ارشيف من :أخبار لبنانية
الانقلاب الجديد على الطائف!
بهيج طبارة
عندما طُرح تعديل الدستور في العام 1990، تنفيذاً لاتفاق الطائف، أقر النواب بالإجماع، ودون مناقشة، تعديل المادة 95 التي تنص على تشكيل هيئة وطنية لدراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وفق خطة مرحلية. اقتصر النقاش في تلك الجلسة على تصريح للنائب زاهر الخطيب الذي أعرب عن سعادته بإلغاء النص القديم لهذه المادة الذي كان يدعو لتمثيل الطوائف في الوظائف العامة بصورة مؤقتة.
أما النائب بطرس حرب فقد اكتفى بتوضيح أن الخطة المرحلية التي سوف تضعها الهيئة الوطنية العتيدة تهدف إلى إزالة المراحل الطائفية من النفوس، لأنه إذا لم تلغ الطائفية من النفوس، لا نكون قد عملنا شيئاً.
ولا عجب أن يكون تعديل المادة 95 من الدستور قد حاز، في حينه، على إجماع النواب، من دون نقاش، لأن اتفاق الطائف الذي أرسى قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بمعزل عن العدد، إنما وضع ذلك في إطار رؤية للمستقبل تهدف إلى تجاوز الحالة الطائفية عن طريق إلغاء الطائفية السياسية على مراحل.
وجدير بالذكر أن النواب، لدى إقرار مقدمة الدستور، من أجل تضمينها المبادئ العامة الواردة في وثيقة الوفاق الوطني، ارتأوا تعديل الفقرة (ح) من الوثيقة التي كانت تنص على مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية باستبداله بمبدأ آخر هو إلغاء الطائفية السياسية بحيث أصبحت الفقرة المذكورة في الدستور تنص على أن:
«إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية».
وتدليلاً على الأهمية التي أولاها المؤتمرون في الطائف على تجاوز الحالة الطائفية، نصت الوثيقة على أنه، في المرحلة الانتقالية، لا تخصص أية وظيفة لأية طائفة، ويُلغى ذكر الطائفية والمذهب في بطاقة الهوية.
إلا أن الأهم هو ما جاء في اتفاق الطائف بالنسبة لقانون الانتخاب الذي ينبغي، بحسب الطائف، أن يعتمد المحافظة دائرة انتخابية بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وأن يؤمّن الانصهار الوطني ويراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين.
وهكذا فإن طرح الرئيس نبيه بري موضوع تشكيل الهيئة الوطنية يندرج في سياق التوجه العام الذي توافق عليه النواب، في حينه، بالإجماع، وأصبح موجباً دستورياً ملزماً منذ العام 1992، أي منذ أن تمّ انتخاب مجلس النواب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. لذلك فإن تحريك هذا النص الدستوري اليوم من أجل المباشرة بتطبيقه لا يحتاج إلى تبرير، بل أن تقاعس السلطة عن إثارة الموضوع طوال أكثر من خمس عشرة سنة هو الذي يحتاج إلى تفسير.
إن الشكوى من مساوئ النظام الطائفي لم تنطلق من الطائف، بل أن التنديد به نجده في البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الأولى عام 1943 الذي وصفه بأنه يقيّد التقدم الوطني ويسمّم العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني ويجعل من الوطن الواحد أوطاناً متعددة. وما زالت تتردد العبارة التي وردت فيه:
«إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله».
ولم يغب عن البيان أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي، لذلك جاء فيه أننا:
«سنعمل جميعاً بالتعاون، تمهيداً وإعداداً، حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان إلى تحقيق هذا الإصلاح القومي الخطير».
واليوم، بعد مرور أكثر من ست وستين سنة، فإنه لا يبدو أن «الساعة المباركة» التي بشّرت بها حكومة الاستقلال الأولى باتت قريبة المنال، أو أنها سوف تدق قريباً..
