ارشيف من :أخبار لبنانية

جنبلاط تبلّغ قرار الأسد استقباله... والتوقيت على الطريق

جنبلاط تبلّغ قرار الأسد استقباله... والتوقيت على الطريق
 كتب نقولا ناصيف

لم تطلب سوريا من جنبلاط موقفاً محدّدا ولا تريد إغراقه في تنازلات (أرشيف)بعد مصالحة الشويفات الأحد الماضي، لم تبقَ ثمّة حاجة إلى إثبات قاطع بأنّ رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لم يعد في الوسط، كما اعتبر نفسه بعد 2 آب 2009. لم يصر أكثر التصاقاً بقوى 8 آذار، ولا هو مدعو إلى ذلك، بل استعاد الموقع الذي كان فيه قبل عام 2000، سنة أول تحوّل سلبي عميق في علاقته بسوريا.


حينذاك، في تشرين الثاني 2000، خطا الزعيم الدرزي أولى خطوات الابتعاد عن سوريا، عندما راح، هو أول حلفائها وأقواهم، يحضّ، من البرلمان، على إعادة انتشار جيشها في لبنان، ويقوّم باكراً صعوبة انتقال السلطة بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد إلى ابنه بشّار، ويراهن على عدم قدرة الرئيس الخلف على الإمساك بنظام يصعب اكتشاف سرّه إذ تختلط فيه الدولة بالجيش والحزب، وتختلف صورة الرئيس الأب عن صورة الرئيس الابن. اختلف مع دمشق، ثم تصالح معها، إلا أن كلاً منهما ساورته شكوك في الآخر حيال المرحلة التالية، وضعضعت الثقة المتبادلة. أواخر آب 2004 بدأت ملامح الطلاق.

هَمَسَ مسؤولون لبنانيون في آذان نظرائهم السوريين بأنّ على دمشق أن لا تهمل جنبلاط ولا تدعه يغادر التحالف معها، ورأى بعض النصائح ضرورة استيعاب مآخذه وانتقاداته، قبل التمديد للرئيس إميل لحود وبعده. قيل لهم أيضاً بضرورة أن لا يمر حواره بها بمسؤولين أمنيين لبنانيين أو سوريين، وأن تفتح صدرها لعلاقة مباشرة أكثر صراحة وتفهّماً لموقع الرجل في المعادلة اللبنانية ولهواجسه. لم تدعم دمشق وجهة النظر هذه، وأفرطت في دفع الزعيم الدرزي إلى مزيد من الابتعاد، تارة بذريعة أنه لن يذهب إلى أبعد ممّا ذهب إليه عام 2000 عندما اختلف معها وعاد، وطوراً بدعوى أنه لا يقود علاقته بالنظام السوري إلى هاوية كالتي خبرتها علاقة والده الراحل كمال جنبلاط بها فبلغا اللاعودة.

لكن دمشق لم تصدّق رفع جنبلاط في 6 كانون الأول 2004، بعد يومين من عودته من باريس واجتماعه بالرئيس جاك شيراك، العلم الفرنسي في المختارة لأول مرة منذ حقبة الانتداب. كان يُرى هذا العلم في القصر عندما كانت جدّته الست نظيرة، والرئيس إميل إده، أقوى حليفين لباريس ولوجود جيشها وسلطات الانتداب على الأراضي اللبنانية، وعندما وجد الفرنسيون أيضاً ـــــ أفضل العالمين حينذاك بثنائية الجبل ـــــ في الدروز والموارنة الدعامة الأقوى لإدارة نفوذهم في لبنان الكبير.

ما حصل في الشويفات الأحد الماضي طوى نهائياً الصفحة ما قبل الأخيرة من الحقبة التي دارت بين 2005 و2009، وكان الزعيم الدرزي رأس حربتها في مواجهة سوريا وتصدّر الضغوط الدولية عليها. قال في 6 كانون الأول 2004: لا تخافوا لم نعد وحدنا.

