات شخصية له وانه ليس معنيا ـ خارج دائرة موظفي القصر الجمهوري ـ بأي إسم يمكن ان يطرح إلا بمقدار انسجامه مع معيار الكفاءة.

ويرى هؤلاء انه يجب وضع آلية للتعيين تقوم على إعطاء الاولوية لموظفي الادارة في الارتقاء والترقية، استنادا الى توصيات الاجهزة الرقابية او الوزير والمدير العام، وفي حال تبين انه لا بد من الاستعانة بأشخاص من خارج الملاك، ينبغي الإتيان بصاحب الاختصاص والخبرة الذي يستطيع ان يملأ فراغا او يسد نقصا، بحيث لا يتحول الى عبء إضافي او وزن زائد.
 
ويشدد المقربون من رئيس الجمهورية على وجوب عدم الانطلاق من فرضية ان المحاصصة هي قضاء وقدر لا يُرد، لان مثل هذا الطرح يشكل دعوة الى الاستسلام تحت شعار الواقعية، لافتين الانتباه الى انه ليس صحيحا ان الوضع الراهن لا يمكن تغييره، وهناك فرصة الآن من أجل التأسيس لبداية إصلاحية، على ان يجري البناء والمراكمة عليها تدريجيا وصولا الى التغيير المنشود.

2010-01-08