ذلك أن الوعود لم تقترن ولو ببداية تنفيذ، وقد عرف لبنان منذ ذلك التاريخ دورات من العنف، ملفتة بانتظامها، اتخذت دوماً منحى طائفياً أو مذهبياً، وبقيت كذلك حتى الأمس القريب.
فبعد أقل من خمس عشرة سنة على الاستقلال، كانت ثورة العام 1958. ثم تلتها بعد أحد عشر عاماً أحداث العام 1969 والأزمة الحكومية الأطول في تاريخ الحكومات في لبنان إلى أن اقترنت باتفاق القاهرة الشهير. ثم بعد ست سنوات، الحرب الأهلية الأطول في تاريخ لبنان عام 1975 والتي اقترنت باتفاق الطائف.
وها نحن، بعد أقل من خمسة عشر عاماً، نعيش مرحلة من الأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة، قبل وبعد اتفاق الدوحة، تؤشر كلها إلى حالة مرضية مزمنة يعاني منها نظامنا السياسي، عبّر عنها الرئيس فؤاد شهاب في بيان عزوفه عن الترشح للرئاسة عام 1970 بقوله إن المؤسسات السياسية اللبنانية والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي لم تعد صالحة للنهوض بلبنان.
إن اتفاق الطائف وضع يده على مكمن الداء فحدّد الهدف بوضوح ورسم الآلية الواجب إتباعها للوصول إلى هذا الهدف، من دون ان يُغفل أن الطريق طويل، وأن ثمة مراحل لا بد من المرور بها.
في أواخر مدة ولايته الممددة، تقدم الرئيس الياس الهراوي من مجلس الوزراء بمشروع قانون اختياري للزواج المدني وقدمه يومئذ كمدخل لإلغاء الطائفية السياسية التي نص عليها الدستور. وقد علّقنا في حينه على هذه المبادرة بمذكرة خطية مسهبة بيّنا فيها أنه، بعد أن لحظ الدستور الآلية الواجب اعتمادها لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية تضعها الهيئة الوطنية، لم يعد يحق لأحد، أياً كان، طلب اعتماد إجراءات منفردة تهدف في رأيه إلى إلغاء الطائفية خارج الخطة المرحلية العتيدة بعد إقرارها حسب الأصول. وإلا، أي إذا جاز تعميم القاعدة، والسماح لمختلف المراجع بتقديم اقتراح من هنا واقتراح من هناك، كيف يمكن للهيئة المذكورة أن تمارس عملها وتقترح على المراجع المختصة خطة متكاملة تنفذ على مراحل؟
لذلك فإن ثمة ترابطاً وتكاملاً في الطائف بين الهدف المنشود والإصلاحات التي دعا إليها، وفي طليعتها قانون الانتخاب واللامركزية الإدارية وإنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
لقد نجح الرئيس نبيه بري، من خلال مبادرته الأخيرة، في استدراج القيادات السياسية للكشف عن حقيقة مواقفها من موضوع الطائفية السياسية. فتراوحت ردود الفعل على هذه المبادرة بين مؤيّد لها من دون تحفظ، ومعارض لها بالمطلق، متمسّك بالطائفية السياسية كنظام حكم لا يصح التخلي عنه تحت طائلة تعريض الكيان اللبناني للخطر. وبين هذين الموقفين، مواقف رافضة تحت ذرائع مختلفة كاشتراط توفر الإجماع من أجل البحث في تشكيل الهيئة الوطنية إلى اشتراط إلغاء الطائفية من النفوس قبل البحث في إلغائها من النصوص.
وفي خضم هذا الجدل، يضيع النص الدستوري الملزم الذي قضى بوجوب تأليف الهيئة الوطنية من قبل مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة لدرس واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وكأننا اليوم بصدد مناقشة ما إذا كان إلغاء الطائفية السياسية يشكّل هدفاً وطنياً يقتضي العمل على تحقيقه على مراحل. ويضيع معه، وهذا هو الأهم، أحد أهم الأهداف التي حدّدها الطائف لإصلاح النظام السياسي في لبنان ووضعه على السكة في الاتجاه الصحيح.
