ارشيف من :أخبار لبنانية

التهديدات الاسرائيلية مجرد "قنبلة صوتية"؟

التهديدات الاسرائيلية مجرد "قنبلة صوتية"؟
جورج علم - "السفير"

يسجّل لبنان مأخذاً على الأمم المتحدة لأنها لم تحرّك ساكناً لوقف الخروقات الإسرائيليّة شبه اليوميّة للسيادة اللبنانيّة، مع حفظ الاعتبار لقيادة قوات (اليونيفيل) التي لا تقصّر في إبلاغ نيويورك بكل خرق يحصل للخط الأزرق.

ويسجّل الحضور الدبلوماسي الغربي في المقابل ملاحظات ثلاث: تضارب المعلومات بشأن التهديدات الإسرائيليّة بين قائل إن مجلس الوزراء وضعها في رأس قائمة اهتماماته، الى قائل إنها لم تطرح على جدول أعماله، وقد بادر المسؤولون كلٌ من موقعه الى التصرّف في ضوء قناعاته.

والثانية: أن لبنان العضو في مجلس الأمن لم يتقدّم بشكوى رسميّة ضدّ الحكومة الإسرائيليّة، إما لوجود ضغوط خارجيّة قاهرة، أو لأن الحسابات المحليّة تملي على المسؤولين التصرف في حدود ما يتصرّفون به راهناً.

والثالثة: عدم توزيع أي مفكّرة رسميّة على البعثات الدبلوماسيّة المعتمدة في بيروت تحدد حقيقة الموقف الرسمي من التهديدات، وما هو المطلوب للمساعدة على مواجهتها، وقد اكتفى رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان بالتطرق إليها خلال الكلمة التي ألقاها في السلك الدبلوماسي خلال الاحتفال الذي أقيم في القصر الجمهوري بمناسبة الأعياد، ووزّع نصّ الخطاب غير مرفق بأي طلب رسمي للتحرّك.

ويأتي تسجيل هذه الملاحظات في سياق المتابعة المدققة لكل من الولايات المتحدة الاميركيّة والاتحاد الأوروبي، للتهديدات، والتمعن بعمق دوافعها، ومدى وجود احتمالات جديّة لتنفيذها، والتحقق أيضاً من الأهداف المتوخاة منها، ومدى تأثيرها على التوازنات السياسيّة والطائفيّة التي تشكّل ـ وحتى إشعار آخر ـ صمّام الأمان للتركيبة السياسيّة في لبنان.
 
وفي سياق ما هو متداول، فإن بيروت حصلت على تطمينات تفيد بأن التهديدات سوف تبقى ـ وحتى إشعار آخر ـ مجرّد قنبلة صوتيّة، إلاّ إذا حصل ما لم يكن في الحسبان، واستجدت تطورات «غير منتظرة» يمكن ان تقلب الطاولة في الشرق الاوسط على رؤوس أصحابها؟!.

ويستند جانب من هذه التطمينات الى تقرير أعدّ في عهد وزيرة الخارجيّة السابقة كوندليسا رايس حيث دوّن يوميّات حرب تموز، وانتهى الى مجموعة ملاحظات أبرزها: إن الحرب وحّدت اللبنانيين وراء المقاومة، وإن «حزب الله» خرج من المواجهة أقوى مما كان عليه في الداخل اللبناني، والشواهد على ذلك كثيرة، منها الاعتصام في وسط بيروت، ثم أحداث السابع من أيار، وبعدها اتفاق الدوحة الذي أخذ بغالبية الشروط التي نادت بها قوى 8 آذار، والاحتفاظ بالثلث الضامن (او المعطّل) في الحكومة... وهذا ما يقود الى الاستنتاج بأن أي عدوان إسرائيلي جديد، وأيّا تكن نتائجه، فإن «حزب الله» سيخرج منه أقوى مما كان عليه، وسيفرض خياراته عند البدء بإعادة ترميم الدولة، ومؤسساتها.
 
وينظر الاتحاد الأوروبي من منظاره الى التهديدات، ويستخلص مجموعة ملاحظات، منها: أن الاهتمام الأول عند الحكومة الاسرائيليّة يتمحور حول البرنامج النووي الايراني، والتخطيط لما يمكن اعتماده لمنع طهران من الحصول على القنبلة النووية، وسبق لبنيامين نتنياهو أن بحث الأمر مع إدارة الرئيس باراك أوباما، وعرض أكثر من خطة، على ان يدخل العدوان على لبنان كجزء متمم لأي سيناريو قد يصار الى اعتماده ضدّ إيران، إلاّ أن الإدارة الاميركيّة لا تزال تتحدث عن وجود خيارات أخرى متاحة، وإن «الضربة العسكريّة» تبقى من الاحتمالات التي يمكن اللجوء اليها إذا ما أخفقت الأولويات التي يعمل عليها راهنا لتحقيق الأهداف المرسومة.