إلا أن ما حصل في الشويفات يقترن كذلك بمعطيات مماثلة لأهميّة الحدث:
1 ـــــ تبلغ جنبلاط قبل أكثر من أسبوع من مرجعية لبنانية كبيرة وموثوق بها، غير رسمية، أن الرئيس بشّار الأسد قرّر استقباله في دمشق. حتى ذلك الوقت قيل له إن سوريا، الدولة، ترحب به على أراضيها، ولم يفصح أحد عن أن الرئيس كان مستعداً لاستقباله. والأمران مختلفان تماماً، بل متناقضان. ظلّ أكثر من مسؤول سوري يوحي أن استقبال الأسد لجنبلاط رهن إرادة الرئيس، ويلمّح إلى أن الوقت لم يحن بعد لاتخاذ القرار ولا لتوقيت الزيارة.
 
دار الكلام على الترحيب به في سوريا كي يجتمع بمَن يشاء إلا الرئيس. والواقع أن جنبلاط يعرف أن لا اجتماع متاحاً بأيٍّ كان، مهما بلغ موقعه، ما لم يتخطَّ عقبة موافقة الرئيس. يعرف أيضاً أن المصالحة هي مع الرئيس لا مع رجاله، ولا مع النظام، وأن المصالحة مع النظام تصبح عندئذ ثانوية. لم يوحِ أي من المسؤولين السوريين بقرار الرئيس الذي ظلّ غامضاً. قال البعض أيضاً، جازماً أو متكهّناً، إن الرئيس الإبن كالرئيس الأب لا ينسى ولا يغفر.

قبل أسبوع تبلّغ جنبلاط عبر وسطاء بينه وبين المرجعية الكبيرة أن القرار اتخذ نهائياً، وأن توقيت الزيارة على الطريق.

2 ـــــ لم تطلب سوريا من جنبلاط موقفاً محدّداً، ولا تريد ـــــ خلافاً لما يعكسه بعض حلفائه السابقين ـــــ إغراقه في تنازلات لا نهاية لها. لم تطلب منه اعتذاراً لها، ولا زيارة الرئيس إميل لحود، ولا تنازلات بحجم التصعيد الذي قاده في وجهها تجاوز النعوت إلى الحضّ على إرسال متفجرات إلى أراضيها، وتذكيرها بنوّاف غزالة الذي تعقّب عام 1964 الرئيس أديب الشيشكلي إلى البرازيل واغتاله انتقاماً لحملة الشيشكلي على دروز جبل العرب عام 1954. راقبت دمشق تحوّله من معسكر وخيار إلى معسكر وخيار، وتوقعت أن ينعكس هذا التحوّل سلسلة مواقف تعبّر عن عودته إلى التحالف الذي لم يعرف سواه مذ عرف الأسد الأب لأول مرة عام 1977، بعد أسابيع على اغتيال والده، وأضحى مذ ذاك في قلب التحالف مع دمشق.

كانت مصالحة الشويفات آخر موطئ قدم لجنبلاط في خيار المقاومة والعلاقات مع سوريا ونبذ مَن سمّاها فئات موتورة ومتآمرة. عندما ذكّر بماضي الضاحية والجبل وبيروت، وعنى به ما حدث عام 1983 بآثاره السياسية والعسكرية، كان يستعيد تصنيفه التاريخي بين الحلفاء والخصوم.
في واقع الأمر لا تريد سوريا أكثر من ذلك.
3 ـــــ أخبر رئيس الحكومة سعد الحريري الزعيم الدرزي أنه فاتح الرئيس السوري في العلاقة الجديدة المرتقبة بين جنبلاط ودمشق، وحمل إليه انطباعات إيجابية عن انفتاح سوريا على الحريري لرسم ملامح مرحلة جديدة في علاقات البلدين، تفضي في نهاية المطاف إلى استكمال هذا الانفتاح بمصالحة جنبلاط والقيادة السورية.
4 ـــــ وضعت سوريا علاقتها بجنبلاط بين يدي اثنين من أبرز حلفائها: الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خياري المقاومة والعلاقات المميّزة، والنائب طلال أرسلان في الملف الدرزي اللبناني. لكل منهما مهمة مختلفة عن الأخرى، إلا أنهما لا يتساويان بالتأكيد في الدور.
مذ خرج من قوى 14 آذار في 2 آب 2009، أدرك كل المتتبعين لتحوّل الزعيم الدرزي أن الانتقال من موقع إلى الآخر ستنقصه الصدقية، وأن الانتقال من العداء لسوريا إلى استعادة التحالف معها سيفتقر إلى الضامن. أدرك هؤلاء المتتبعون أن نصر الله وحده من الزعماء اللبنانيين جميعاً، وبلا استثناء، قادر على أن يحمل قرار جنبلاط إلى الرئيس السوري، وأن يحمل في المقابل قرار الأسد إلى الزعيم الدرزي.