إنه انقلاب جديد على الطائف، بكل ما للكلمة من معنى، شارك فيه، عن جهل أم عن قصد، بعض من يدعي الانتماء إلى الطائف وينادي بالحفاظ عليه كجزء من إرث سياسي ثمين.
والمؤسف أنه ليس الانقلاب الأول. فقد سبقه الرجوع في قانون الانتخاب خمسين سنة إلى الوراء من أجل توزيع المقاعد في مجلس النواب حصصاً بين الفرقاء السياسيين. سبقه اعتماد القضاء بدلاً من المحافظة كدائرة انتخابية والتوجه نحو تمكين كل طائفة، بل كل مذهب، أن ينتخب نوابه، مع ما أدى إليه ذلك من إثارة للعصبيات الطائفية والمذهبية ومن اصطفافات ما نزال نشكو من ارتداداتها ـ وذلك خلافاً لما كان يدعو إليه اتفاق الطائف من قانون يؤمّن الانصهار الوطني ويراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين.
وقد تكرّس، بنتيجة مخالفة الطائف بالممارسات اليومية المتكررة، تخصيص كل وظيفة في إدارات الدولة إلى طائفة أو مذهب معيّن، إلى أن انتقلت عدوى طائفية الوظيفة إلى المناصب القضائية والأمنية.
سبق أيضاً الانقلاب الجديد على الطائف أسلوب تشكيل الحكومة الحاضرة والحكومة التي سبقتها خلافاً للطائف ولنص الدستور وروحه، وطريقة تسمية الوزراء واحتسابهم على فريق سياسي معيّن، كما تخصيص رئيس الجمهورية بعدد من المقاعد الوزارية في الحكومة.
ومن سخرية الأقدار أن الانقضاض على الطائف يتم غالباً من قبل المنقلبين عليه تحت شعار التمسك به والحرص عليه.
عندما طُرح تعديل الدستور في العام 1990، تنفيذاً لاتفاق الطائف، أقر النواب بالإجماع، ودون مناقشة، تعديل المادة 95 التي تنص على تشكيل هيئة وطنية لدراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وفق خطة مرحلية. اقتصر النقاش في تلك الجلسة على تصريح للنائب زاهر الخطيب الذي أعرب عن سعادته بإلغاء النص القديم لهذه المادة الذي كان يدعو لتمثيل الطوائف في الوظائف العامة بصورة مؤقتة.
أما النائب بطرس حرب فقد اكتفى بتوضيح أن الخطة المرحلية التي سوف تضعها الهيئة الوطنية العتيدة تهدف إلى إزالة المراحل الطائفية من النفوس، لأنه إذا لم تلغ الطائفية من النفوس، لا نكون قد عملنا شيئاً.
ولا عجب أن يكون تعديل المادة 95 من الدستور قد حاز، في حينه، على إجماع النواب، من دون نقاش، لأن اتفاق الطائف الذي أرسى قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بمعزل عن العدد، إنما وضع ذلك في إطار رؤية للمستقبل تهدف إلى تجاوز الحالة الطائفية عن طريق إلغاء الطائفية السياسية على مراحل.
وجدير بالذكر أن النواب، لدى إقرار مقدمة الدستور، من أجل تضمينها المبادئ العامة الواردة في وثيقة الوفاق الوطني، ارتأوا تعديل الفقرة (ح) من الوثيقة التي كانت تنص على مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية باستبداله بمبدأ آخر هو إلغاء الطائفية السياسية بحيث أصبحت الفقرة المذكورة في الدستور تنص على أن:
«إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية».
وتدليلاً على الأهمية التي أولاها المؤتمرون في الطائف على تجاوز الحالة الطائفية، نصت الوثيقة على أنه، في المرحلة الانتقالية، لا تخصص أية وظيفة لأية طائفة، ويُلغى ذكر الطائفية والمذهب في بطاقة الهوية.