وكانت المحادثات الرسميّة اللبنانيّة ـ الاميركيّة سواء تلك التي أجراها الرئيس سليمان في واشنطن، او التي خاض بها المستشار الخاص للرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي جايمس جونز في بيروت قد أفضت الى نتيجتين: الأولى، ان واشنطن لا تزال تراهن على الفرص المتاحة سواء عبر الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، او خارجها، للوصول الى تسويات، وأن الاتصالات لم تصل بعد الى الطريق المسدود. والثانية: الحرص على أن يبقى لبنان خارج أي دوامة عنف اذا هبّت الرياح في المنطقة عكس ما تشتهي أشرعتها، كونها ملتزمة بالحرص على سيادته، وعلى ألاّ تكون أية تسوية على حسابه.
 
ويلتقي الأوروبيون مع الأميركيين على ضرورة العمل لتحقيق «الفصل بين المسارين اللبناني والايراني» انطلاقا من القرار 1701، وهناك تطابق في المواقف حول جملة من النقاط، منها ضرورة تنفيذه بكامل بنوده، وإنجاح تجربة الجيش اللبناني في الجنوب، ودعم دوره، وعدم تحويل قوات (اليونيفيل) الى ثابتة دائمة في أي حلّ أو إخراج، والحرص على تطبيق سائر القرارات الدوليّة ذات الصلة بشكل متوازن، ومضاعفة التقديمات لتنفيذ العديد من المشاريع الإنمائيّة التي تؤهل الجنوبييّن للانخراط بمشاريع زراعيّة وصناعيّة تغيّر من أنماط حياتهم. لكن مقابل هذا التطابق، ظهر نوع من التباين في وجهات النظر، حيث تتبنى الإدارة الاميركيّة الكثير من وجهات النظر الاسرائيليّة، من بينها السعي الى تنفيذ مندرجات الـ1701 عن طريق الحوار المباشر، وبالتالي لا بدّ من ان تكون هناك طاولة بإشراف الولايات المتحدة او الامم المتحدة لتشجيع الطرفين، ومتابعة المناقشات، والتدخل عند الضرورة لإنقاذها من لعبة الشروط والشروط المضادة، فيما يرى الجانب الأوروبي أن لبنان غير مهيأ، ولا بدّ من تفعيل الاجتماعات العسكريّة التي تعقد في الناقورة بخطوات عمليّة على أرض الواقع ترسمل المنطق السيادي عند الدولة اللبنانية، وأيضاً لا بدّ من تحقيق اختراق إيجابي على المسارين الفلسطيني والسوري، قبل التفكير بمفاوضات مباشرة على المسار اللبناني.
 
وإذ تصرّ الحكومة اللبنانية على رفض الطرح التفاوضي عن بكرة أبيه راهناً، ترى ان النقاش حول الآليات التي يمكن اتباعها لتنفيذ القرار بكامل مندرجاته يجب أن يبدأ من الالتزام الاميركي ـ الدولي الجدّي بالسيادة عن طريق ممارسة ما يكفي من الضغوط لتحرير المناطق اللبنانية المحتلّة، وحمل إسرائيل على وقف خروقاتها الجويّة والبريّة والبحريّة للخط الأزرق، ليصار في ضوء ذلك الى الانطلاق بآليّة جديدة تقود الى وضع اتفاق الهدنة موضع التنفيذ، إلاّ أن الإدارة الاميركيّة لا تملك لغاية الآن روح المبادرة للتصرّف على هذا النحو، ولذلك تكتفي بترداد ما بات مملاً عن وجوب وقف تهريب السلاح أولاً.

وفي ظلّ ما هو متداول من نقاش أوروبي ـ أميركي حول التهديدات في الكواليس المقفلة، تقول مصادر ثقة إن السناتور ميتشيل وصل الى بيروت بعد أن مرّ في بروكسل، واجتمع هنالك الى الرباعيّة الدوليّة، وكان الانطباع السائد هناك بأن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يتصرفان وكأن هناك استسلاماً ورضوخاً تاماً للتطرف في المنطقة سواء جاء عبر الطروحات او عبر الممارسات، علماً بأن الجهود الدبلوماسيّة التي تبذل هدفها شطب المعادلة السائدة في الشرق الاوسط حيث التطرّف يقابل بتطرف، واللاءات من هذا الجانب، تقابل بلاءات من جانب آخر، وهذا ما يجعل الجهود الرامية الى تحقيق السلام تدور في الحلقة المفرغة.
2010-01-23