ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا يريد المسيحيون؟ وهل صوت بري «نشاز»؟

ماذا يريد المسيحيون؟ وهل صوت بري «نشاز»؟

ادمون صعب - صحيفة السفير

«أبدلني الله بهم خيراً منهم وأبدلهم بي شراً لهم مني»
(الإمام علي) في «نهج البلاغة»

هل أخطأ الرئيس نبيه بري في دعوته إلى تشكيل «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» تطبيقاً للفقرة «ح» من مقدمة الدستور وللمادة 95 من الدستور التي تقول ان «على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم، بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية»؟

وهل استهدف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في كلامه أول من أمس أمام وفد «تجمع الهيئات الإسلامية» الذي زاره في بكركي بقوله: «هناك أصوات نشاز نأمل ان تعود الى طبيعتها، وأن تتضافر جهود جميع اللبنانيين في سبيل خير وطنهم»؟

في الواقع، ان الرئيس بري لم يخطئ في دعوته الى تشكيل الهيئة، بل قام بواجب وطني ودستوري في آن واحد.

وخلافاً لردود الفعل التي أثارها طرح رئيس مجلس النواب في الأوساط المسيحية، فإن إلغاء الطائفية السياسية مرحلياً، بمعنى البدء بإلغائها من النفوس قبل النصوص كما عبّر عنه مراراً البطريرك الماروني شرطاً للقبول بإلغائها، من شأنه ـ أي الإلغاء ـ إفادة المسيحيين قبل المسلمين، وأن أجواء التخويف والترهيب التي وضعت المؤسسة الدينية المارونية المسيحيين فيها، وخصوصاً منذ حرب تموز 2006 وصولاً الى التعبئة النفسية التي قادها سيد بكركي ضد المقاومة وسلاحها، وكذلك ضد الشيعة المتحالفين مع سوريا وإيران، بعد تلك الحرب والتي بلغت أوجها عشية الانتخابات النيابية الأخيرة وأصابت بسهامها مسيحيي المعارضة وفي مقدمهم العماد ميشال عون وزعيم تيار «المردة» النائب والوزير السابق سليمان فرنجية ـ هذه الأجواء هي التي أملت على المؤسسة الدينية موقفها من طرح الرئيس بري، ووصف صوته بأنه «نشّاز».

بينما كان المطلوب من بكركي التي وفّرت التغطية لاتفاق الطائف، ان تقود حملة وطنية لفرض التطبيق الكامل لبنود هذا الاتفاق الذي بدا، في تطبيقه المجتزأ، كأنه قد أخرج المسيحيين من السلطة فقاطع فريق كبير منهم الانتخابات الأولى التي جرت بعد تطبيقه عام 1992 لاعتقادهم ان هذا الاتفاق كان «اتفاق إذعان» سلب رئيس الجمهورية المسيحي الماروني صلاحيات السلطة الإجرائية وأناطها بمجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، محولاً رئيس الجمهورية رئيس بروتوكول.

ولو بادرت بكركي الى قيادة هذه الحملة وضغطت على الحكم من أجل تطبيق تلك البنود، لكان مطلب تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية قد جاء في إطارها مطلباً شرعياً.
ولكن، بدلاً من ذلك، انعكست الأحوال التي أفضت الى اتفاق الطائف، وفي مقدمها هزيمة الميليشيات المسيحية في حرب الجبل، بتواطؤ إسرائيلي، الى شعور المسيحيين بالإحباط، بل باليأس، فسلكوا طريق الهجرة. وقد بدت الأرض تحت أقدامهم رخوة فرحلوا أفواجاً دون أن يجدوا في طريقهم من يقنعهم بوجوب البقاء لأن لبنان هو وطنهم ووطن أجدادهم، وأن الكيان كلّف هؤلاء عشرات ألوف الشهداء والمشردين والمقهورين منذ العام 1840 حتى يومنا هذا.

وعندما قيل للكنيسة إن عليها أن «تستعيد» الجبل، لا أن تعيد أهله إليه، أجابت بأنها لا تريد ان تُعطي مهجِّري (بكسر الجيم) المسيحيين صك براءة إذا ما سعت الى عقد مصالحة معهم إلا أنها اضطرت الى مصالحة سيد المختارة النائب وليد جنبلاط بعد قرابة عشرين سنة، واعتبرت هذه الخطوة «تاريخية».
وإذ ينظر المسيحيون اليوم الى ما آل إليه وضعهم، وخصوصاً بعدما انحدرت نسبة مشاركتهم العددية في الكيان من 57 في المئة في ستينيات القرن

الماضي، الى ما يقرب من 34 في المئة حاليا، وانتقلوا من طائفة كبيرة ذات حضور وازن وصاحبة دور مؤثر في الدولة والمجتمع، الى أقلية تتناقص باستمرار في مواجهة أكثريتين إسلاميتين سنية وشيعية تتزايدان عددياً وتهيمنان، في نظرها، على السلطة بالمال والسلاح ولا تتركان فيه مكاناً للمسيحيين ـ وهم إذ ينظرون الى هذا الوضع يتساءلون: ما الحل؟