إلا أن الأهم هو ما جاء في اتفاق الطائف بالنسبة لقانون الانتخاب الذي ينبغي، بحسب الطائف، أن يعتمد المحافظة دائرة انتخابية بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وأن يؤمّن الانصهار الوطني ويراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين.
وهكذا فإن طرح الرئيس نبيه بري موضوع تشكيل الهيئة الوطنية يندرج في سياق التوجه العام الذي توافق عليه النواب، في حينه، بالإجماع، وأصبح موجباً دستورياً ملزماً منذ العام 1992، أي منذ أن تمّ انتخاب مجلس النواب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. لذلك فإن تحريك هذا النص الدستوري اليوم من أجل المباشرة بتطبيقه لا يحتاج إلى تبرير، بل أن تقاعس السلطة عن إثارة الموضوع طوال أكثر من خمس عشرة سنة هو الذي يحتاج إلى تفسير.
إن الشكوى من مساوئ النظام الطائفي لم تنطلق من الطائف، بل أن التنديد به نجده في البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الأولى عام 1943 الذي وصفه بأنه يقيّد التقدم الوطني ويسمّم العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني ويجعل من الوطن الواحد أوطاناً متعددة. وما زالت تتردد العبارة التي وردت فيه:
«إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله».
ولم يغب عن البيان أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي، لذلك جاء فيه أننا:
«سنعمل جميعاً بالتعاون، تمهيداً وإعداداً، حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان إلى تحقيق هذا الإصلاح القومي الخطير».
واليوم، بعد مرور أكثر من ست وستين سنة، فإنه لا يبدو أن «الساعة المباركة» التي بشّرت بها حكومة الاستقلال الأولى باتت قريبة المنال، أو أنها سوف تدق قريباً..
ذلك أن الوعود لم تقترن ولو ببداية تنفيذ، وقد عرف لبنان منذ ذلك التاريخ دورات من العنف، ملفتة بانتظامها، اتخذت دوماً منحى طائفياً أو مذهبياً، وبقيت كذلك حتى الأمس القريب.
فبعد أقل من خمس عشرة سنة على الاستقلال، كانت ثورة العام 1958. ثم تلتها بعد أحد عشر عاماً أحداث العام 1969 والأزمة الحكومية الأطول في تاريخ الحكومات في لبنان إلى أن اقترنت باتفاق القاهرة الشهير. ثم بعد ست سنوات، الحرب الأهلية الأطول في تاريخ لبنان عام 1975 والتي اقترنت باتفاق الطائف.
وها نحن، بعد أقل من خمسة عشر عاماً، نعيش مرحلة من الأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة، قبل وبعد اتفاق الدوحة، تؤشر كلها إلى حالة مرضية مزمنة يعاني منها نظامنا السياسي، عبّر عنها الرئيس فؤاد شهاب في بيان عزوفه عن الترشح للرئاسة عام 1970 بقوله إن المؤسسات السياسية اللبنانية والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي لم تعد صالحة للنهوض بلبنان.
إن اتفاق الطائف وضع يده على مكمن الداء فحدّد الهدف بوضوح ورسم الآلية الواجب إتباعها للوصول إلى هذا الهدف، من دون ان يُغفل أن الطريق طويل، وأن ثمة مراحل لا بد من المرور بها.
