ارشيف من :أخبار لبنانية
رجال المقاومة ورجال المغانم
حسن خليل - صحيفة الاخبار
فئة من الشباب على الحدود «أشدّاء، أكفاء» يجهل بعضهم أسماء بعض، ولا يهابون إسرائيل. وفي الداخل، سياسيّون «ضعفاء» يهابون «الكفاءة». شباب الحدود، أحذيتهم في الوحل، يرصدون الآليات العسكرية، وسياسيّو الداخل يدّعون البحث في «آليّات التعيينات» لاختيار الأكفأ في نفض الغبار عن أكتافهم، حسب مستوى «الكفاءة».
تُرى ما رأي الجهاديّين في التعيينات؟
تخيّلوا مقاوماً قابضاً على زناده، يقرأ في وقت راحته بعض الصحافة اللبنانية، يهزّ رأسه ويبتسم ابتسامة تلخّص التناقض بين عالمين. هو في عالم، و«هم» في عالم آخر. هو صادق مع نفسه ومع الله، و«هم» صادقون مع أنفسهم، ويكيدون ويمكرون على الله وخلقه. هو قضيته القضاء على الظلم، و«هم» قضوا على القضاء وثبّتوا الظلم. هو لا يساوم على حياته وكرامته ويتبرّع برصيده، و«هم» يتناتشون هذا الرصيد من خلال المزايدة «في التضحية والدم». هو يتطلّع إلى أن يجلس تحت قوس «محكمة السماء»، و«هم» يعتقدون أنهم فارّون منها كما فرّوا من محاكم الدنيا. هو يقدم الشهادة وكلهم يريدون حصة منها. الأكيد أنه لا يعلم أن هناك تعيينات في الدولة، لأنه لم يختبر الدولة التي لو وُجدت لما كان هو على الحدود، بل كان يتذوّق الحلوى والشاي مع «كرام القوم».
إذا ما سُئل مقاوم جهادي عن ارتباكه في العمل المقاوم لقال: لأنّ حولي من مثل «هؤلاء»، ولو سُئل عن عظمة «هؤلاء»، لقال: لأن حولهم مَن هو مثلي. الجهادي متيقّظ في موقعه، قابض على زناده لأن إسرائيل على حدوده، ولأن أرض كربلاء لم تعد في العراق فقط.
حتى لا نصل في عالمنا هذا إلى زمن مادية «مزرعة الحيوانات» لجورج أورويل، نسجد ونصلّي كي يبقى رجالات طامعي الآخرة في عالمهم ولا ينضمّوا إلينا نحن عابدي الدنيا. ابقوا في عالمكم تمارسون «السياسة» في المقاومة لتحصينها، وليمارس السياسيون «الجهاد» في القنص وتثبيت المواقع واقتسام المغانم. ابقوا دوماً «رحماء في ما بينكم» واتركوهم «أشداء بعضهم على بعض» لأجَلْ. لعلّنا بجهودكم نصل يوماً إلى أن يعيش المواطن بكرامة في بيته كما أمّنتم له أن لا يُهان في أرضه.
عودة إلى الداخل. في زمن توزيع المغانم، ليس في هذا الزمن الرديء أوقح ممّن يدّعي غنيمته بناءً على «تاريخه النضالي». وحده وليد جنبلاط صادق في كل موقع يتبدّل إليه، واضعاً البحث في آليات التعيينات كأنه يخاطب أقرانه السياسيين: كفاكم منافقة، أنا مارستها معكم لسنوات، لكني مختلف عنكم بالاعتراف.
