ارشيف من :أخبار لبنانية
واشـنطن تسـأل: مـاذا سـيفعل «حـزب اللـه»؟
نبيل هيثم - صحيفة السفير
من نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في زمن الانتخابات النيابية, الى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بعد نائب رئيسها بأيام, الى قائد المنطقة الوسطى الجنرال بتريوس قبلهما وبعدهما, الى وفود الكونغرس المتتالية, الى وفود أكاديمية موجودة حاليا بمهام استطلاعية لوقائع سياسية اقتصادية اجتماعية لمصلحة الادارة الاميركية, الى جون ماكين قبل ايام, إلى مستشار الامن القومي في البيت الابيض الجنرال جيمس جونز, بعده بأيام, وأخيرا, وأكيد ليس آخرا, الموفد الاميركي جورج ميتشل... رتل اميركي طويل من اصحاب الرتب العالية في إدارة الرئيس باراك اوباما, وبزيارات متتالية للبنان بمعدل مسؤول في الشهر, وبلغت مؤخرا معدلا عاليا فحملت الى هذا البلد الصغير مسؤولين كبيرين في الدولة العظمى بظرف أسبوع واحد.
السؤال البديهي الذي يفرض نفسه بموازاة تلك الزيارات: ماذا يريد الأميركيون من لبنان, هل تستبطن زيارات المسؤولين الاميركيين أجندة سرية, وهل تتم بالتوازي مع سيناريوهات معيّنة في المنطقة ومن ضمنها لبنان؟
الرتل الأميركي في عين الرصد الداخلي, وقد يقال ان لكل زيارة ظروفها, وقد تبنى لها أسباب تقليدية علنية, ثبت بالعين الواقعية أنها غير مقنعة في مجملها للمستويات السياسية العاكفة على التنقيب عن الأسباب الحقيقية المحركة لهذه الاندفاعة الأميركية تجاه لبنان, والتي يجري الإفصاح عن بعض ملامحها حصرا في غرف مغلقة محدودة يقطنها حلفاء واشنطن في بيروت.
بعض تلك المستويات السياسية تحاكم زيارات المسؤولين الأميركيين للبنان من حيث الشكل, فتخلص الى ان لبنان ما يزال يحتل مرتبة منخفضة في سلم الأولويات الأميركية, جراء التبدلات الجذرية التي فرضتها «حرب تموز» 2006, والوقائع الداخلية التي أنتجها 7 أيار 2008, لكنه لم يسقط من سلم الاهتمامات.
ويأتي الإغراق الأميركي لساحة لبنان بالزيارات المتتالية في سياق تلك الاهتمامات التي سجلت معدلا مثيرا بلغ ثلاثة زوار في شهر واحد (ماكين وجونز وميتشل). ما يتيح ـ كما خلصت تلك المستويات السياسية ـ توليد حالة إشغال للفرقاء اللبنانيين وإقلاقهم بهذا الحضور المستمر وبموجباته غير المعلنة وإبقاءهم أسرى الاعتقاد بأن الأميركيين يضمرون شيئا, وأسرى السؤال الدائم: ماذا يريد الاميركيون؟», ويتيح ايضا تغذية بعض الراغبين دوما بالأوكسجين الاميركي لاستخدامهم داخليا عندما تدعو الحاجة, وإبقاء بعض العناوين الداخلية مشتعلة على ما حصل ويحصل بالنسبة الى الهجوم على المقاومة وسلاحها. في انتظار أية معطيات جديدة لتغيير او تعديل التوازنات الحالية التي لم يهضمها الأميركيون.
يتقاطع هذا الاستنتاج المبني على الزيارات من حيث الشكل, مع قراءة موازية لمسؤول كبير لا يرى «ما يجب ان يخشى منه من الزيارات الأميركية, فالواقع اللبناني الحالي أكثر قوة وتماسكا من ذي قبل, ولا شيء لدى الأميركيين, فهم سلموا بالأمر الواقع ورضوا به مكرهين, وقد لا تعدو زياراتهم أكثر من سعي الى تأكيد حضور في لبنان, ولعل هذا الحضور هو من باب رفع العتب النفسي أمام انفسهم وأمام حلفائهم, والقول لحلفائهم بأنهم ما يزالون موجودين في لبنان, ولم يتخلوا عن لبنان. ولكن عليكم ان تسلموا بالواقع, فللادارة الأميركية اولوياتها الحالية في العراق وفي أفغانستان, ويجب ان تتفهموها».
