ارشيف من :أخبار لبنانية

أنقرة ترفض تحويل لبنان بنك أهداف إسرائيليّة

أنقرة ترفض تحويل لبنان بنك أهداف إسرائيليّة

جورج علم - صحيفة السفير

اختار رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان الجنوب ليجدد رفضه من هناك للإجراءات الأميركيّة المنوي اتخاذها بالنسبة الى سفر اللبنانييّن الى الولايات المتحدة. ويسري هذا الموقف على رفض الأسلوب التسلّطي الذي يدهم العلاقات، وهو أسلوب أعاد السجال من جديد حول الجدوى من الزيارة الرئاسيّة الى واشنطن، ومن خطط لها، وشجّع على القيام بها في توقيت ملتبس، بعد أن استقبل بلائحة الـ31 نائباً أميركيّاً متعاطفاً مع إسرائيل، وفوجئ بتباين واضح في المواقف مع نظيره باراك أوباما حول تنفيذ القرار 1701، وبتعاطف فاضح مع السياسة الإسرائيليّة المتبعة تجاه الفلسطينييّن، والمتنكّرة لأبسط الحقوق والمبادئ التي تنادي بها المبادرة العربيّة للسلام.

ولم يمض أسبوع على العودة من واشنطن حتى فوجئت الساحة الإعلاميّة بمشروع قانون أميركي صادر عن مجلس النواب ومحال على مجلس الشيوخ يقضي بمعاقبة الأقمار الصناعيّة، والمحطات الفضائيّة، والأشخاص والجهات التي تحرّض على العنف ضد الولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط. وقبل أن يتم الانتهاء من قراءته والتمعن بمضمونه، وردت الى بيروت مذكّرة الإجراءات الأميركيّة المنوي اتخاذها في المطارات والتي من شأنها ان تطال اللبنانيين المسافرين الى الولايات المتحدة.

ومرّت أيام على الحملة الاحتجاجيّة ـ الاعتراضيّة الرسميّة، ووجّه رئيس المجلس النيابي نبيه بريّ رسالة الى نظيرته رئيسة مجلس النواب الاميركي نانسي بيلوسي يؤكد فيها أن القانون هذا يشكّل انتقاصاً من سيادة الدول المقصودة به وبينها لبنان، ومساساً بمبدأ الحريّة، وحرية التعبير والحقوق المدنيّة، ويؤدي الى زيادة تعقيد العلاقات... فيما سارعت الدبلوماسيّة اللبنانيّة الى مواجهة هذه الإملاءات الوافدة، لتصحيح ما يمكن تصحيحه من خلال قنواتها الدبلوماسيّة، إلاّ أن الآمال بتغيير ما، تكاد تتبخّر لأن الاتصالات الأوليّة أدت الى نتائج عكسيّة وعلى قاعدة «نفّذ ثم اعترض».

وكانت بيروت قد استقبلت في زحمة هذه المعمعة أربعة وفود أميركيّة، الأول من وزارة الخزانة، وضمّ السيدتين فيل أوستل وتشير بيكيت، والثاني من مؤتمر مجلس الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة برئاسة نائب الرئيس المطران جيرالد كيكاناس، والثالث من مجلس النواب ويضمّ المرشّح الرئاسي السابق جون ماكيّن وجون باراسو، وجون تيون، فيما الرابع من الكونغرس برئاسة النائب الديموقراطي آلسي هاستينغز.

وأشار الإعلام الرسمي الى أن كبار المسؤولين شددوا أمام وفدي مجلسي النواب والشيوخ على موضوعي الإعلام، والإجراءات الأمنيّة في المطارات، وكيف تتوافق مع مصالح إسرائيل وتراعي أوضاعها، وتتعارض مع مصالح لبنان والدول العربيّة، وكيف تأتي هذه «الإملاءات الأميركيّة» متزامنة مع الحملة الإسرائيليّة الشرسة التي تستهدف لبنان، تحت شعار «تصفية الحسابات مع حزب الله».
ماذا تركت هذه الوفود ـ وتحديداً وفدا الكونغرس والنواب ـ من انطباعات؟.

ما تتداوله دوائر رسميّة متخصصة خلاصته الآتي: يتفهّم أعضاء الوفود الزائرة الموقف اللبناني المعترض، إلاّ أن لسان حالهم يقول إن الإجراءات المتخذة تفرضها المصالح الأميركيّة العليا، وعندما قرر المسؤول او المشترع اتخاذها لم يأخذ مصلحة لبنان بعين الاعتبار، ولم يراع مصلحة أي بلد آخر سوى المصالح الأميركيّة.