الجواب بسيط: ما دام المسيحيون قد تحولوا أقلية في الكيان الذين بنوه وكانوا أسياده، فإن طموحهم الأساسي يجب أن يتوجه الى الدور والنوعية. وهذان الأمران لا يتحققان إلا في ظل نظام مدني، غير طائفي. أي لا يقتصر إلغاء الطائفية فيه على الطائفية السياسية التي قامت قيامة المسيحيين بقيادة بكركي على الرئيس نبيه بري بسببها، بل على إلغاء طائفية النظام وإزالة الحواجز بين الطوائف، دون إلغاء الأخيرة أي فصل الدين عن الدولة، وجعل المواطنة فيها الأساس لا الانتماء الطائفي. واعتماد مقاييس العدالة والمساواة والكفاءة ـ وخصوصاً الكفاءة ـ في وظائف الدولة ـ وهذا من شأنه أن ينصف المسيحيين في الدرجة الأولى، وهم الذين كانوا يبررون في السابق استئثارهم بمعظم السلطات التي كانت موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية الماروني، بأنهم أكثر كفاءة من سواهم، والأرفع تعلماً، والأكثر حداثة وعصرنة الخ... وقد أدى هذا الوضع «الشاذ» الى «الثورة الدستورية» في عهد الرئيس سليمان فرنجية والتي أنصفت المسلمين مرحلياً وكانت الأساس الذي بني عليه اتفاق الطائف. إلا ان تحقيق «الطموح المسيحي»، إذا كان هناك مجال بعد للطموح، في ظل الانقسام الحاد المسيحي وتعذّر المصالحة بين الأقطاب واستنزاف الكنيسة لقواها في الصراعات السياسية، وخصوصاً مع الشيعة و«حزب الله»، وكذلك في المواجهة مع فريق كبير من المسيحيين ـ فهو في إعادة النظر في هيكلية إدارة الشأن السياسي والوطني في المؤسسة الدينية المسيحية، أي في الصيغة التي ابتكرتها بكركي لإدارة «مال قيصر» في ديار الإسلام الذي هو دين ودنيا، ونعني بها مجلس المطارنة.

ذلك أن صيغة مجلس المطارنة الذي يجتمع شهرياً ويناقش شؤون الدنيا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتطرق أحياناً الى الشؤون الإقليمية والدولية، هي صيغة خجولة، وغير عملية. لأن السادة المطارنة، مع احترامنا لأشخاصهم ولطهارتهم بل وقداستهم، لا يمكن ان يختزلوا الرأي والموقف المسيحيين. كما انه ليست لديهم المعرفة والخبرة والأفق، وحتى السلطة المتوافرة لدى المجالس الموازية لدى الطوائف المحمدية ـ وخصوصاً في الشخصيات التي يتألف منها المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى (السني)، والمجلس الشيعي الأعلى واللذان يضمان وزراء ونواباً وسياسيين وأكاديميين... يشكلون رافداً مهماً في الرأي والمعرفة والخبرة والموقف السياسي الخ...

الى جانب ذلك، يجب ان يضم «المجلس الاستشاري» المسيحي، إذا جازت تسميته هكذا، شخصيات من سائر الطوائف المسيحية بحيث لا يقتصر التداول على الموارنة.
وفي خطوة متقدمة أكثر، ربما مطلوب من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الذي يدخل عامه التسعين في شهر أيار المقبل، أن يسأل الله أن يلهمه الراحة بعدما عبر بالمسيحيين الى بر الأمان، بحيث تكون هناك مؤسسة جديدة يكون على رأسها راع جديد قادر على حمل الأمانة.
وتشير دراسة فرنسية مهمة لأحوال المسيحيين في لبنان والشرق، إلى أن مسيحيي لبنان قد استنفدوا مثالي العاميات والبطريرك الياس الحويك الذي وحّد اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين وراء الاستقلال، و«أعطي مجد لبنان»، وأن عليهم ان يبتكروا صيغة صورة جديدة تأخذ في الاعتبار التطورات التي شهدها لبنان، وتنسجم مع الأوضاع في المنطقة وخصوصاً «الوجود المسيحي في ديار الإسلام».

آملين في أن ينظر المسيحيون الى دعوة الرئيس بري الى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية على أنها دعوة مخلصة للسير بالقبائل اللبنانية على طريق الاندماج الوطني والخروج من الشرانق الطائفية والمذهبية التي تهدد بخنق لبنان على نحو يخدم المشروع الصهيوني في المنطقة، مذكّرين الموارنة خصوصاً بما ورد في الإرشاد الرسولي بأنه «لا يجوز أن تكـون المصـالحة أقل رسوخاً في النـفس من الانقسام».

2010-01-21