ارشيف من :أخبار لبنانية
عصبية جمهور المستقبل: مبالغات في تقدير حجم الاحتجاجات
كتب ابراهيم الأمين
يبدو ثقيلاً جداً المشهد القائم الآن داخل أروقة تيار المستقبل. سعد الحريري في مرحلة ثانية وجديدة من حياته السياسية. بات الآن رئيساً للحكومة، وفريقه القريب مضطر إلى أخذ هذا الأمر في الاعتبار. والتبدّل في لغة التخاطب مع الآخرين، أو الحديث عن أمور البلاد، يدخل فروقاً في اللغة التي كانت محصورة في وقت سابق بفريق سياسي له مؤيّدون وخصوم، ما ينعكس على قاعدة الرجل، باعتبار أن هؤلاء المستنفرين منذ عام 2005 دون هدوء، باتوا اليوم أقرب إلى حالة السكون التي تفرض عليهم مراجعة ولو بطيئة أو غير شاملة لما قاموا به منذ سنوات حتى اليوم. والحضور في الساحات والأندية والاجتماعات لم يعد إلزامياً للجميع، كما لم تعد هناك تعبئة تدفع الجمهور إلى الركض خلف هذا أو ذاك من نشطاء الأزقة وقادة المناطق. وغياب التنافس السياسي الحاد مع الآخرين، قلّص فترة المشاركة في النقاشات والتجمعات إلى أضيق الحدود، وبات الجميع منصرفاً إلى متابعات تغدو فردية يوماً بعد يوم. وثمة مساحة إضافية من الوقت كي يقول كلّ من هؤلاء ما كان يؤجّل قوله بسبب «دقة الظرف».
العاقلون من كل صوب يدعون إلى عدم المبالغة في توقع انفراط عقد التيار بسبب زيارة الرئيس سعد الحريري إلى سوريا، وذلك رداً على تحليلات وتقديرات قدّمها خصوم الحريري في أكثر من منطقة لبنانية، وخلاصتها أنه حان الوقت لاسترداد ما أخذه الحريري من شعبية هؤلاء، وأنه آن الأوان لاحتواء الآخرين من خلال اتباع سياسة مدّ اليد. وحصل أن جرت اختبارات لهذا العنوان في أكثر من منطقة لبنانية خلال الأيام التي تلت زيارة الحريري. وفي رأي أحد المعنيين بالأمر، وهو من خصوم رئيس الحكومة، فإن الحصيلة الفعلية هي أن العصبية ذات الخلفية الطائفية والسياسية التي تتحكم في جمهور الحريري ومؤيّديه لا تزال قوية جداً، وأي نقاش يقوم الآن أو أسئلة تطرح لا تتجاوز إطار النقاش في أي مكان وأي حزب وتيار، وأن ما قد يحصل في المدى المنظور هو إعادة تموضع بعض أصحاب المصالح الذين انتقلوا إلى جانب الحريري بسبب مصالحهم لا عن اقتناع بما يقوله الرجل.
وبحسب صاحب هذا الرأي، فان الإشارات تفرض المزيد من الحذر في التعامل مع هذا الملف، لأن من سيخرج معترضاً على زيارة الحريري إلى سوريا لن ينضم إلى خصومه من الذين تربطهم علاقات قوية بسوريا، بل على العكس، فقد تنشأ حالة سياسية أو شعبية غير منظمة، ترفع مواقف معترضة تتهم الحريري بالتخلي عن مبادئه، وهذه الجموع ستجد من يمدّ لها اليد بين جمهور وليد جنبلاط وتتقاطع مع جمهور مسيحيي 14 آذار الذين يعتقدون أن «الأرض» لم تتغيّر بعد.
مع ذلك، فإن قياديين في تيار «المستقبل» اضطروا خلال الفترة الماضية إلى الإجابة عن أسئلة كثيرة بشأن انعكاسات سلبية لزيارة الحريري على القاعدة الشعبية لتيار المستقبل، وربما سمع أحمد الحريري أو مصطفى علوش أو أحمد فتفت أو جمال الجراح أسئلة كثيرة عن الأمر، لكن هؤلاء يجيبون صدقاً بأن الأمور ليس كما يصوّرها الإعلام. وإذا كان أحمد الحريري أكثر انسجاماً مع الخطاب المطلوب من ابن خاله الرئيس الحريري، فإن المشكلة قد تبرز عند الآخرين مثل فتفت وعلوش، اللذين يعرفان أنه لم يعد في الإمكان استخدام لغة التحريض نفسها التي كانت تقوم سابقاً، وأن هذه اللغة، ولو قيلت في غرف مغلقة، فهي ستصل إلى من يهمه الأمر، عدا عن أن فعاليتها تتراجع إلى الحد الأدنى عندما يصبح البوح بها من أعمال الحرام.
لكن هل من إجراءات خاصة عند الرئيس الحريري لمواكبة ما يمكن تسميته التحوّل البطيء أو الاستدارة ولو الإلزامية في وجهته السياسية العامة؟
حتى اللحظة، لا يبدو أن الحريري يتعامل مع سوريا بالطريقة التي يتبعها وليد جنبلاط. فهو لا يقرّ بوجود دفتر شروط ملزم الأخذ ببنوده واحداً تلو الآخر.
وبالتالي، هو صاحب مصلحة مباشرة أو من خلال السعودية، في بناء علاقة مختلفة مع دمشق، لكنه ليس مضطراً وليس ذاهباً بقوة إلى خيار كهذا. هو ليس ملزماً بأي خطوة من التي يمكن أن يقدم عليها جنبلاط أو آخرون من القيادات السياسية التي ترغب في استئناف علاقات صحية مع سوريا. بهذا المعنى، سمع الحريري من القيادة السورية كلاماً عاماً مع بعض التفاصيل، وهو حرص على إبداء الرغبة إلى جانب الاستعداد لمعالجة الجانب الإعلامي من الملف، مع تشديده على أن الموضوع بحاجة إلى وقت.
ومع ذلك، فقد طاولت الشائعات مساعدين مقرّبين منه، مثل أنه أعفى هاني حمود من مهماته كمساعد إعلامي، أو أنه طلب من النائب باسم السبع الابتعاد عن الأضواء، أو أنه بصدد تأليف هيئة جديدة لا تتضمن أسماءً عرفت بأنها حرّضت بقوة على سوريا. لكنّ الحريري سارع، من دون الحاجة إلى عمل استعراضي، إلى تظهير دور هؤلاء إلى جانبه، وحرص على إشراكهم في لقاءات رسمية وغير رسمية له في بيروت وفي عواصم أخرى، وذلك من باب الرد على الشائعات ومن باب إعطاء الإشارة إلى من يهمه الأمر بأنه ليس في صدد القيام بأي خطوة يمكن اعتبارها شرطاً لازماً لتحسّن علاقته بسوريا.
الاخبار
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018