ارشيف من :أخبار لبنانية

حين لا تكون الحرب نمضي في توقعها

حين لا تكون الحرب نمضي في توقعها
الفضل شلق - "السفير"

الصهيونية تجربة عنف، ممارسة للعنف. اسرائيل دولة حرب لأنها صهيونية. مارست العنف تجاه الآخرين وتجاه نفسها. سلخت نفسها عن العالم. توهمت انها شعب، وان الشعب بلا ارض، وان الشعب يحتاج الى ارض. اقتلعت هذا الشعب من مكانه. زرعته في مكان آخر؛ في ارض شعب آخر. سلخت هذا الشعب الاخر من أرضه، من المكان الذي كان فيه. توهمت انها شعب بلا ارض وان الآخر (الفلسطيني ـ العربي) ارض لا شعب لها، كانت الصهيونية مخطئة، بل مذنبة في التصورين، وفي العنف الذي ادى الى انسلاخ الشعبين. هي ايديولوجيا استخدمت اليهود لتحولهم من دين الى شعب، بعد ان سلختهم عن شعوبهم؛ واستخدمت الفلسطينيين لتحولهم الى لاجئين ومقتلعين ومهمشين. دفعتهم الى الهجرة، الى المخيم. الفلسطيني يقبع في مخيم الفقر والتهميش والاقتلاع؛ والاسرائيلي يسكن في مخيم التدريب. على الاسرائيلي ان يتدرب من اجل الحرب. يعيش من اجل الحرب. اسرائيل جيش اقتطعت له دولة.
الصهيونية عنف مضاعف. هي عنف العولمة والاصولية مدفوعاً الى نهاية منطقه. تقول العولمة ان للانسان هوية واحدة لا هويات متعددة. أفرغت منه التعدد. تقول ان للانسان طريقاً واحداً. نزعت منه تعدد الاحتمالات وامكانات الاختيار. نزعت حريته وحولته الى مجرد مستهلك للمعايير المعممة حول العالم وللمنتجات التي يقدمها له النظام العالمي الامبريالي عبر شركات التسويق والاعلان والاعلام. حتى الافكار صارت سلعاً للاستهلاك. يفقد الانسان توازنه عندما يصير ذا بعد واحد، اذ لا توازن الا عندما تكون هناك تعددية يضطر الانسان الى موازنة أطرافها.
 
مع الاصولية ينعدم التوازن كلية. يفقد الإنسان حاضره، يصير مجرد نسخة عن الماضي. الماضي ليس تاريخاً في تطور بل اصل يملي كل تطورات لاحقة. تحتاج كل أصولية الى كثير من العنف كي تسلخ الناس عن تاريخهم وتعيدهم الى الأصل وتمنعهم عن التجاوز . التجاوز هو ما يجعل التطور ممكناً، هو ما يجعل التاريخ ممكناً: التجاوز هو حصيلة ارادة الناس بشأن مصيرهم.

تذرعت الصهيونية بالماضي السحيق لتنشئ دولة. كان ذلك وما يزال تبريراً للعنف والحرب. قبل تأسيس الدولة وبعدها، كانت الصهيونية تدرك ان بقاءها وبقاء دولتها مرهونان بسياق عالمي، سياق عولمي اصولي. لم يُعقد المؤتمر الصهيوني اليهودي التأسيسي في أواخر القرن التاسع عشر أي في ذروة التوسع الامبريالي وفي عز ازدهار العنصرية الغربية، الا بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني المسيحي بخمسة أعوام. وجاء الوعد، وعد بلفور، من الدولة الامبريالية الكبرى في حينه. ثم وافق الكونغرس الأميركي، في عام 1922، على وعد بلفور من الدولة الامبريالية الكبرى التي سوف تخلف بريطانيا على قمة العالم.
انشأت الامبريالية الصهيونية، وانشأت الصهيونية إسرائيل، فكانت إسرائيل هي الضمير المستتر والظاهر لهذه الامبريالية، وكان العرب على حق في معارضة الصهيونية وفي معارضة اسرائيل؛ فهي كانت القوة الخارجية التي تسعى لمنع العرب من ان يكونوا هم كما يشاؤون ان يكونوا. كانت اسرائيل وأولياؤها يعلمون ويدركون ان هذه الدولة لا يمكن ان تستمر وتبقى الا بالقوة؛ ليس بالسلم والتفاوض والتسوية، بل بالقوة والعنف وافتعال الحرب واحدة بعد اخرى. لم يكن صدفة ان اسرائيل اصبحت الحليف الاستراتيجي للقوة الامبراطورية الكبرى. ولم يكن صدفة انها صارت هي مستودع ذخائرها العسكرية في المنطقة.