على ان المثير, ما تكشف في جانب آخر من التنقيب الداخلي عن مغزى الزحف الاميركي في اتجاه لبنان, وأعطى خبير في السياسة الاميركية بعدا إيرانيا للزيارات. فتحدث عن امتلاكه معطيات تفصل الزيارات بين نوعين, فبعضها زيارات عادية لا تخرج عن سياق محاولة الاحتفاظ بموقع اساسي في لبنان, أما البعض الآخر, فاستطلاعي, سعى فيه مستشار الامن القومي في الغرف المغلقة, وقبله جون ماكين, الى بعض الاجابات حول موقف «حزب الله» إذا ما تعرضت إيران للهجوم, فهل سيرد على إسرائيل. ماكين حدد مصدر الهجوم من إسرائيل.
والجدير بالذكر هنا ان العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين المعتمدين في لبنان, كثفوا تحركهم في الآونة الأخيرة في اتجاه العديد من الشخصيات السياسية, وأبدوا اهتماما بالملف الايراني ومستجداته, وطرحوا على بعض المسؤولين السياسيين والأمنيين, سؤالا حول ما يمكن ان يفعله «حزب الله» اذا ما هاجمت اسرائيل إيران, فهل سيطلق صواريخه؟.. وكان الجواب اذهبوا واسألوه.
تقول شخصية دبلوماسية زارت الولايات المتحدة الاميركية مؤخرا, ان لا شيء منتظرا من زيارة جورج ميتشل, فليس في جعبته شيء يقدمه او حتى يقترحه. وتضيف ان اللبنانيين يبالغون كثيرا في افتراض احتضان اميركي لهم في هذه الفترة, الاميركيون في مكان آخر, لا يفكرون بلبنان, هم مشغولون في العراق وأفغانسـتان, وأيـضا في إيران, فهناك ارباك كبير حولها.
وقالت الشخصية الدبلوماسية انها استنتجت ذلك مما سمعته من دبلوماسي اميركي, كشف عن ان جزءًا من الادارة الاميركية ما يزال مقتنعا بأن «حزب الله» لن يقدم على أي عمل او رد فعل اذا ما هوجمت ايران, وأن زيارة بعض المسؤولين الى لبنان هي لاستكشاف الموقف عن قرب. ولكن الدبلوماسي نفسه يشكك بذلك.
الا ان خبيرا في الشؤون الاميركية, يدعو الى عدم تحميل الزيارات اكثر مما تحتمل. وعندما سئل عن اسبابها اجاب بالآتي: هل حصل تقدم اميركي مع سوريا؟ هل عين الاميركيون سفيرا في دمشق؟ لماذا؟ أليس عندهم اشخاص لهذا المركز؟
ان لبنان, يضيف الخبير المذكور, ما يزال مهما بالنسبة الى الولايات المتحدة, وهو يشكل مفتاح الانطلاق الى العلاقة الاميركية مع سوريا. والاهم ان لا شيء في لبنان يسترعي اهتمام كبار الادارة في واشنطن, والزيارات الى لبنان هي بذات مفعول الزيارات الى أي دولة عربية لا فعالية او ثأتير لها.
يقول مسؤول بارز في المعارضة ان الزيارات الاميركية موضوعة تحت المجهر, والاولوية هي لمنع دخول الهواء الاميركي الاصفر الى الجسد السياسي اللبناني, من خلال استمرار خطوات التحصين الداخلي, والترقب والحذر من قوى سياسية وشخصيات ومواقع نفوذ جاهزة دائما لأن تتلقف أي إملاءات أميركية والسير بها مهما كانت مخاطرها على لبنان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018