ويؤكد رئيسا وفدي الكونغرس والنواب على أن هذه التدابير قد اتخذت لتنفّذ، وفي ضوء التنفيذ، يصار الى تقييم النتائج، واعتماد الخيارات، فإما يتم التأكيد عليها وتطويرها، أو نقضها والتحررّ من أعبائها.

وإزاء هذا المنطق المحرج بصراحته، جرت مشاورات محليّة على أرفع المستويات لتنسيق التحرّك وسبل المواجهة بعدما توافق المسؤولون على أن هذا النوع من الإملاءات والإجراءات يصيب الخاصرة الرخوة في الداخل اللبناني، ويكرّس الانقسام حول الأولويات والخيارات بين من يضع سلاح «حزب الله» هدفاً لسياسته، ومن يتمسّك به كضرورة وطنية في هذا المرحلة لمواجهة الغطرسة الإسرائيليّة.

والأدهى أن ما تحاول أن تصدّره الولايات المتحدة يتوافق والتهديدات الإسرائيليّة، وكأن هناك تنسيق وتناغم محكمين بين الدولتين، او كأن لبنان قد أصبح بين فكيّ كماشة: تهديدات أميركيّة بأساليب ملتوية من جهة، وتهديدات إسرائيليّة مباشرة من جهة أخرى.

ويفيد مصدر دبلوماسي لبناني أنه عندما يصل جورج ميتشيل الى بيروت في غضون الأيام القليلة المقبلة سيسمع من المسؤولين ما هو أبعد من رسائل الرفض والاعتراض، وسيواجه بمصارحة تؤكد على أن القانون المعتمد إنما يخالف كلّ الإدّعاءات الأميركيّة الرسميّة تجاه لبنان، والتي تؤكد الحرص على السيادة والاستقلال طالما أنه يشكّل اختراقا لأبسط قواعد السيادة والاستقلال، كما سيتم التعامل معه كما لو أنه إعلان حرب أميركيّة ضدّ وسائل الإعلام المتعاطفة مع «حزب الله»، ومع المقاومات الناشطة في العالمين العربي والاسلامي، والمناصرة للحقوق القوميّة والقضايا العادلة.

وتأتي زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى أنقرة لتتجاوز كل ما هو متداول من عناوين تصب في خانة تطوير العلاقات الثنائيّة، لتركز على العمق الاستراتيجي للمساعدة على مواجهة خطرين محدقين: خطر إسرائيلي تمهّد له حكومة بنيامين نتنياهو وتبرره من خلال التأكيد على التماهي ما بين الحكومة اللبنانية و«حزب الله»، وعندما تهدد بتغيير قواعد اللعبة في الجنوب إنما تهدد الحكومة اللبنانيّة التي يشكّل «الحزب» عنصراً بارزاً من مكوناتها. أما الخطر الثاني فهو المنطق الإسرائيلي الذي تستخدمه الإدارة الأميركيّة في التعاطي مع لبنان، وعندما تقرّ واشنطن ضمناً، وتعـترف علناً بأن الإجراءات المتخذة إنما هي رزمة واحدة، وصيغت في إطار شمولي، فهذا يعني إن مردوداتها وأوزارها الثقيلة ستتحملها الحكومة اللبنانية، لا فئة او حزب وحده.

ويرى المصدر اللبناني ان ردّة الفعل الإسرائيليّة الهستيريّة على المواقف التي أعلنها كبار المسؤولين الأتراك تجاه لبنان تؤكد على نجاح المحادثات التي أجراها الرئيس الحريري والوفد المرافق، وهي محادثات تهدف أولاً الى مخاطبة تركيا حاضنة الحلف الأطلسي، والتي تحتل موقعاً مرموقاً في المعادلة الاميركيّة في المنطقة لا يمكن تجاوزه، وتهدف ثانيّا الى مخاطبة تركيا التي وقفت منذ الحرب الإسرائيليّة على غزّة موقفاً مندداً بسياسة الغطرسة المتعمّدة، ومهدداً بعدم استمرارها «مكتوفة الأيدي» إذا ما استمرت سياسة الغطرسة هي السائدة، واستمر لبنان «بنك أهداف» تهدد حكومة بنيامين نتنياهو بقصفها.


2010-01-13