في أواخر مدة ولايته الممددة، تقدم الرئيس الياس الهراوي من مجلس الوزراء بمشروع قانون اختياري للزواج المدني وقدمه يومئذ كمدخل لإلغاء الطائفية السياسية التي نص عليها الدستور. وقد علّقنا في حينه على هذه المبادرة بمذكرة خطية مسهبة بيّنا فيها أنه، بعد أن لحظ الدستور الآلية الواجب اعتمادها لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية تضعها الهيئة الوطنية، لم يعد يحق لأحد، أياً كان، طلب اعتماد إجراءات منفردة تهدف في رأيه إلى إلغاء الطائفية خارج الخطة المرحلية العتيدة بعد إقرارها حسب الأصول. وإلا، أي إذا جاز تعميم القاعدة، والسماح لمختلف المراجع بتقديم اقتراح من هنا واقتراح من هناك، كيف يمكن للهيئة المذكورة أن تمارس عملها وتقترح على المراجع المختصة خطة متكاملة تنفذ على مراحل؟
لذلك فإن ثمة ترابطاً وتكاملاً في الطائف بين الهدف المنشود والإصلاحات التي دعا إليها، وفي طليعتها قانون الانتخاب واللامركزية الإدارية وإنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
لقد نجح الرئيس نبيه بري، من خلال مبادرته الأخيرة، في استدراج القيادات السياسية للكشف عن حقيقة مواقفها من موضوع الطائفية السياسية. فتراوحت ردود الفعل على هذه المبادرة بين مؤيّد لها من دون تحفظ، ومعارض لها بالمطلق، متمسّك بالطائفية السياسية كنظام حكم لا يصح التخلي عنه تحت طائلة تعريض الكيان اللبناني للخطر. وبين هذين الموقفين، مواقف رافضة تحت ذرائع مختلفة كاشتراط توفر الإجماع من أجل البحث في تشكيل الهيئة الوطنية إلى اشتراط إلغاء الطائفية من النفوس قبل البحث في إلغائها من النصوص.
وفي خضم هذا الجدل، يضيع النص الدستوري الملزم الذي قضى بوجوب تأليف الهيئة الوطنية من قبل مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة لدرس واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وكأننا اليوم بصدد مناقشة ما إذا كان إلغاء الطائفية السياسية يشكّل هدفاً وطنياً يقتضي العمل على تحقيقه على مراحل. ويضيع معه، وهذا هو الأهم، أحد أهم الأهداف التي حدّدها الطائف لإصلاح النظام السياسي في لبنان ووضعه على السكة في الاتجاه الصحيح.
إنه انقلاب جديد على الطائف، بكل ما للكلمة من معنى، شارك فيه، عن جهل أم عن قصد، بعض من يدعي الانتماء إلى الطائف وينادي بالحفاظ عليه كجزء من إرث سياسي ثمين.
والمؤسف أنه ليس الانقلاب الأول. فقد سبقه الرجوع في قانون الانتخاب خمسين سنة إلى الوراء من أجل توزيع المقاعد في مجلس النواب حصصاً بين الفرقاء السياسيين. سبقه اعتماد القضاء بدلاً من المحافظة كدائرة انتخابية والتوجه نحو تمكين كل طائفة، بل كل مذهب، أن ينتخب نوابه، مع ما أدى إليه ذلك من إثارة للعصبيات الطائفية والمذهبية ومن اصطفافات ما نزال نشكو من ارتداداتها ـ وذلك خلافاً لما كان يدعو إليه اتفاق الطائف من قانون يؤمّن الانصهار الوطني ويراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين.
وقد تكرّس، بنتيجة مخالفة الطائف بالممارسات اليومية المتكررة، تخصيص كل وظيفة في إدارات الدولة إلى طائفة أو مذهب معيّن، إلى أن انتقلت عدوى طائفية الوظيفة إلى المناصب القضائية والأمنية.
سبق أيضاً الانقلاب الجديد على الطائف أسلوب تشكيل الحكومة الحاضرة والحكومة التي سبقتها خلافاً للطائف ولنص الدستور وروحه، وطريقة تسمية الوزراء واحتسابهم على فريق سياسي معيّن، كما تخصيص رئيس الجمهورية بعدد من المقاعد الوزارية في الحكومة.
ومن سخرية الأقدار أن الانقضاض على الطائف يتم غالباً من قبل المنقلبين عليه تحت شعار التمسك به والحرص عليه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018