قد يرى البعض أن من الطبيعي أن تقتسم المرجعيات السياسية مغانم السلطة، أليسوا هم «مَن قاتل وتقاتل وضحّى وقدّم شهداء للوصول إلى «الدولة العادلة» اليوم»؟ هل مَن يلاحظ الحساسية المفرطة عند بعض المصريين عند انتقاد السياسة المصرية، فينتفض ويذكّر بتاريخ مصر بين 1952 حتى 1973؟
جهابذة السلطة الفلسطينية قائدة «فتح القديمة» يثورون على مَن يناقشهم في عدم جدوى المفاوضات أو على الأقل بضرورة تلازمها مع جناح مقاوم، ويصرخون: أين كانت حماس عندما كانت فتح على خط النار؟ هذه العادات الحكواتية مارسها تاريخياً بعض اللبنانيين، بدءاً من «القوميين والعروبيين» الذين تصدّوا لحلف بغداد، وأبطال 1958، إلى «مؤسسي المقاومة الوطنية»، منهم في وجه إسرائيل ومنهم في وجه الفلسطينيين وسوريا، وبالتالي لا يتحمل أيّ منهم المزايدة عليه في «الوطنية»، حتى لو أن «الخط العروبي القومي» تحوّل إلى «لبنان أولاً»، أو أن هدف البعض كان «كانتوناً لا وطناً»، وأخيراً إلى بعض «مؤسسي المقاومة» الذين باتوا مدمنين للمؤتمرات والمنابر.
هل فعلاً صحت ضمائر السياسيين في لبنان لتختار أصحاب الكفاءة والنزاهة عبر آليات ما؟ هل مَن ينسى أن أي آلية ستنتهي إلى الطوائف والمرجعيات نفسها، تعتمد تمنياتهم. فسدت السياسة وفسد القضاء. كيف لا، وهم يجسّدون الوحدة الوطنية في توحيد المعيار الأساسي لاختيار «الكفاءات»: الولاء الأعمى وتلبية رغبات سلاطين القوم بدون مساءلة، وأن لا يتمتع المرشح بـ«شخصية وحضور» مميّز كي لا يعوقا «تفتّق الكفاءة».
مَن يُرد فعلاً من السياسيين اجتذاب الكفاءات وإصلاح الدولة، فعليه رفع اليد عن القضاء وإصلاحه، ثم إقرار قانون انتخاب على أساس الدائرة الكبرى مع النسبية، ومنها تكرّ السبحة. فقط عندها يمكن المواطن الرهينة أن يصدّقهم، بعدما بدّدوا ثروات الدولة واقترضوا فوقها 60 مليار دولار.
لن تفعلوا ولن نصدّقكم. ولكن على مَن تقرع مزاميرك يا داود؟ وهناك مَن يعيد انتخابكم ويحملكم على الأكتاف؟
رجال المقاومة يبنون... ورجال المغانم يهدمون.
فئة من الشباب على الحدود «أشدّاء، أكفاء» يجهل بعضهم أسماء بعض، ولا يهابون إسرائيل. وفي الداخل، سياسيّون «ضعفاء» يهابون «الكفاءة». شباب الحدود، أحذيتهم في الوحل، يرصدون الآليات العسكرية، وسياسيّو الداخل يدّعون البحث في «آليّات التعيينات» لاختيار الأكفأ في نفض الغبار عن أكتافهم، حسب مستوى «الكفاءة».
تُرى ما رأي الجهاديّين في التعيينات؟
تخيّلوا مقاوماً قابضاً على زناده، يقرأ في وقت راحته بعض الصحافة اللبنانية، يهزّ رأسه ويبتسم ابتسامة تلخّص التناقض بين عالمين. هو في عالم، و«هم» في عالم آخر. هو صادق مع نفسه ومع الله، و«هم» صادقون مع أنفسهم، ويكيدون ويمكرون على الله وخلقه. هو قضيته القضاء على الظلم، و«هم» قضوا على القضاء وثبّتوا الظلم. هو لا يساوم على حياته وكرامته ويتبرّع برصيده، و«هم» يتناتشون هذا الرصيد من خلال المزايدة «في التضحية والدم». هو يتطلّع إلى أن يجلس تحت قوس «محكمة السماء»، و«هم» يعتقدون أنهم فارّون منها كما فرّوا من محاكم الدنيا. هو يقدم الشهادة وكلهم يريدون حصة منها. الأكيد أنه لا يعلم أن هناك تعيينات في الدولة، لأنه لم يختبر الدولة التي لو وُجدت لما كان هو على الحدود، بل كان يتذوّق الحلوى والشاي مع «كرام القوم».
إذا ما سُئل مقاوم جهادي عن ارتباكه في العمل المقاوم لقال: لأنّ حولي من مثل «هؤلاء»، ولو سُئل عن عظمة «هؤلاء»، لقال: لأن حولهم مَن هو مثلي. الجهادي متيقّظ في موقعه، قابض على زناده لأن إسرائيل على حدوده، ولأن أرض كربلاء لم تعد في العراق فقط.
