ارشيف من :أخبار لبنانية

مسيحيو 14 آذار يفقدون التوازن...بفارق كبير من النقاط جنبلاط لا يرغب باستبدال «خطوط التماس»...لكنه «يؤهّل» مساره

مسيحيو 14 آذار يفقدون التوازن...بفارق كبير من النقاط 
جنبلاط لا يرغب باستبدال «خطوط التماس»...لكنه «يؤهّل» مساره

كتب خضر طالب

يحق لوليد جنبلاط أن يستدرك محاولاً عدم إثارة حفيظة حلفائه السابقين بأن مصارحته مع العماد ميشال عون ليست موجهة ضد أحد منهم، تماماً كما كانت مصالحة الشويفات غير موجهة ضد أحد، لأنه لا يريد إقفال ملفات الخصومات على حساب خصومات جديدة، كما أنه لا يريد إزالة خطوط التماس من أمامه لتقوم أخرى من خلفه.

لذلك يمكن فهم حرص رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي على عدم «استفزاز» الآخرين في إعادة «تأهيل» مساره القديم، الذي بقي مهجوراً أكثر من أربع سنوات، وعلى قاعدة أن السير فيه لا يعني إقفال المتفرعات الأخرى في الاتجاهات المختلفة، وخصوصاً ممن كان أول من شقّ لهم طريق العبور إلى تلك الخيارات السياسية...
 
وهكذا يبدو حرص جنبلاط مدروساً لاعتبارات ذاتية وموضوعية، لكن ما لا يستطيع جنبلاط ضبطه أو استدراكه هو إمكانية استثمار الآخرين لحراكه وتوظيفه في خدمة شعاراتهم وحساباتهم.

وهذا ما يدركه جيداً حلفاء جنبلاط السابقون الذين ما زال بعضهم يراهن على أنه غير قادر على متابعة السير في طريقه الجديد ربطاً برهانات أخرى، منها ما يتعلّق بما يمكن أن يحصل في المنطقة ويقلب المعادلة التي قامت على قاعدة التفاهم بين المملكة العربية السعودية وسوريا والتي ستدفع جنبلاط للعودة إلى موقعه بجانبهم، ومنها ما يرتبط بالرهان على عدم قدرة رئيس الحكومة سعد الحريري، ومن خلفه تيار المستقبل الذي يشكّل العمود الفقري لتحالف قوى 14 آذار، على التوغّل كثيراً في الخيارات «الاضطرارية» التي سلكها.

خارج ذلك، يصبح هؤلاء الحلفاء من دون عصا مظلّة تنفع للاتكاء طالما لم تعد تنفع في الحماية من البلل. ومن البديهي أن يصيب الارتباك الفريق المسيحي في ما كان من قوى 14 آذار، وفي مقدمهم القوات اللبنانية التي لم تعد في وضع تُحسد عليه، بعد أن خسر هذا الفريق «أعمدة» التحالف التي بنى عليها كل مجده الذي خرج به من الظلمة خلال السنوات الخمس الماضية:

لم يعد تيار المستقبل قادراً على مواكبة تطلعات هذا الفريق وطموحاته وشعاراته، وحتى أعلامه التي ارتفعت في مناطق كانت خارج حتى أحلام هذا الفريق. بل إن «المستقبل»، أقلّه على مستوى القرار السياسي فيه، بات على مسافة من هذا الفريق مهما جرى تزيين العلاقة، ومهما استخدمت عبارات المجاملة وتأكيد ما كان من ثوابت.

أصيب فريق 14 آذار بنكسات وخيبات متتالية من خطوات جنبلاط وما صدّق أنه يمكن أن تحصل في أي وقت، لكنه شعر بالطعنة عندما رأى جنبلاط في الرابية يقف إلى جانب العماد ميشال عون متحدثاً عن المصارحة مذكراً بتكريس مصالحة الجبل.