لم تكن القوة سبب وجود اسرائيل، بل هو العنف. القوة استمدتها من قوة إمبراطورية بعد اخرى. لم يمر يوم الا واسرائيل حليفة لإمبراطورية ما، ثم تنتقل الى اخرى عندما يتراجع وضع الحليف السابق. لكن العنف الذي استخدمته اسرائيل لقاء أي حادثة يقوم بها أي عربي، ولو كانت حادثة فردية، والذي كان يستدعي رداً اسرائيلياً غير متساوٍ، أدى الى ان تكون اسرائيل حالة امنية، وان مجتمعها دائم التوتر قائم على التدريب تام الجهوزية.

أدى وجود اسرائيل الى ان نعيش نحن المحيطين باسرائيل حال حرب دائمة. وحين لا تكون حرب نمضي الوقت في توقعها. فاسرائيل تهديد دائم. وقادة اسرائيل لا يتوقفون يوماً عن التهديد بالحرب. تضطر اسرائيل ايضاً ان تعيش حالة حرب دائماً. في مزامنتها وتحالفها مع الإمبراطورية الكبرى، يتوجب عليها ان تحارب او تظهر في حالة حرب كي تتلقى المساعدات التي تفوق ما هو معلن عنه. تتلقى اسرائيل سنوياً حوالي 8 مليارات دولار كمساعدات من اجل الحرب. 3 مليارات منها سلع عسكرية و3مليارات مساعدات مدنية وملياران من مساعدات الجمعيات والأفراد المعفيين من الضرائب. ان هذه المساعدات التي لا فائدة تدفع عليها تتطلب اقتصاداً اكبر من حجم اسرائيل بمرات كي ينتجها. تتلقى اسرائيل من المساعدات ما يفوق كل ما تتلقاه أي جهة اخرى في المعمورة، حتى ولايات الإمبراطورية المنكوبة حيناً.

كان عنوان المقالة السابقة «الحلم العربي المفقود». هو مفقود بسبب تشتت الوعي الذي ادت اليه الاصولية والعولمة. هذا الوعي المدمّر هو الوجه الاخر لاسرائيل، للصهيونية التي تمثل العولمة والاصولية والحرب الدائمة العالمية في آن معاً. العرب هم ضحايا هذه الدولة التي خلقتها الإمبراطورية وترعاها بكل ما لديها من سلاح وذخائر وخطط ومناورات. في الكونغرس الأميركي يتعاطون مع اسرائيل وكأنها ولاية اخرى وأكثر من ذلك: لا احد منهم يعترض على «المساعدات» التي تقدم لاسرائيل. كل من يعترض يعزل ثم يصار الى اسقاطه في الانتخابات التالية.
 
اسرائيل هي وليدة الامبريالية المعولمة والاصولية الغربية. وهي المستفيدة الاولى من تسليحها ومن خططها العدوانية على هذه المنطقة. والعرب هم ضحاياها، حتى اشعار آخر. يستحق الامر وقفة تأمل في وسائل المواجهة التي اتبعت حتى الان والتي يمكن ان تتابع في المستقبل.
2010-01-22