حتى لا نصل في عالمنا هذا إلى زمن مادية «مزرعة الحيوانات» لجورج أورويل، نسجد ونصلّي كي يبقى رجالات طامعي الآخرة في عالمهم ولا ينضمّوا إلينا نحن عابدي الدنيا. ابقوا في عالمكم تمارسون «السياسة» في المقاومة لتحصينها، وليمارس السياسيون «الجهاد» في القنص وتثبيت المواقع واقتسام المغانم. ابقوا دوماً «رحماء في ما بينكم» واتركوهم «أشداء بعضهم على بعض» لأجَلْ. لعلّنا بجهودكم نصل يوماً إلى أن يعيش المواطن بكرامة في بيته كما أمّنتم له أن لا يُهان في أرضه.
عودة إلى الداخل. في زمن توزيع المغانم، ليس في هذا الزمن الرديء أوقح ممّن يدّعي غنيمته بناءً على «تاريخه النضالي». وحده وليد جنبلاط صادق في كل موقع يتبدّل إليه، واضعاً البحث في آليات التعيينات كأنه يخاطب أقرانه السياسيين: كفاكم منافقة، أنا مارستها معكم لسنوات، لكني مختلف عنكم بالاعتراف.
قد يرى البعض أن من الطبيعي أن تقتسم المرجعيات السياسية مغانم السلطة، أليسوا هم «مَن قاتل وتقاتل وضحّى وقدّم شهداء للوصول إلى «الدولة العادلة» اليوم»؟ هل مَن يلاحظ الحساسية المفرطة عند بعض المصريين عند انتقاد السياسة المصرية، فينتفض ويذكّر بتاريخ مصر بين 1952 حتى 1973؟
جهابذة السلطة الفلسطينية قائدة «فتح القديمة» يثورون على مَن يناقشهم في عدم جدوى المفاوضات أو على الأقل بضرورة تلازمها مع جناح مقاوم، ويصرخون: أين كانت حماس عندما كانت فتح على خط النار؟ هذه العادات الحكواتية مارسها تاريخياً بعض اللبنانيين، بدءاً من «القوميين والعروبيين» الذين تصدّوا لحلف بغداد، وأبطال 1958، إلى «مؤسسي المقاومة الوطنية»، منهم في وجه إسرائيل ومنهم في وجه الفلسطينيين وسوريا، وبالتالي لا يتحمل أيّ منهم المزايدة عليه في «الوطنية»، حتى لو أن «الخط العروبي القومي» تحوّل إلى «لبنان أولاً»، أو أن هدف البعض كان «كانتوناً لا وطناً»، وأخيراً إلى بعض «مؤسسي المقاومة» الذين باتوا مدمنين للمؤتمرات والمنابر.
هل فعلاً صحت ضمائر السياسيين في لبنان لتختار أصحاب الكفاءة والنزاهة عبر آليات ما؟ هل مَن ينسى أن أي آلية ستنتهي إلى الطوائف والمرجعيات نفسها، تعتمد تمنياتهم. فسدت السياسة وفسد القضاء. كيف لا، وهم يجسّدون الوحدة الوطنية في توحيد المعيار الأساسي لاختيار «الكفاءات»: الولاء الأعمى وتلبية رغبات سلاطين القوم بدون مساءلة، وأن لا يتمتع المرشح بـ«شخصية وحضور» مميّز كي لا يعوقا «تفتّق الكفاءة».
مَن يُرد فعلاً من السياسيين اجتذاب الكفاءات وإصلاح الدولة، فعليه رفع اليد عن القضاء وإصلاحه، ثم إقرار قانون انتخاب على أساس الدائرة الكبرى مع النسبية، ومنها تكرّ السبحة. فقط عندها يمكن المواطن الرهينة أن يصدّقهم، بعدما بدّدوا ثروات الدولة واقترضوا فوقها 60 مليار دولار.
لن تفعلوا ولن نصدّقكم. ولكن على مَن تقرع مزاميرك يا داود؟ وهناك مَن يعيد انتخابكم ويحملكم على الأكتاف؟
رجال المقاومة يبنون... ورجال المغانم يهدمون.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018