خسر الفريق المسيحي في 14 آذار ما تمتع به من نعمة السلطة التي شارك بشكل فاعل في إدارة قرارها السياسي خلال المرحلة الماضية، وكان يمكن له أن يعضّ على الجرح لو أن هذه الخسارة لم تتحوّل مكسباً للخصم المسيحي العنيد العماد عون الذي ظهر فجأة أنه شريك كامل في إدارة السلطة والحكم من كل المواقع، ثم الشريك المسيحي الذي يمكنه أن يكرس مصالحة الجبل، من دون إغفال إشارة جنبلاط إلى رعاية البطريرك الماروني نصر الله صفير لها.

وبحساب سريع يتبين أن ما تحقق حتى الآن على مستوى المصالحات الوطنية، كنتيجة للمصالحة السعودية ـ السورية، جاء كله على حساب مسيحيي 14 آذار وموقعهم ودورهم وتأثيرهم، ولصالح جميع خصومهم، وعلى الأخص منهم التيار الوطني الحرّ الذي بدأ يقطف متأخراً ثمار خياراته السياسية التي اعتصم بها و«عضّ عليها بالنواجذ» عندما بدت في لحظة ما ضعيفة وغير قادرة على الصمود.

أما رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، فإنه يحاول جاهداً إخفاء ابتسامة الرضى، لأن خياراته الثابتة تاريخياً التي كانت تحاصره مسيحياً في زغرتا والشمال، أصبحت اليوم هي نفسها بوابة عبوره إلى الشارع المسيحي في جبل لبنان... هو لم يتغيّر، لكن الآخرين هم الذين تغيّروا.

ماذا يملك مسيحيو 14 آذار من خيارات بعد أن انفضّ الحلفاء تباعاً، طوعاً أو بحكم الواقعية، وبات تحالف 14 آذار قاب قوسين أو أدنى من خيارات حاسمة تحدد مصيره؟
لا يرغب الرئيس الحريري بالتخلي عن هؤلاء الحلفاء، لكنه لا يستطيع أن يستمر في خياراتهم.

ولا يريد وليد جنبلاط استبدال خصوماته وتحالفاته، لكنه غير قادر على مواكبة طموحات حلفائه «الطارئين».

يبحث أعضاء الفريق المسيحي في 14 آذار عن مخرج لأزمتهم التي تعيدهم إلى ما كانوا عليه قبل عام 2005 عندما اجتمعوا في قرنة شهوان لإصدار بيانات دورية تترجم نداءات بكركي، وتخفف عنها أثقال المواجهة السياسية، لكنهم عاجزون عن مغادرة خطابهم السياسي الذي ساهم في حصولهم على مساحة وافية من الضوء.
يحاول حزب الكتائب السير على حافة الهاوية باحثاً عن توازن في الخيار السياسي الذي لا يقطع الطريق مع الماضي ولا يدخله الطريق الذي سبقه إليه كثير من حلفائه، لكنه يبدو أقرب إلى السقوط منه إلى البقاء على طرف الجرف.

لا تستطيع القوات اللبنانية التخلّي عن شعاراتها ومواقفها وخياراتها لأنها تكون قد استسلمت بالكامل لخيارات التيار الوطني الحر، وبالتالي يكون رئيسها الدكتور سمير جعجع قد أسلم القيادة إلى الخصم «بالفطرة» العماد ميشال عون ومعه «العدو» اللدود سليمان فرنجية، فضلاً عن خصوم آخرين بالجملة والمفرّق لم يعرف يوماً كيف يصوغ معهم خطوط التواصل تحسباً لاحتمال اللقاء.

هي خسارة بالنقاط حتى الآن لمسيحيي 14 آذار، لكن بفارق كبير، تسبب بفقدان التوازن، وبحصر الخيارات المتاحة بين ثلاثة أيسرها الانسحاب وأوسطها الاستسلام وآخرها السقوط بالضربة القاضية...

هي معادلة معقّدة يصعب حلّها بما توفّر من آليات سياسية راهنة، لكنها بالتأكيد تكشف مآزق سياسية لا يملك أحد في الوقت الراهن الدواء الناجع لها.


السفير

2010-01-12