بذلك ارتسم دورا نصر الله وأرسلان. الأول بتمهيده لقرار الرئيس السوري المصالحة مع جنبلاط الذي ثبّت التزامه خياري المقاومة والعلاقات المميّزة مع دمشق، والثاني تعزيز دوره في الطائفة الدرزية كي يكون شريكاً فعلياً فيها في التحالف مع سوريا.
 
هكذا كان مغزى ما قاله أرسلان أكثر من مرة منذ 11 أيار 2008، وهو أنه متعلق بخطين أحمرين لا يسمح بتجاوزهما: سوريا وحزب الله. بدأ دوره في 11 أيار لوضع حدّ للنزاع العسكري الشيعي ـــــ الدرزي، وكانت خاتمته أو تكاد مسعى بذله قبل ثلاثة أسابيع لدى أكثر من مسؤول سوري تجمعهم به علاقة وطيدة. التقى العقيد ماهر الأسد ومعاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف، واستقبله الرئيس السوري، وبحث في أكثر من اقتراح يساهم في تطبيع علاقة جنبلاط بسوريا، وخرج بإشارات إيجابية.

بالتأكيد يعرف جنبلاط أن ماهر الأسد ومحمد ناصيف ليسا من صنف رجالات النظام الذين صادقهم وتحالف معهم لأكثر من عقدين من الزمن، كنائب الرئيس عبد الحليم خدّام ورئيس الأركان العماد الأول حكمت الشهابي واللواء غازي كنعان. وبالتأكيد يعرف الرجلين الآخرين في النظام اللذين يضطلعان بأدوار أخرى لامست في ما مضى الملف اللبناني، كنائب الرئيس فاروق الشرع ووزير الخارجية وليد المعلم، لديهما مع الرئيس السوري تجربة مختلفة في العلاقات السورية ـــــ اللبنانية.

كان قد طُرِح ذهاب الوزير غازي العريضي إلى دمشق توطئة لزيارة جنبلاط. ثم طُوي الموضوع. اقترح بعض الجهات اللبنانية الذي نشط على خط زيارة العريضي حصولها سرّية، فرفض جنبلاط لأنها تفقد مغزاها. ثم أشيح النظر عنها تماماً.
 
يكاد يكون العريضي الوحيد من نواب الحزب التقدّمي الاشتراكي الذي لم يقطع شعرة معاوية مع دمشق. لم يشتمها ويهنها، ولم يهدّدها ويتمرجل عليها، ولم يتهمها بالقتل، لكنه لم يدافع عنها. عندما أوصدت سوريا الأبواب في وجه جنبلاط في 6 تشرين الثاني 2000 ومنعته ونواب حزبه من دخول الأراضي السورية تبعاً لتعميم رسمي، كان العريضي أول مَن ترجم إلغاء دمشق تعميمها هذا في الأسبوع الثاني من كانون الثاني 2001، فقصد كنعان توطئة لعودة الزعيم الدرزي إلى حضن الحليف. إلا أن الأسد لم يستقبل الزعيم الدرزي إلا في 23 أيار 2001. أدرك الطرفان حاجة كل منهما إلى الآخر، رغم ما حصل في ما بعد.

لا يكفي أن يذهب جنبلاط إلى دمشق، بل يقتضي أن تعود هي إليه أيضاً. تماماً على غرار ما حصل بين الأسد والحريري. كلاهما ذهب إلى الآخر.

الاخبار

2010-01-12