ارشيف من :أخبار لبنانية
من 29 آب 2008... 17 شهراً على رأس المؤسسة العسكرية قهوجي يعبر الامتحان الصعب...وأمامه 5 تحديات
نبيل هيثم - السفير
في التاسع والعشرين من كانون الثاني الجاري، يـُتـِم العماد جان قهوجي الشهر السابع عشر على رأس المؤسسة العسكرية.
هي فترة قصيرة نسبيا، شكلت امتحانا للرجل الآتي الى رأس الهرم العسكري من قلب البيئة اللوجستية العملانية الميدانية للجيش، التي خبرت مؤسسة العسكر وظروفها عن تجربة حقيقية، واتاحت لقائد الجيش الدخول عميقا في شؤون المؤسسة وشجونها، وان يعيشها بدقائقها، وان يشعر عن قرب بوجع الجيش كما بفرحه، من الجندي وصعودا حتى الضابط الارفع رتبة فيه.
دخل جان قهوجي الامتحان الصعب، اعتبارا من التاسع والعشرين من آب 2008، وتجلى في دأبه على اخراج مؤسسة العسكر من قالب المرحلة الصعبة التي سبقت اختياره كقائد للجيش، واستحكمت بالبلد منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، وتبدت في اصطفافات سياسية ومذهبية خطيرة، وهزات سياسية وامنية متعددة الاسباب والاشكال، عاش الجيش اقسى تلك الهزات في حرب نهر البارد والمواجهة مع الارهاب، وايضا في مواجهة السهام التي اطلقت عليه في فترة الاصطفاف السياسي ما بين 8 و14 آذار وصولا الى 7 ايار 2008.
في هذا الامتحان، تميّز جان قهوجي بدمغة خاصة، ظهـّرتها منهجية اداء وعمل مكثف مكّناه من الاستيعاب السريع لمكنون اللعبة السياسية المتحكمة بلبنان. ومن هنا كانت الانطلاقة الاولى، والبداية من النأي بمؤسسة الجيش عن السياسة والسياسيين، فأنتج سريعا ـ وهذه تسجل له ـ ثقافة علاقة تسمح للمستويات السياسية بمقاربة مؤسسة الجيش من الخارج، ليس كمؤسسة نزاع وطني بل كمؤسسة وفاق وطني، لكن دون تمكين اخطبوط السياسة من مد ذراعاته الى العمق وتسريب نفوذه اليها.
على ان الاهم في موازاة ذلك، كان الثبات على عقيدة الجيش الوطنية، التي ترتبط بعلاقة وطيدة مع المقاومة، وتميّز بين عدو لبنان اسرائيل وشقيقه وصديقه.
لا تقف مهمة جان قهوجي هنا، بل هي مستمرة ولها تتمات ضرورية يسعى الى تجاوزها، ويستنتج من الحديث مع قائد الجيش ان امامه مشوارا طويلا، وفترة التعب لم تنته: «اصلا، التعب هو شغلتنا، ولست من الذين يتذمرون من التعب».
كما يستنتج من الحديث ان تلك التتمات في المفهوم العسكري، هي تحديات كبرى ماثلة امام الجيش:
ـ التحدي الاول: مواجهة الخطر الاسرائيلي على الحدود وتفكيك شبكات التجسس. «ان الجيش في هذا السياق على جهوزية تامة لأي طارئ على الحدود او في الداخل».
وأما كيف سيتصرّف الجيش في مواجهة الامر الطارئ على الحدود برغم قدراته المتواضعة، فتلخصه واقعة حدثت بعد توحيد الجيش اللبناني في العام 1991. في ذلك الحين، كان النقيب جان قهوجي قائد كتيبة في اللواء العاشر في الجيش، وكانت مهمتها التمركز في صور. ومن شهد وقائع تلك الحادثة يتذكر ان انتشار الكتيبة في صور كان يتواكب مع تحليق للطيران الاسرائيلي، يومها اعطى النقيب قهوجي الامر بالتصدي للطيران الاسرائيلي بالسلاح الموجود وكان كناية عن رشاشات الـ«12.7» ومضادات الـ«23».
وعلى ما تفيد الحادثة، فإن ثمة من سأل آنذاك عن جدوى صرف الذخيرة «على الفاضي»، ولا سيما ان الطيران الاسرائيلي يحلق على ارتفاع شاهق. فرد النقيب قهوجي على صاحب السؤال وقال: انت تضع مسدسا على جانبك، وانت الآن تتلقى مني امرا، فعندما تمرّ طائرة اسرائيلية من فوقنا، معك امر بأن تطلق عليها النار حتى من مسدسك، ولو كانت على ارتفاع مئة كيلومتر. وهذا اقل ما يمكن ان تمليه علينا كرامتنا الوطنية.
ولهذه الحادثة تتمة في مكان آخر على مقربة من قائد الجيش، تفيد بـ«ان لاسرائيل نياتها وتهديداتها وهي تصنع ذرائعها لاي حرب او عمل عدواني، أما نحن فنعرف انها اقوى منا، الا ان ذلك لا يعني ان نسلم لها، فهي تستطيع ان تضربني، اما انا فاستطيع ان اضربها ايضا واوجه لها ضربات تؤلمها بقدر ما تؤلمني وربما اكثر، هذا هو قرارنا بكل بساطة».
ـ التحدي الثاني: ترسيخ الاستقرار الداخلي وصيانة السلم الاهلي وحماية الوحدة الوطنية. «هنا الجيش في جهوزية كاملة لمنع الاخلال بالامن، وتراه حاضرا عند أي طارئ لفرض الامن بلا انحياز لفريق دون آخر. والوضع السياسي مطمئن، وليس فيه ما يبعث على القلق، وهذا امر جيد».
ـ التحدي الثالث: خطر المنظمات الارهابية ومطاردة افرادها، فهذا العنوان اساسي في سلم متابعات الجيش «لقد قطعنا شوطا مهما جدا ومتقدما جدا في كشف الخلايا الارهابية في لبنان وتفكيكها، ونجحنا الى حد بعيد في ضبط هذا الموضوع، وفي الخلاصة عيوننا مفتوحة».
يقول مسؤول امني «ان الجيش يعمل بصمت في شتى المجالات المتصلة بمكافحة الارهاب او مطاردة المخلين بالامن على اختلافهم او ملاحقة امور اخرى. همنا الاساسي ليس الاثارة الاعلامية التي يكون لها في الكثير من الاحيان المردود البالغ السلبية. نحن في هذا السياق نعمل على اساس معادلة السمكة والدجاجة. فالاثنتان تبيضان، والسمكة تضع بيضها بالآلاف كل مرة من دون ان تصدر صوتا ، بينما الدجاجة تبيض بيضة واحدة وتملأ الدنيا صراخا».
ـ التحدي الرابع: الفقر التسليحي الذي تعاني منه المؤسسة العسكرية، ومعلوم هنا ان الولايات المتحدة الاميركية هي المصدر الوحيد لتسليح الجيش بعتاد متواضع، حتى ان الدول العربية التي تقدم السلاح الى لبنان تقدمه من ذات الفصيلة المتواضعة وبعد اخذ الاذن من الولايات المتحدة. «الجيش يحتاج الى سلاح دفاعي قوي، والمهام المطلوبة منه لمواجهة التحديات السابقة الذكر، واخطرها الخطر الاسرائيلي، تتطلب مد الجيش بالسلاح والعتاد، نحن موعودون بالمال، فعندها يمكن ان نتوجه الى شراء سلاح من اميركا ومن غير اميركا».
ـ التحدي الخامس: مشكلة التضخم في الرتب العالية التي تعاني منها المؤسسة العسكرية، وهو الامر الذي يتطلب الذهاب فورا الى ما يسمى في الجيش «تهوئة الملاكات». وهذا يتأمن من خلال اقرار مشروع الحوافز الموجود امام لجنة الدفاع في مجلس النواب.
لماذا الحوافز؟
ترد الاسباب في رواية تفيد بأن العماد قهوجي، بعد فترة وجيزة على تسلمه قيادة الجيش، طلب اعداد مشروع قانون يتعلق بالحوافز، لفتح المجال لضباط الرتب العالية بأن يتقدموا باستقالاتهم، بما يساعد على اعادة ضبط الهرم القيادي الذي يفترض ان يكون ضيقا من فوق، وواسعا من تحت، والذي اصيب بخلل واضح نتيجة التضخم الطبيعي في عدد الضباط من رتبتي عميد وعقيد، وقد بلغ العدد بعد ترقيات 1ـ1ـ2010 نحو 1150 ضابطا برتبة عقيد ونحو 420 ضابطا برتبة عميد.
وقد احيل هذا المشروع من قيادة الجيش على الحكومة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، حيث تعرّض المشروع لنوع من التبطيء، فنام في ادراج رئاسة الحكومة ما يزيد على اربعة اشهر. وبعد اخذ ورد غير مرئيين وغير مسموعين الا بين قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، احيل هذا المشروع على مجلس النواب لاقراره، لكنه تجمـّد نتيجة انتهاء ولاية المجلس واجراء الانتخابات النيابية، واستمر المشروع «في البراد» الى حين تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، فأعيد تحريك المشروع
يقال في هذا المجال ان الجيش تلقى وعدا بإقرار سريع لمشروع الحوافز. ويقول قائد الجيش ان المشروع حيوي جدا للجيش، ويقول نواب في لجنة الدفاع النيابية انهم ينتظرون وزير الدفاع الياس المر كي يبدي رأيه لعله يساعد في تسريع عملية التوليد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018